|
الأحص : بالفتح وتشديد الصاد المهملة ، يقال : رجل أحص بين الحصص أي قليل شعر الرأس ، وقد حصت البيضة رأسي إذا أذهبت شعره ، وطائر أحص الجناح ، ورجل أحص اللحية ، ورحم حصاء كله بمعنى القطع ، وقال أبو زيد : رجل أحص إذا كان نكدا مشئوما ، فكأن هذا الموضع لقلة خيره ، وعدم نباته سمي بذلك . وبنجد موضعان يقال لهما : الأحص وشبيث ، وبالشام من نواحي حلب موضعان يقال لهما : الأحص وشبيث . فأما الذي بنجد ، فكانت منازل ربيعة [1/113] ثم منازل ابني وائل بكر وتغلب . وقال أبو المنذر هشام بن محمد في كتابه في افتراق العرب : ودخلت قبائل ربيعة ظواهر بلاد نجد والحجاز ، وأطراف تهامة وما والاها من البلاد ، وانقطعوا إليها وانتثروا فيها ، فكانوا بالذنائب ، وواردات ، والأحص ، وشبيث ، وبطن الجريب ، والتغلمين ، وما بينهما وما حولها من المنازل . وروت العلماء الأئمة كأبي عبيدة وغيره : أن كليبا واسمه وائل بن ربيعة بن الحارث بن مرة بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل ، قال يوما لامرأته ، وهي جليلة بنت مرة أخت جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل ، وأم جساس هبلة بنت منقذ بن سلمان بن كعب بن عمرو بن سعد بن زيد مناة بن تميم ، وكانت أختها البسوس نازلة على ابن أختها جساس بن مرة ، قال لها : هل تعرفين في العرب من هو أعز مني ؟ قالت : نعم ، أخواي جساس وهمام ، وقيل : قالت نعم أخي جساس وندمانه عمرو المزدلف بن أبي ربيعة الحارث بن ذهل بن شيبان ، فأخذ قوسه وخرج فمر بفصيل لناقة البسوس فعقره ، وضرب ضرع ناقتها حتى اختلط لبنها ودمها ، وكانا قد قاربا حماه ، فأغمضوا له على ذلك ، واستغاثت البسوس ونادت بويلها ، فقال جساس : كفي فساعقر غدا جملا هو أعظم من عقر ناقة ، فبلغ ذلك كليبا فقال : دون عليان خرط القتاد ، فذهبت مثلا ، وعليان فحل إبل كليب ، ثم أصابتهم سماء فمروا بنهر يقال له شبيث ، فأراد جساس نزوله فامتنع كليب قصدا للمخالفة ، ثم مروا على الأحص ، فأراد جساس وقومه النزول عليه ، فامتنع كليب قصدا للمخالفة ، ثم مروا ببطن الجريب ، فجرى أمره على ذلك حتى نزلوا الذنائب ، وقد كلوا وأعيوا وعطشوا فأغضب ذلك جساسا ، فجاء وعمرو المزدلف معه ، فقال له : يا وائل ، أطردت أهلنا من المياه حتى كدت تقتلهم ؟ فقال كليب : ما منعناهم من ماء إلا ونحن له شاغلون ، فقال له : هذا كفعلك بناقة خالتي ، فقال له : أو ذكرتها ؟ أما إني لو وجدتها في غير إبل مرة ، يعني أبا جساس ، لاستحللت تلك الإبل ، فعطف عليه جساس فرسه وطعنه بالرمح فأنفذه فيه ، فلما أحس بالموت قال : يا عمرو اسقني ماء ، يقول ذلك لعمرو المزدلف ، فقال له : تجاوزت بالماء الأحص وبطن شبيث ، ثم كانت حرب ابني وائل ، وهي حرب البسوس أربعين سنة ، وهي حروب يضرب بشدتها المثل ، قالوا : والذنائب عن يسار ولجة للمصعد إلى مكة ، وبه قبر كليب ، وقد حكى هذه القصة بعينها النابغة الجعدي يخاطب عقال بن خويلد ، وقد أجار بني وائل ابن معن ، وكانوا قتلوا رجلا من بني جعدة فحذرهم مثل حرب البسوس وحرب داحس والغبراء ، فقال في ذلك :
| فأبلغ عقالا إن غاية داحس | | بكفيك فاستأخر لها أو تقدم | | تجير علينا وائلا بدمائنا | | كأنك عما ناب أشياعنا عم | | كليب لعمري كان أكثر ناصرا | | وأيسر جرما منك ضرج بالدم | | رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة | | كحاشية البرد اليماني المسهم | | وقال لجساس أغثني بشربة | | تفضل بها طولا علي وأنعم | | فقال تجاوزت الأحص وماءه | | وبطن شبيث وهو ذو مترسم |
