|
إفريقية : بكسر الهمزة : وهو اسم لبلاد واسعة ومملكة كبيرة قبالة جزيرة صقلية ، وينتهي آخرها إلى قبالة جزيرة الأندلس ، والجزيرتان في شماليها ، فصقلية منحرفة إلى الشرق والأندلس منحرفة عنها إلى جهة المغرب ، وسميت إفريقية بإفريقيس بن أبرهة ابن الرائش ، وقال أبو المنذر هشام بن محمد : هو إفريقيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان وهو الذي اختطها ، وذكروا أنه لما غزا المغرب انتهى إلى موضع واسع رحيب كثير الماء ، فأمر أن تبنى هناك مدينة فبنيت وسماها إفريقية ، اشتق اسمها من اسمه ، ثم نقل إليها الناس ثم نسبت تلك الولاية بأسرها إلى هذه المدينة ، ثم انصرف إلى اليمن ، فقال بعض أصحابه :
| سرنا إلى المغرب في جحفل | | بكل قرم أريحي همام | | نسري مع افريقيس ذاك الذي | | ساد بعز الملك أولاد سام | | نخوض بالفرسان في مأقط | | يكثر فيه ضرب أيد وهام | | فأضحت البربر في مقعص | | نحوسهم بالمشرفي الحسام | | في موقف يبقى لنا ذكره | | ما غردت في الأيك ورق الحمام |
وذكر أبو عبد الله القضاعي أن إفريقية سميت بفارق ابن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام ، وأن أخاه مصر لما حاز لنفسه مصر حاز فارق إفريقية ، وقد ذكرت ذلك متسقا في أخبار مصر ، قالوا : فلما اختط المسلمون القيروان خربت إفريقية وبقي اسمها على الصقع جميعه ، وقال أبو الريحان البيروتي : إن أهل مصر يسمون ما عن أيمانهم إذا استقبلوا الجنوب بلاد المغرب ، ولذلك سميت بلاد إفريقية وما وراءها بلاد المغرب يعني أنها فرقت بين مصر والمغرب فسميت إفريقية لا أنها مسماة باسم عامرها ، وحد إفريقية من طرابلس الغرب من جهة برقة والإسكندرية إلى بجاية ، وقيل : إلى مليانة ، فتكون مسافة طولها نحو شهرين ونصف ، وقال أبو عبيد البكري الأندلسي : حد إفريقية طولها من برقة شرقا إلى طنجة الخضراء غربا ، وعرضها من البحر إلى الرمال التي في أول بلاد السودان ، وهي جبال ورمال عظيمة متصلة [1/229] من الشرق إلى الغرب ، وفيه يصاد الفنك الجيد ، وحدث رواة السير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عمرو بن العاص : لا تدخل إفريقية فإنها مفرقة لأهلها غير متجمعة ، ماؤها قاس ما شربه أحد من العالمين إلا قست قلوبهم ، فلما افتتحت في أيام عثمان رضي الله عنه وشربوا ماءها قست قلوبهم فرجعوا إلى خليفتهم عثمان فقتلوه ، وأما فتحها فذكر أحمد بن يحيى بن جابر أن عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر وأمره بفتح إفريقية ، وأمده عثمان بجيش فيه معبد بن العباس بن عبد المطلب ، ومروان بن الحكم بن أبي العاص ، وأخوه الحارث بن الحكم ، وعبيد الله بن عمر ، وعبد الرحمن بن أبي بكر ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وعبد الله بن الزبير بن العوام ، والمسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب ، وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، وعبد الله وعاصم ابنا عمر بن الخطاب ، وبسر بن أبي أرطاة العامري ، وأبو ذويب الهذلي الشاعر ، وذلك في سنة 29 ، وقيل : سنة 28 ، وقيل : 27 ، ففتحها عنوة وقتل بطريقها ، وكان يملك ما بين أطرابلس إلى طنجة ، وغنموا واستاقوا من السبي والمواشي ما قدروا عليه ، فصالحهم عظماء إفريقية على ثلاثمائة قنطار من الذهب على أن يكف عنهم ويخرج من بلادهم ، فقبل ذلك منهم ، وقيل : إنه صالحهم على ألف ألف وخمسمائة ألف وعشرين ألف دينار ، وهذا يدل على أن القنطار الواحد ثمانية آلاف وأربعمائة دينار ، ورجع ابن أبي سرح إلى مصر ولم يول على إفريقية أحدا ، فلما قتل عثمان رضي الله عنه عزل علي رضي الله عنه ابن أبي سرح عن مصر وولى محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة مصر ، فلم يوجه إليها أحدا ، فلما ولي معاوية بن أبي سفيان ، وولى معاوية بن حديج السكوني مصر ، بعث في سنة 50 عقبة بن نافع بن عبد القيس بن لقيط الفهري ، فغزاها وملكها المسلمون