ثمَّ الطَّعْنُ يكونُ بعشرةِ أَشياءَ ، بعضُها أَشدُّ في القَدْحِ مِن بعضٍ : خمسةٌ منها تتعلَّقُ بالعدالَةِ ، وخمسةٌ تتعلَّقُ بالضَّبْطِ .
ولم يَحْصُلِ [1/88] الاعتناءُ بتمييزِ أَحدِ القِسمينِ مِن الآخَرِ لمصلحةٍ اقْتَضَتْ ذلك ، وهي ترتيبُها على الأشدِّ فالأشدِّ في موجَبِ الرَّدَِّ على سَبيلِ التَّدلِّي ؛ لأنَّ الطَّعْنَ إِمَّا أَنْ يكونَ :
- لِكَذِبِ الرَّاوِي في الحديثِ النبويِّ بأَنْ يرويَ عنهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما لمْ يَقُلْهُ متَعمِّدًا لذلك .
- أو تُهْمَتِهِ بذلكَ بأَلا يُرْوى ذلك الحديثُ إِلَّا مِن جِهتِهِ ، ويكونَ مُخالِفًا للقواعِدِ المعلومةِ ، وكذا مَنْ عُرِفَ بالكذبِ في كلامِهِ ، وإِنْ لم يَظْهَرْ منهُ وقوعُ ذلك في الحَديثِ النبويِّ ، وهذا دُونَ الأوَّلِ .
- أَو فُحْشِ غَلَطِهِ ؛ أي : كَثْرَتِه .
- أَو غَفْلَتِهِ عن الإِتْقانِ .
- أَو فِسْقِهِ أي : بالفعلِ والقَوْلِ ممَّا لم يبلُغُ الكُفْرَ .
وبينَهُ وبينَ الأوَّلِ عُمومٌ ، وإِنَّما أُفْرِدَ الأوَّلُ لكونِ القَدْحِ بهِ أَشدَّ في هذا الفنِّ .
وأَمَّا الفِسقُ بالمُعْتَقَدِ ؛ فسيأْتي بيانُه .
- أَو وَهَمِهِ بأَنْ يَرْوِيَ على سبيلِ التوهُّمِ .
- أَو مُخالَفَتِه أَي : للثِّقاتِ .
- أو جَهالَتِهِ بأَلا يُعْرَفَ فيهِ تعديلٌ ولا تَجريحٌ مُعيَّنٌ .
- أَو بِدْعتِهِ ، وهي اعتقادُ ما أُحْدِثَ على خِلافِ المَعروفِ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، لا بِمعانَدَةٍ ، بل بنَوْعِ شبهةٍ .
[1/89] - أَو سوءِ حِفْظهِ ، وهِيَ عبارةٌ عمن يكونَ غَلَطُهُ أَقلَّ مِن إِصابتِه .
فالقسمُ الأوَّلُ ، وهُو الطَّعْنُ بكَذِبِ الرَّاوي في الحَديثِ النبويِّ هو المَوضوعُ .
والحُكْمُ عليهِ بالوَضْعِ إِنَّما هُو بطريقِ الظَّنِّ الغالِبِ لا بالقَطْعِ ، إِذ قَدْ يَصْدُقُ الكَذوبُ ، لكنَّ لأهلِ العلمِ بالحديثِ مَلَكَةً قويَّةً يميِّزون بها ذلك ، وإِنَّما يقومُ بذلك منهُم مَن يكونُ إِطِّلاعُهُ تامًّا ، وذهْنُهُ ثاقِبًا ، وفهمُهُ قويًّا ، ومعرِفتُهُ بالقرائنِ الدَّالَّةِ على ذلك متمَكِّنَةً .
وقد يُعْرَفُ الوضعُ بإِقرارِ واضِعِه ، قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ : لكنْ لا يُقْطَعُ بذلك ؛ لاحتمالِ أَنْ يكونَ كَذَبَ في ذلك الإِقرارِ
انتهى .