فهذا كما تراه ، ليس في الشعر والخبر ما يدل على أنها بالشام ، وأما الأحص وشبيث بنواحي حلب ، وقد تحقق أمرهما فلا ريب فيهما ، أما الأحص فكورة كبيرة مشهورة ذات قرى ومزارع بين القبلة وبين الشمال من مدينة حلب ، قصبتها خناصرة مدينة كان ينزلها عمر بن عبد العزيز ، وهي صغيرة ، وقد خربت الآن إلا اليسير منها ، وأما شبيث فجبل في هذه الكورة أسود في رأسه فضاء ، فيه أربع قرى ، وقد خربت جميعها ، ومن هذا الجبل يقطع أهل حلب وجميع نواحيها حجارة رحيهم ، وهي سود خشنة ، وإياها عنى عدي بن الرقاع بقوله :
| وإذا الربيع تتابعت أنواؤه | | فسقى خناصرة الأحص وزادها |
فأضاف خناصرة إلى هذا الموضع ، وإياها عنى جرير أيضا بقوله :
| عادت همومي بالأحص وسادي | | هيهات من بلد الأحص بلادي | | لي خمس عشرة من جمادى ليلة | | ما أستطيع على الفراش رقادي | | ونعود سيدنا وسيد غيرنا | | ليت التشكي كان بالعواد |
وأنشد الأصمعي في كتاب جزيرة العرب لرجل من طيئ يقال له الخليل بن قردة ، وكان له ابن واسمه زافر ، وكان قد مات بالشام في مدينة دمشق ، فقال :
| ولا آب ركب من دمشق وأهله | | ولا حمص إذ لم يأت في الركب زافر | | ولا من شبيث والأحص ومنتهى ال | | مطايا بقنسرين أو بخناصر |
وإياه عنى ابن أبي حصينة المعري بقوله :
| لج برق الأحص في لمعانه | | فتذكرت من وراء رعانه | | فسقى الغيث حيث ينقطع الأو | | عس من رنده ومنبت بانه | | أو ترى النور مثل ما نشر البر | | د حوالي هضابه وقنانه | | تجلب الريح منه أذكى من المس | | ك إذا مرت الصبا بمكانه |
وهذا كما تراه ليس فيه ما يدل على أنه إلا بالشام ، فإن كان قد اتفق ترادف هذين الاسمين بمكانين بالشام ، ومكانين بنجد ، من غير قصد ، فهو عجب ، وإن كان جرى الأمر فيهما ، كما جرى لأهل نجران ودومة في بعض الروايات ، حيث أخرج عمر أهلهما منهما ، فقدموا العراق وبنوا لهم بها أبنية وسموها باسم ما أخرجوا منه ، فجائز أن تكون ربيعة فارقت منازلها وقدمت الشام فأقاموا بها ، وسموا هذه بتلك والله أعلم . وينسب إلى أحص حلب شاعر يعرف بالناشي الأحصي ، كان في أيام سيف الدولة أبي الحسن علي بن حمدان ، له خبر ظريف أنا مورده هاهنا ، وإن لم أكن على ثقة منه ، وهو [1/115] أن هذا الشاعر الأحصي دخل على سيف الدولة ، فأنشده قصيدة له فيه ، فاعتذر سيف الدولة بضيق اليد يومئذ وقال له : أعذر فما يتأخر عنا حمل المال إلينا ، فإذا بلغك ذلك فأتنا لنضاعف جائزتك ونحسن إليك ، فخرج من عنده فوجد على باب سيف الدولة كلابا تذبح لها السخال وتطعم لحومها ، فعاد إلى سيف الدولة فأنشده هذه الأبيات :
| رأيت بباب داركم كلابا | | تغذيها وتطعمها السخالا | | فما في الأرض أدبر من أديب | | يكون الكلب أحسن منه حالا | ثم اتفق أن حمل إلى سيف الدولة أموال من بعض الجهات على بغال ، فضاع منها بغل بما عليه وهو عشرة آلاف دينار ، وجاء هذا البغل حتى وقف على باب الناشي الشاعر بالأحص ، فسمع حسه ، فظنه لصا فخرج إليه بالسلاح ، فوجده بغلا موقرا بالمال فأخذ ما عليه من المال وأطلقه ، ثم دخل حلب ودخل على سيف الدولة وأنشده قصيدة له يقول فيها :
| ومن ظن أن الرزق يأتي بحيلة | | فقد كذبته نفسه وهو آثم | | يفوت الغنى من لا ينام عن السرى | | وآخر يأتي رزقه وهو نائم |
فقال له سيف الدولة : بحياتي ! وصل إليك المال الذي كان على البغل ؟ فقال : نعم ، فقال : خذه بجائزتك مباركا لك فيه ، فقيل لسيف الدولة : كيف عرفت ذلك ؟ قال : عرفته من قوله : بعد قوله :
|
|
|