فاستقروا بها ، واختط مدينة القيروان ، كما نذكره في القيروان إن شاء الله تعالى ، ولم تزل بعد ذلك في أيدي المسلمين ، فوليها بعد عقبة بن نافع زهير بن قيس البلوي في سنة 69 ، فقتله الروم في أيام عبد الملك فوليها حسان بن النعمان الغساني فعزل عنها ، ووليها موسى بن نصير في أيام الوليد بن عبد الملك ، ثم وليها محمد بن يزيد مولى قريش في أيام سليمان بن عبد الملك سنة 99 ، ثم وليها إسماعيل بن عبد الملك بن عبد الله بن أبي المهاجر مولى بني مخزوم من قبل عمر بن عبد العزيز ، ثم وليها يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج من قبل يزيد بن عبد الملك ، ثم عزله وولى بشر بن صفوان في أول سنة 103 ، ثم وليها عبيدة بن عبد الرحمن السلمي ابن أخي أبي الأعور السلمي ، فقدمها في سنة 110 من قبل هشام بن عبد الملك ، ثم عزله هشام وولى مكانه عبيد الله بن الحبحاب مولى بني سلول ، ثم عزله هشام في سنة 123 وولى كلثوم بن عياض القشيري فقتله البربر ، فولى هشام حنظلة بن صفوان الكلبي في سنة 124 ، ثم قام عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري وأخرج حنظلة عن إفريقية عنوة ووليها ، وأثر بها آثارا حسنة ، وغزا صقلية ، وكان الأمر قد انتهى إلى مروان بن محمد فبعث إليه بعهده وأقره على أمره ، وزالت دولة بني أمية وعبد الرحمن أمير ، وكتب إلى السفاح بطاعته ، فلما ولي المنصور خلع طاعته ، ثم قتله أخوه إلياس بن حبيب غيلة في منزله وقام مقامه ، ثم قتل إلياس وولي حبيب بن عبد الرحمن [1/230] فقتل ، ثم تغلب الخوارج حتى ولى المنصور محمد ابن الأشعث الخزاعي فقدمها سنة 144 ، فجرت بينه وبين الخوارج حروب ففارقها ورجع إلى المنصور ، فولى المنصور الأغلب بن سالم بن عقال بن خفاجة بن عبد الله بن عباد بن محرث ، وقيل : محارب بن سعد بن حرام بن سعد بن مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم ، فقدمها في جمادى الآخرة سنة 148 ، وجرت له حروب قتل في آخرها في شعبان سنة 150 ، وبلغ المنصور فولى مكانه عمرو بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبي صفرة أخا المهلب المعروف بهزارمرد ، فقدمها في صفر سنة 151 ، وكانت بينه وبين البربر وقائع قاتل فيها حتى قتل في منتصف ذي الحجة سنة 154 ، فولاها المنصور يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب فصلحت البلاد بقدومه ، ولم يزل عليها حتى مات المنصور والمهدي والهادي ، ثم مات يزيد بن حاتم بالقيروان سنة 170 في أيام الرشيد ، واستخلف ابنه داود بن يزيد بن حاتم ، ثم ولى الرشيد روح بن حاتم أخا يزيد ، فقدمها وساسها أحسن سياسة حتى مات بالقيروان سنة 174 ، فولى الرشيد نصر بن حبيب المهلبي ، ثم عزله وولى الفضل بن روح بن حاتم ، فقدمها في المحرم سنة 177 ، فقتله الخوارج سنة 178 ، فكانت عدة من ولي من آل المهلب ستة نفر في ثمان وعشرين سنة ، ثم ولى الرشيد هرثمة بن أعين فقدمها في سنة 179 ، ثم استعفى من ولايتها فأعفاه ، وولى محمد بن مقاتل العكي فلم يستقم بها أمره فإنه أخرج منها ، وولى إبراهيم بن الأغلب التميمي المقدم ذكره ، فأقام بها إلى أن مات في شوال سنة 196 ، وولي ابنه عبد الله بن إبراهيم ومات بها ثم ولي أخوه زياد الله بن إبراهيم في سنة 201 في أول أيام المأمون ، ومات في رجب سنة 223 ، ثم ولي أخوه أبو عقال الأغلب بن إبراهيم ، ثم مات سنة 226 ، فولي ابنه محمد بن الأغلب إلى أن مات في محرم سنة 242 ، فولي ابنه أبو القاسم إبراهيم بن محمد حتى مات في ذي القعدة سنة 249 ، فولي ابنه زيادة الله بن إبراهيم إلى أن مات سنة 250 ، فولي ابن أخيه محمد بن أحمد إلى أن مات سنة 261 ، فولي أخوه إبراهيم بن أحمد ، وكان حسن السيرة شهما ، فأقام واليا ثمانيا وعشرين سنة ثم مات في ذي القعدة سنة 289 ، فولي ابنه عبد الله بن إبراهيم بن أحمد فقتله ثلاثة من عبيده الصقالبة ، فولي ابنه أبو نصر زيادة الله بن عبد الله بن إبراهيم ، فدخل أبو عبد الله الشيعي