وفهِمَ منهُ بعضُهم أَنَّهُ لا يُعْمَلُ بذلك الإِقرارِ أَصلًا ، وليسَ ذلكَ مرادَهُ ، وإِنَّما نفى القَطْعَ بذلك ، ولا يلزَمُ مِن نفيِ القَطْعِ نفيُ الحُكْمِ ؛ لأنَّ الحُكْمَ يقعُ بالظَّنِّ الغالِبِ ، وهُو هُنا كذلك ، ولولا ذلك لَما ساغَ قتْلُ المُقرِّ بالقتلِ ، ولا رَجْمُ المُعْتَرِفِ بالزِّنى ؛ لاحتمالِ أَنْ يكونا كاذِبَيْن فيما اعْتَرَفا به .
ومِن القَرائنِ الَّتي يُدْرَكُ بها الوَضْعُ ما يؤخَذُ مِن حالِ الرَّاوي ؛ كما وقَعَ [1/90] للمأْمونِ بنِ أَحمدَ أَنَّه ذُكِرَ بحضرَتِه الخلافُ في كونِ الحسنِ سَمِعَ مِن أَبي هُريرةَ أَوْ لاَ ؟ فساقَ في الحالِ إِسنادًا إِلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أَنَّهُ قالَ : سمِعَ الحسنُ مِن أَبي هُريرة . وكما وقعَ لِغياثِ بنِ إِبراهيمَ حيثُ دخَلَ على المَهْدي فوجَدَهُ يلعبُ بالحَمَام ، فساقَ في الحالِ إِسنادًا إِلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : أَنَّه قالَ : لا سَبَقَ إِلَّا في نَصْلٍ أَو خُفٍّ أَو حافِرٍ أَو جَناحٍ ، فزادَ في الحديثِ : أَو جَناحٍ ، فَعَرَفَ المهديُّ أَنَّه كذبَ لأجلِهِ ، فأَمرَ بذَبْحِ الحَمَامِ .
ومِنها ما يُؤخَذُ مِن حالِ المَرويِّ كأَنْ يكونَ مُناقِضًا لنَصِّ القُرآنِ أَو السُّنَّةِ المُتواتِرَةِ أَو الإِجماعِ القطعيِّ أَو صَريحِ العَقْلِ ، حيثُ لا يَقْبَلُ شيءٌ مِن ذلك التَّأْويلَ .
ثمَّ المَرويُّ تارةً يختَرِعُهُ الواضِعُ ، وتارةً يأْخُذُ كلامِ غيرِهِ كبَعْضِ [1/91] السَّلفِ الصَّالحِ أَو قُدماءِ الحُكماءِ أَو الإِسرائيليَّاتِ ، أَو يأْخُذُ حَديثًا ضَعيفَ الإِسنادِ ، فيُرَكِّبُ لَهُ إِسنادًا صحيحًا ليَرُوجَ .
والحامِلُ للواضِعِ على الوَضْعِ :
إِمَّا عَدَمُ الدِّينِ ، كالزَّنادقةِ .
أَو غَلَبَةُ الجَهلِ ، كبعضِ المتعبِّدينَ .
أَو فَرْطُ العَصبيَّةِ ، كبعضِ المُقلِّدينَ .
أَو اتِّباعُ هوى بعضِ الرُّؤساءِ .
أَو الإِغرابُ لقصدِ الاشتِهارِ .
وكُلُّ ذلك حَرامٌ بإِجماعِ مَن يُعْتَدُّ بهِ ، إِلَّا أَنَّ بعضَ الكَرَّاميَّةِ وبعضَ المُتصوِّفةِ نُقِلَ عنهُم إِباحَةُ الوَضْعِ في التَّرغيبِ والتَّرهيبِ ، وهو خطأ مِن فاعلِهِ ، نشَأَ عَن جَهْلٍ ؛ لأنَّ التَّرغيبَ والتَّرهيبَ مِن جُملةِ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ .
واتَّفقوا على أَنَّ تَعَمُّدَ الكذبِ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِن الكَبائِرِ . وبالَغَ أَبو مُحمَّدٍ الجُوَيْنِيُّ فكَفَّرَ مَن تعمَّدَ الكَذِبَ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .
واتَّفَقوا على تَحْريمِ روايةِ الموضوعِ إِلَّا مقرونًا ببيانِه لقولِه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : مَن حَدَّثَ عَنِّي بحديثٍ يُرى أَنَّهُ كذبٌ ؛ فهُو أَحدُ الكاذِبَيْنِ ، أَخرجَهُ مسلمٌ .