|
الحَدِيث الثَّانِي أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " الْوَلَاء لحْمَة كلحمة النّسَب لَا يُبَاع وَلَا يُوهب " . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ [ الْبَيْهَقِيّ ] فِي " سنَنه " عَن الْحَاكِم وَغَيره ، عَن [9/714] الْأَصَم ، عَن الرّبيع ، عَن الشَّافِعِي - وَهُوَ فِي " مُسْنده " - عَن مُحَمَّد بن الْحسن ، عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم ، عَن عبد الله بن دِينَار ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، ثمَّ قَالَ : وَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن الْحسن الْفَقِيه ، عَن يَعْقُوب أبي يُوسُف القَاضِي ، عَن عبد الله بن دِينَار ، قَالَ أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي عقب [ هَذَا الحَدِيث : ] هَذَا خطأ ؛ لِأَن الثِّقَات لم يرووه هَكَذَا ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ الْحسن مُرْسلا . ثمَّ رَوَاهُ - أَعنِي الْبَيْهَقِيّ - عَن الْحَاكِم وَغَيره عَن الْأَصَم ، عَن يَحْيَى بن أبي طَالب ، عَن يزِيد [ بن ] هَارُون ، عَن هِشَام بن حسان ، عَن الْحسن ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَذكره بِاللَّفْظِ الْمُتَقَدّم . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِيَ من أوجه أخر كلهَا ضَعِيفَة . ثمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَن ضَمرَة ، عَن سُفْيَان ، عَن ابْن دِينَار ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ، قَالَ سُلَيْمَان بن أَحْمد - يَعْنِي الطَّبَرَانِيّ - : لم يرو هَذَا الحَدِيث عَن سُفْيَان إِلَّا ضَمرَة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قد رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن ضَمرَة كَمَا رَوَاهُ [ الْجَمَاعَة " نهَى ] عَن بيع الْوَلَاء وَعَن هِبته " ، وَكَأن الْخَطَأ وَقع من غَيره . ثمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَن يَحْيَى بن سليم ، عَن عبيد الله ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ، ثمَّ قَالَ : هَذَا وهم من يَحْيَى بن سليم ، أَو من دونه فِي الْإِسْنَاد والمتن جَمِيعًا ، فَإِن الْحفاظ إِنَّمَا رَوَوْهُ عَن عبيد الله بن عمر ، عَن عبد الله بن دِينَار ، عَن [9/715] ابْن [ عمر ] مَرْفُوعا : " نهَى عَن بيع الْوَلَاء وَعَن هِبته " . قلت : وَكَذَا قَالَ أَبُو زرْعَة فِيمَا نَقله عَنهُ ابْن أبي حَاتِم فِي " علله " أَن هَذَا هُوَ الصَّحِيح [ قَالَ ] الْبَيْهَقِيّ : وَأخرجه مُسلم - يَعْنِي حَدِيث " نهَى عَن بيع وَوَلَاء " - من وَجه آخر عَن ، عبيد الله فِي البيع . قَالَ : وَقد رَوَاهُ مُحَمَّد بن عبد الْملك بن أبي الشَّوَارِب ، عَن يَحْيَى بن سليم عَلَى الْوَهم فِي إِسْنَاده دون مَتنه ، قَالَ التِّرْمِذِيّ فِيمَا بَلغنِي عَنهُ : سَأَلت البُخَارِيّ فَقَالَ : يَحْيَى بن سليم أَخطَأ فِي حَدِيثه ، إِنَّمَا هُوَ عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر ، وَعبد الله بن دِينَار تفرد بِهَذَا الحَدِيث يَعْنِي بِاللَّفْظِ الْمَشْهُور . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة عَن أبي حسان الزيَادي ، عَن يَحْيَى بن سليم ، عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : " الْوَلَاء لحْمَة كلحمة النّسَب " . قَالَ : وَهَذَا اخْتِلَاف ثَالِث عَلَى يَحْيَى بن سليم ، وَكَانَ سيئ الْحِفْظ كثير الْخَطَأ . قلت : قد تَابعه عَلَى هَذِه الرِّوَايَة مُحَمَّد بن مُسلم الطَّائِفِي ، كَذَلِك أخرجه الْحَاكِم فِي " الْمُسْتَدْرك " من حَدِيثه كَمَا سَيَأْتِي . