[1/161] [ التَّمْيِيزِ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ ]
فصل
وَلَمَّا انْتَهَى الْكَلَامُ فِي بَابِ التَّرْجِيحَاتِ ، وَتَمْيِيزِ النَّاسِخِ مِنَ الْمَنْسُوخِ ، لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ ، إِذْ هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ ، وَلَا غِنًى لِمَنْ يُرِيدُ مَعْرِفَةَ النَّاسِخِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ ؛ لِحُصُولِ اللَّبْسِ فِيهِمَا ، وَاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْأَخَصِّ ، إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْحُكْمِ بِبَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ ، غَيْرَ أَنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَهُمَا مِنْ وُجُوهٍ خَمْسَةٍ :
أَحَدُهُا : أَنَّ النَّاسِخَ لَا يَكُونُ إِلَّا مُتَأَخِّرًا عَنِ الْمَنْسُوخِ .
وَالتَّخْصِيصُ يَصِحُّ اتِّصَالُهُ بِالْمَخْصُوصِ ، وَيَصِحُّ تَرَاخِيهِ عَنْهُ ، وَعِنْدَ مَنْ لَا يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ يَجِبُ اتِّصَالُهُ بِهِ .
وَالثَّانِي : أَنَّ دَلِيلَ النَّسْخِ لَا يَكُونُ إِلَّا خِطَابًا .
وَالتَّخْصِيصُ قَدْ يَقَعُ بِقَوْلٍ وَفِعْلٍ وَقِيَاسٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
والثَّالِثُ : أَنَّ نَسْخَ الشَّيْءِ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِمَا هُوَ مِثْلُهُ فِي الْقُوَّةِ ، أَوْ بِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ فِي الرُّتْبَةِ .
وَالتَّخْصِيصُ جَائِزٌ بِمَا هُوَ دُونَ الْمَخْصُوصِ مِنْهُ فِي الرُّتْبَةِ .
والرَّابِعُ : أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَدْخُلُ فِي الْأُمُر بِمَأْمُورٍ وَاحِدٍ .
وَالنَّسْخُ جَائِزٌ فِي مِثْلِهِ ، سِيَّمَا عَلَى أَصْلِ من يُرَى نَسْخُ الشَّيْءِ قَبْلَ وَقْتِهِ .
[1/162] والْخَامِسُ : أَنَّ التَّخْصِيصَ يَخْرُجُ مِنَ الْخِطَابِ مَا لَمْ يَرِدْ بِهِ .
وَالنَّسْخُ رَافِعٌ مَا أُرِيدَ إِثْبَاتُ حُكْمِهِ .