الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين
عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " لَا تقبل شَهَادَة ظنين وَلَا خصم " .
هَذَا الحَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه ، لم أَقف عَلَى من خرجه ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ مَالك فِي " الْمُوَطَّأ " مَوْقُوفا عَلَى والده بلاغًا ، وَهَذَا لَفظه : عَن مَالك أَنه بلغه أَن عمر بن الْخطاب قَالَ : " لَا تجوز شَهَادَة خصم وَلَا ظنين " .
وَوَقفه عَلَى عَائِشَة ، وَجَابِر ، وَأبي هُرَيْرَة ، أما حَدِيث عَائِشَة فَتقدم فِي الْبَاب بِلَفْظ : " لَا تجوز شَهَادَة ظنين فِي وَلَاء وَلَا قرَابَة " .
وَأما حَدِيث جَابر فَرَوَاهُ ابْن عدي من حَدِيث حَمَّاد بْن الْحسن ، [ عَن أبي دَاوُد ] ، عَن قيس بن الرّبيع ، عَن عبد الله بن [ مُحَمَّد بن ] عقيل ، عَن جَابر مَرْفُوعا : " لَا تجوز شَهَادَة مُتَّهم وَلَا ظنين " .
أعله عبد الْحق بِعَبْد الله بن عقيل [9/656] فَقَالَ : ضعفه النَّاس إِلَّا أَحْمد بن [ حَنْبَل ، و ] إِسْحَاق [ بن رَاهَوَيْه ] ، والْحميدِي .
قلت : وَغَيرهم كَمَا عَرفته فِي بَاب الْوضُوء
، وَترك فِي الْإِسْنَاد - كَمَا نبه عَلَيْهِ ابْن الْقطَّان - قيس بن الرّبيع وَهُوَ ضَعِيف عِنْده ، وَحَمَّاد بن الْحسن وَهُوَ لَا يعرف حَاله .

وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَرَوَاهُ الْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : " لَا تجوز شَهَادَة ذِي الْجنَّة والظنينة " .
قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . وَادَّعَى الإِمَام فِي " نهايته " أَن الشَّافِعِي اعْتمد خَبرا صَحِيحا وَهُوَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : " لَا تقبل شَهَادَة خصم عَلَى خصم " .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَأَصَح مَا رُوِيَ فِي الْبَاب [ وَإِن كَانَ مُرْسلا ] حَدِيث عبد الرَّحْمَن [ عَن ] الْأَعْرَج أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " لَا تجوز شَهَادَة ذِي الظنة وَالْجنَّة [ والحنة ] " .
وَالْجنَّة : الْجُنُون [ والحنة ] : الَّذِي يكون بَيْنك وَبَينه عَدَاوَة ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : لَا أَدْرِي هَذَا التَّفْسِير من قَول من [ من ] هَؤُلَاءِ الروَاة . يَعْنِي : رُوَاة الحَدِيث ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي " مراسيله " وَجعل التَّفْسِير الْمَذْكُور من قَوْله .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِيَ من وَجه آخر مُرْسل عَن طَلْحَة بن عبد الله بن عَوْف : " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعث مناديًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى الثَّنية : أَنه لَا [9/657] تجوز شَهَادَة خصم وَلَا ظنين وَالْيَمِين عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ " . أخرجه أَبُو دَاوُد فِي " مراسيله " مَعَ حَدِيث الْأَعْرَج .
قلت : الَّذِي فِي " مراسيله " من حَدِيث طَلْحَة الْمَذْكُور " لَا تجوز شَهَادَة الْخصم وَلَا ظنين " لم يزدْ عَلَى هَذَا ، ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهَذَانِ المرسلان يقويان حَدِيث عَائِشَة السالف ويؤكدانه .
فَائِدَة : الظنين : الْمُتَّهم ، وَقيل : المُرَاد الْخصم الْعَدو ، وَحَكَاهُ الرَّافِعِيّ ، وَاعْلَم أَنه تقدم فِي الحَدِيث " إحْنَة " بِالْألف ، وَفِي الصَّحِيح : فِي صَدره إحْنَة ؛ أَي : حقد ، وَلَا تقل : حنة .
وَفِي الغريبين للهروي [ الحنة ] لُغَة ردية ، واللغة الْعَالِيَة : إحْنَة . قَالَ الْأَصْمَعِي : فِي صَدره إحْنَة ، وَلَا يُقَال : حنة .
وَحَكَى " حنة " المطرزي ، عَن ابْن الْأَعرَابِي ، وَابْن درسْتوَيْه ، عَن الْخَلِيل ، وَابْن خالويه .