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَى فِي ذَلِك عَن عبد الله بن نَافِع بِإِسْنَادَيْنِ وهم فيهمَا ، وَاخْتلف عَلَيْهِ فيهمَا . قَالَ : وَرَوَى عَن يَحْيَى بن أبي أنيسَة ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا . قَالَ : [ وَلَيْسَ ] [9/716] الزُّهْرِيّ فِيهِ أصل ، وَيَحْيَى بن أبي أنيسَة ضَعِيف بِمرَّة ، وَإِنَّمَا يروي هَذَا اللَّفْظ مُرْسلا كَمَا قدمنَا ذكره . قَالَ : (وَيروَى عَمَّن دون ذَلِك عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة) ، وَعَن عَلّي مَرْفُوعا : " الْوَلَاء بِمَنْزِلَة النّسَب لَا يُبَاع وَلَا يُوهب " . هَذَا ملخص مَا ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي " سنَنه " فِي هَذَا الْبَاب ، وَقَالَ فِي بَاب " الْمِيرَاث بِالْوَلَاءِ " بعد أَن رَوَاهُ مُرْسلا عَن الْحسن : رُوِيَ مَوْصُولا من وَجه آخر عَن ابْن عمر وَلَيْسَ بِصَحِيح . وَذكر الْعقيلِيّ عبد الله بن دِينَار فِي ضُعَفَائِهِ ؛ لأجل انْفِرَاده بِهَذَا الحَدِيث ، وَهُوَ حجَّة بِإِجْمَاع فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ ، وَخَالفهُ جماعات فصححوه ، مِنْهُم شَيْخه أَبُو عبد الله الْحَاكِم ، فَإِنَّمَا خرجه فِي " مُسْتَدْركه " بِسَنَد الْبَيْهَقِيّ الْمُتَقَدّم أَولا ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . قَالَ : وَقد حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن حمدَان ، حَدثنَا أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ ، ثَنَا مُحَمَّد بن مهْرَان ، ثَنَا مُحَمَّد بن مُسلم الطَّائِفِي ، عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : " الْوَلَاء لحْمَة من النّسَب لَا يُبَاع وَلَا يُوهب " ، وَمِنْهُم الإِمَام أَبُو حَاتِم بن حبَان فَإِنَّهُ أخرجه فِي " صَحِيحه " ، عَن أبي يعْلى الْموصِلِي قَالَ : قَرَأَ عليّ بشر بن الْوَلِيد ، عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم ، عَن عبيد الله بن عمر ، عَن عبد الله بن دِينَار ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : " الْوَلَاء (لحْمَة كلحمة النّسَب لَا يُبَاع وَلَا يُوهب " ، وَهَذِه الرِّوَايَة مُخَالفَة) لجَمِيع مَا تقدم ؛ إِذْ فِيهَا [ عبيد الله [9/717] ابن عمر ، عَن ] عبد الله بن دِينَار ، وَقد تَابع بشرا عَلَى ذَلِك مُحَمَّد بن الْحسن ، فَرَوَاهُ عَن أبي يُوسُف كَذَلِك . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه " الْمعرفَة " : وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن الْحسن فِي كتاب الْوَلَاء ، عَن أبي يُوسُف ، عَن عبيد الله بن عمر ، عَن عبد الله بن دِينَار ، عَن ابْن عمر - بِخِلَاف - مَا ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي " سنَنه " ، وَالْحَاكِم كَمَا تقدم عَن مُحَمَّد بن الْحسن ، وَمِنْهُم ابْن خُزَيْمَة فَإِنَّهُ أخرجه فِي " صَحِيحه " ، وَمِنْهُم الْحَافِظ عبد الْحق فَإِنَّهُ ذكره فِي " أَحْكَامه " من رِوَايَة يَحْيَى بن سليم ، عَن عبيد الله ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَسكت عَلَيْهِ ، وسكوته