|
الحَدِيث الْخَامِس رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " لَا تقبل شَهَادَة خائن وَلَا خَائِنَة ، وَلَا زَان وَلَا زَانِيَة " . [9/625] هَذَا الحَدِيث يرْوَى من طرق : إِحْدَاهَا : من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده وَله خمس طرق عَنهُ : أَولهَا : عَن سعيد بن عبد الْعَزِيز ، عَن سُلَيْمَان الدِّمَشْقِي ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده : " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رد شَهَادَة الخائن والخائنة ، وَذي الغِمر عَلَى أَخِيه ، ورد شَهَادَة القانع لأهل الْبَيْت وأجازها لغَيرهم " ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي " سنَنه " كَذَلِك سندًا ومتنًا ، ثمَّ رَوَاهُ بالسند الْمَذْكُور بِلَفْظ : قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " لَا تجوز شَهَادَة خائن وَلَا خَائِنَة ، وَلَا زَان وَلَا زَانِيَة ، وَلَا ذِي غمر عَلَى أَخِيه " ، ثمَّ قَالَ : الْغمر : الحنة والشحناء ، وَقَالَ غَيره : الْعَدَاوَة . وَقَوله : " عَلَى أَخِيه " رَأَيْته فِي نُسْخَة كَذَا فِي الْأُخوة وبخط بعض الْقُضَاة " الأحنة من الْعَدَاوَة " وَهُوَ ظَاهر . ثَانِيهَا : من حَدِيث مُحَمَّد بن رَاشد ، عَن سُلَيْمَان ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، [ عَن أَبِيه ] ، عَن جده : " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رد شَهَادَة الخائن والخائنة ، وَذَوي الْغمر عَلَى أَخِيه ، ورد شَهَادَة القانع لأهل الْبَيْت [ وأجازها ] لغَيرهم " ، والقانع : الَّذِي ينْفق عَلَيْهِ أهل الْبَيْت . وَسليمَان هَذَا هُوَ الْمَذْكُور فِي الطَّرِيق الأول أَيْضا ، وَهُوَ أموي مَوْلَاهُم دمشقي الْأَشْدَق ، قَالَ خَ : عِنْده مَنَاكِير ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَمُحَمّد هَذَا [9/626] هُوَ المكحول ، وَفِيه مقَال ، وَثَّقَهُ أَحْمد وَالْجَمَاعَة ، وَقَالَ دُحَيْم : يذكر بِالْقدرِ ، وَقَالَ أَبُو مسْهر : كَانَ يرَى الْخُرُوج ، وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ من أهل النّسك لَكِن لم يكن الحَدِيث من صناعته ، وَكَانَ يَأْتِي بالشَّيْء عَلَى التَّوَهُّم ، وَكَثُرت الْمَنَاكِير فِي رِوَايَته فَاسْتحقَّ ترك الِاحْتِجَاج بِهِ . وَأخرج هَذَا الحَدِيث تَقِيّ الدَّين فِي " الْإِلْمَام " من طَرِيق أبي دَاوُد هَذِه وَقَالَ : اخْتلف فِي الِاحْتِجَاج بِهَذَا ، (وَنقض رِوَايَته) . ثَالِثهَا : من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة النَّخعِيّ ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : " لَا يجوز للشَّهَادَة خائن وَلَا خَائِنَة ، وَلَا مَحْدُود فِي الْإِسْلَام ، وَلَا ذِي غمر عَلَى أَخِيه " ، رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه ، وَابْن أبي شيبَة فِي " تصنيفه " ، وَلَفظه : " الْمُسلمُونَ عدُول بَعضهم عَلَى بعض إِلَّا محدودًا فِي فِرْيَة " . وَالْحجاج هَذَا قد عرفت حَاله غير مرّة . رَابِعهَا : من حَدِيث آدم بن فائد ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " لَا تجوز شَهَادَة خائن وَلَا خَائِنَة ، وَلَا مَحْدُود فِي الْإِسْلَام ، وَلَا ذِي غمر عَلَى أَخِيه " . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي " سنَنه " كَذَلِك ، وآدَم هَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : مَجْهُول ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : لَا يحْتَج بِهِ . [9/627] خَامِسهَا : من حَدِيث الْمثنى بن الصَّباح ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " [ لَا ] تجوز شَهَادَة خائن وَلَا خَائِنَة ، وَلَا مَوْقُوف عَلَى حد ، وَلَا ذِي غمر عَلَى أَخِيه " . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي " سنَنه " كَذَلِك ، والمثنى هَذَا سبق تَضْعِيفه غير مرّة ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " سنَنه " بعد أَن أخرجه من هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ : [ آدم بن فائد والمثنى بن الصَّباح لَا يحْتَج بهما ، و ] رُوِيَ من أوجه ضَعِيفَة عَن عَمْرو ، قَالَ : [ وَمن ] رَوَى من الثِّقَات هَذَا الحَدِيث " وَلَا مجرب " لم يذكر " المجلود " ، وَلم يذكر " الْمَحْدُود " فِيهِ ، وَهُوَ الثِّقَة من جملَة من رَوَى هَذَا عَن عَمْرو فَلَا يلْزمنَا قَول خلاف من خَالفه . الطَّرِيق الثَّانِي : من أصل طرق الحَدِيث حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " لَا تجوز [ شَهَادَة ] خائن وَلَا خَائِنَة ، وَلَا [ مجلود ] حدًّا [ وَلَا مجلودة ] ، وَلَا ذِي غمر لِأَخِيهِ ، وَلَا مجرب عَلَيْهِ شَهَادَة زور ، وَلَا القانع لأهل الْبَيْت لَهُم ، وَلَا ظنين [ فِي وَلَاء ] وَلَا قرَابَة " قَالَ الْفَزارِيّ : القانع : التَّابِع . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي " جَامعه " كَذَلِك من رِوَايَة يزِيد بن زِيَاد الدِّمَشْقِي ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة . وَمِمَّنْ رَوَاهُ كَذَلِك الْبَيْهَقِيّ فِي " سنَنه " وَلم يذكر " القانع " وَرَوَاهُ [9/628] الدَّارَقُطْنِيّ فِي " سنَنه " دون قَوْله : " وَلَا مجرب ، وَلَا ظنين فِي وَلَاء وَلَا قرَابَة " ، لكنه قَالَ فِيهِ : يزِيد بن أبي زِيَاد الْقرشِي . وَهُوَ يزِيد بن زِيَاد أَيْضا - يُقَال فِيهِ هَذَا وَهَذَا - قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا يعرف هَذَا [ الحَدِيث ] من حَدِيث الزُّهْرِيّ إِلَّا من حَدِيثه ، وَلَا نَعْرِف [ مَعْنَى ] هَذَا الحَدِيث ، وَلَا يَصح عندنَا من قبل إِسْنَاده . قَالَ : وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أهل الْعلم أَن شَهَادَة الْقَرِيب جَائِزَة لِقَرَابَتِهِ ، وَقَالَ [ : قَالَ الشَّافِعِي: لَا تجوز شَهَادَة لرجل عَلَى ] الآخر وَإِن كَانَ عدلا إِذا كَانَ بَينهمَا عَدَاوَة ، وَذهب إِلَى حَدِيث عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلا : " لَا تجوز شَهَادَة صَاحب إحْنَة " يَعْنِي عَدَاوَة . وَكَذَلِكَ مَعْنَى هَذَا الحَدِيث حَيْثُ قَالَ : " لَا تجوز شَهَادَة صَاحب غمر " ، يَعْنِي صَاحب عَدَاوَة ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي " علله " : سَأَلت أَبَا زرْعَة عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : هَذَا حَدِيث مُنكر وَلم يقْرَأ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " سنَنه " : هَذَا حَدِيث ضَعِيف . قَالَ : وَيزِيد بْن زِيَاد وَيُقَال : ابْن أبي زِيَاد الشَّامي هَذَا ضعيف . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : يزِيد هَذَا لَا يحْتَج بِهِ . وَكَذَا ضعف هَذَا الحَدِيث من الْمُتَأَخِّرين ابْن الْجَوْزِيّ فِي " علله " و" تَحْقِيقه " ، وَعبد الْحق فِي " أَحْكَامه " ، وَأما أَبُو مُحَمَّد بن حزم [9/629] فَإِنَّهُ أخرجه فِي " محلاه " من طَرِيق أبي عُبَيْدَة ، وَقَالَ عَن يزِيد الْجَزرِي : أَحْسبهُ يزِيد بن سِنَان ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَة ، عن عَائِشَة مَرْفُوعا : " لَا تجوز شَهَادَة خائن وَلَا خَائِنَة ، وَلَا ظنين فِي وَلَاء وَلَا قرَابَة ، وَلَا مجلود فِي حد " ، وَقَالَ : لَا يَصح ؛ لِأَنَّهُ عَن يزِيد وَهُوَ مَجْهُول ؛ فَإِن كَانَ يزِيد بن سِنَان فَهُوَ مَعْرُوف بِالْكَذِبِ . هَذَا كَلَامه وَقد علمت أَنه يزِيد . الطَّرِيق الثَّالِث : من حَدِيث عبد الْأَعْلَى بن مُحَمَّد ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سعيد بن الْمسيب ، عَن عبد الله بن عمر : " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خطب فَقَالَ : أَلا لَا تجوز شَهَادَة الخائن وَلَا الخائنة ، وَلَا ذِي غمر عَلَى أَخِيه ، وَلَا الْمَوْقُوف عَلَى حد " ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي " سُنَنهمَا " كَذَلِك ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : يَحْيَى بن سعيد هُوَ الْفَارِسِي [ مَتْرُوك ] ، وَعبد الْأَعْلَى ضَعِيف . قلت : وَيَحْيَى أَيْضا ضَعِيف ، ثمَّ قَالَ البُخَارِيّ ، وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : مُنكر الحَدِيث وَهُوَ مَجْهُول ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : يروي عَن الزُّهْرِيّ أَحَادِيث مَوْضُوعَة ، مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : يروي عَن الزُّهْرِيّ ، وَأبي الزبير ، وَهِشَام بن عُرْوَة مَنَاكِير ، مَتْرُوك ، وَقَالَ ابْن عدي : يروي عَن الثِّقَات البواطيل . فيلخص من هَذَا كُله أَنه حَدِيث ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ ، لَا جرم قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " سنَنه " : لَا يَصح من هَذَا شَيْء عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يعْتَمد عَلَيْهِ . قَالَ : وَيروَى عَن عمر : " أَنه كتب إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ : الْمُسلمُونَ عدُول بَعضهم عَلَى بعض إِلَّا مجلودًا فِي حد ، أَو مجربًا شَهَادَة [9/630] زور ، أَو ظنينًا فِي وَلَاء وَلَا قرَابَة " ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهَذَا إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ قبل أَن يَتُوب ؛ فقد روينَا : " أَنه قَالَ لأبي بكرَة : تب تقبل شهادتك " . قَالَ : وَهَذَا هُوَ المُرَاد بِسَائِر من رد شَهَادَته مَعَه . تَنْبِيه : من الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث جُبَير بن مطعم مَرْفُوعا : " شَهَادَة الْمُسلمين بَعضهم عَلَى بعض جَائِزَة ، وَلَا تجوز شَهَادَة الْعلمَاء بَعضهم عَلَى بعض ؛ لأَنهم حسد " ، قَالَ الْحَاكِم : لَيْسَ هَذَا من كَلَام رَسُول - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، وَإِسْنَاده فَاسد من أوجه كَثِيرَة يطول شرحها . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي " مَوْضُوعَاته " : فِي إِسْنَاده مَجَاهِيل وضعفاء كَأبي هَارُون الْعَبْدي .
|