قَاض بِصِحَّة الحَدِيث عَلَى مَا قدره فِي خطْبَة كِتَابه ، وَمِنْهُم الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الْإِلْمَام " ، فَإِنَّهُ عزاهُ فِيهِ إِلَى أبي يعْلى ، وصحيح ابْن حبَان وَسكت عَنْهُمَا . وَمن الغرائب عبارَة الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ حَيْثُ قَالَ فِي مُخْتَصر الْمُسْتَدْرك " عقب قَول الْحَاكِم : " هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد " . قلت : بِالسَّيْفِ ، وَأَشَارَ إِلَى الْإِنْكَار عَلَى الْحَاكِم ، وَفِي ذهنه مقَالَة الْبَيْهَقِيّ الَّتِي ذَكرنَاهَا ، وَلِهَذَا الحَدِيث مخرج آخر لم يَعْتَرِيه أحد من مصنفي الْأَحْكَام ، و [ رجال إِسْنَاده ] كلهم ثِقَات . قَالَ ابْن جرير الطَّبَرِيّ فِي كِتَابه " تَهْذِيب الْآثَار " : حَدثنِي مُوسَى بن سهل الرَّمْلِيّ ، ثَنَا مُحَمَّد بن عِيسَى [ يعْنى الطباع ، ثَنَا عَبْثَر [9/718] ابن الْقَاسِم ، عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد ، عَن عبد الله ] بن أبي أَوْفَى قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " الْوَلَاء لحْمَة كلحمة النّسَب لَا يُبَاع وَلَا يُوهب " ، وَهَذَا يرد قَول الْبَيْهَقِيّ : " رَوَى من أوجهٍ أخر كلهَا ضَعِيفَة " ، وَقَالَ أَبُو نعيم فِي " معرفَة الصَّحَابَة " فِي تَرْجَمَة عبد الله بن أبي أوفي : أَحْمد بن إِسْحَاق ، نَا عَلّي بن مُحَمَّد بن جبلة ، ثَنَا يَحْيَى [ بن ] هَاشم ، [ عَن إِسْمَاعِيل ] بن أبي خَالِد ، عَن عبد الله بن أبي أَوْفَى قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " الْوَلَاء لحْمَة كلحمة النّسَب " ، قَالَ : وَرَوَاهُ عبيد بن الْقَاسِم عَن إِسْمَاعِيل ، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي " أكبر معاجمه " أَيْضا عَن سَلمَة بن سهل ، عَن مُحَمَّد بن الصَّباح ، عَن عبيد بن الْقَاسِم بِهِ سَوَاء ، وَذكره من أَصْحَابنَا الْفُقَهَاء الْمَاوَرْدِيّ من حَدِيثه عَن عبيد بِهِ سَوَاء ، ثمَّ قَالَ : وإرسال هَذَا الحَدِيث أثبت (إِسْنَادًا ) . وَهَذَا الحَدِيث قد ذَكرْنَاهُ فِيمَا مَضَى من كتَابنَا هَذَا فِي تناسب بَيَان الْأَوْلِيَاء وأحكامهم حَيْثُ ذكره الرَّافِعِيّ ، ووعدنا هُنَاكَ أَنا إن وصلنا إِلَى هَذَا الْمَكَان نزيده إيضاحًا ، وَقد وفْق الْكَرِيم لذَلِك وَله الحمدُ الْمِنَّة ، ونقلنا هُنَاكَ أَن النَّوَوِيّ نقل فِي كِتَابه " تَهْذِيب الْأَسْمَاء واللغات " ، عَن جُمْهُور أهل اللُّغَة أَنهم ضبطوا اللحمة فِي هَذَا الحَدِيث بِضَم اللَّام ، وَأَن الْأَزْهَرِي حَكَى عَن ابْن الْأَعرَابِي وَغَيره فتح اللَّام ، وَأَن الْأَزْهَرِي قَالَ : إِن مَعْنَى هَذَا الحَدِيث قرَابَة كقرابة النّسَب ، وَكَذَا قَالَه الإِمَام الرَّافِعِيّ هُنَا إِلَى اللُّغَة [9/719] المنقولة عَن ابْن الْأَعرَابِي ، فَقَالَ : وَفِي " الصِّحَاح " : اللحمة بِالضَّمِّ الْقَرَابَة ، ولحمة الثَّوْب تضم وتفتح ، وَكَذَا لحْمَة الصَّيْد . وَحَكَى ابْن الْأَثِير أَنَّهَا فِي النّسَب [ بِالضَّمِّ ، وَفِي الثَّوْب ] تضم وتفتح ، قَالَ : وَقيل : فِي الثَّوْب بِالْفَتْح وَحده ، وَقيل : فِي النّسَب وَفِي الثَّوْب بِالْفَتْح ، فَأَما (بِالْفَتْح) فَمَا يصاد بِهِ الصَّيْد ، وَقَوله : " لَا يُبَاع وَلَا يُوهب " يَعْنِي أَن نَفْس الْوَلَاء لَا ينْتَقل من شخص إِلَى شخص بعوض وَبِغير عوض .
|