فهرب منه إلى مصر ، وهو آخرهم ، في سنة 296 ، فكانت مدة ولاية بني الأغلب على إفريقية مائة واثنتي عشرة سنة ، وولي منهم أحد عشر ملكا ، ثم انتقلت الدولة إلى بني عبيد الله العلوية ، فوليها منهم المهدي والقائم والمنصور والمعز حتى ملك مصر ، وانتقل إليها في سنة 362 ، واستمرت الخطبة لهم بإفريقية إلى سنة 407 ، ثم وليها بعد خروج المعز عنها يوسف الملقب بلكين ابن زيري بن مناد الصنهاجي باستخلاف المعز إلى أن مات في ذي الحجة سنة 373 ، ووليها ابنه المنصور إلى أن مات في شهر ربيع الأول سنة 386 ، ووليها ابنه باديس إلى أن مات في سلخ ذي القعدة سنة 406 ، ووليها ابنه المعز بن باديس وهو الذي أزال خطبة المصريين عن إفريقية ، وخطب للقائم بالله وجاءته الخلعة من بغداد ، وكاشف المستنصر الذي بمصر بخلع الطاعة ، وذلك في سنة 435 ، وقتل من كان بإفريقية من شيعتهم فسلط اليازوري وزير المستنصر العرب على إفريقية حتى خربوها ، ومات المعز في سنة 453 ، وقد ملك سبعا وأربعين سنة ، ووليها ابنه تميم ابن المعز إلى أن مات في رجب سنة 501 ، ووليها [1/231] ابنه يحيى بن تميم حتى مات سنة 509 ، ووليها ابنه علي بن يحيى إلى أن مات سنة 515 ، ووليها ابنه الحسن بن علي ، وفي أيامه أنفذ رجار صاحب صقلية من ملك المهدية فخرج الحسن منها ولحق بعبد المؤمن بن علي ، وملك الأفرنج بلاد إفريقية ، وذلك في سنة 543 ، وانتقضت دولتهم ، وقد ولي منهم تسعة ملوك في مائة سنة وإحدى وثمانين سنة ، وملك الأفرنج إفريقية اثنتي عشرة سنة حتى قدمها عبد المؤمن فاستنقذها منهم في يوم عاشوراء سنة 555 ، وولى عليها أبا عبد الله محمد بن فرج أحد أصحابه ، ورتب معه الحسن بن علي بن يحيى بن تميم وأقطعه قريتين ورجع إلى المغرب ، وهي الآن بيد الولاة من قبل ولده ، فهذا كاف من إفريقية وأمرها ، وقد خرج منها من العلماء والأئمة والأدباء ما لا يحصى عددهم ، منهم : أبو خالد عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي قاضيها ، وهو أول مولود ولد في الإسلام بإفريقية ، سمع أباه ، وأبا عبد الرحمن الحبكي ، وبكر بن سوادة ، روى عنه : سفيان الثوري ، وعبد الله بن لهيعة ، وعبد الله بن وهب وغيرهم ، تكلموا فيه ، قدم على أبي جعفر المنصور ببغداد ، قال : كنت أطلب العلم مع أبي جعفر أمير المؤمنين قبل الخلافة فأدخلني يوما منزله فقدم إلي طعاما ومريقة من حبوب ليس فيها لحم ، ثم قدم إلي زبيبا ، ثم قال : يا جارية عندك حلواء ؟ قالت : لا ، قال : ولا التمر ؟ قالت : ولا التمر ، فاستلقى ثم قرأ هذه الآية : عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ، قال : فلما ولي المنصور الخلافة أرسل إلي فقدمت عليه فدخلت ، والربيع قائم على رأسه ، فاستدناني وقال : يا عبد الرحمن بلغني أنك كنت تفد إلى بني أمية ؟ قلت : أجل ، قال : فكيف رأيت سلطاني من سلطانهم ، وكيف ما مررت به من أعمالنا حتى وصلت إلينا ؟ قال : فقلت يا أمير المؤمنين رأيت أعمالا سيئة وظلما فاشيا ، ووالله يا أمير المؤمنين ما رأيت في سلطانهم شيئا من الجور والظلم إلا ورأيته في سلطانك ، وكنت ظننته لبعد البلاد منك ، فجعلت كلما دنوت كان الأمر أعظم ، أتذكر يا أمير المؤمنين يوم أدخلتني منزلك فقدمت إلي طعاما ومريقة من حبوب لم يكن فيها لحم ثم قدمت زبيبا ، ثم قلت : يا جارية عندك حلواء ؟ قالت : لا ، قلت : ولا التمر ؟ قالت : ولا التمر ، فاستلقيت ثم تلوت : عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ؟ فقد والله أهلك عدوك واستخلفك في الأرض ، ما تعمل ؟ قال : فنكس رأسه طويلا ثم رفع رأسه إلي وقال : كيف لي بالرجال ؟ قلت : أليس عمر بن عبد العزيز كان يقول : إن الوالي بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها ، فإن كان برا أتوه ببرهم وإن كان فاجرا أتوه بفجورهم ؟ فأطرق طويلا ، فأومأ إلي الربيع أن أخرج ، فخرجت وما عدت إليه ، وتوفي عبد الرحمن سنة 156 ، وينسب إليها أيضا سحنون بن سعيد الإفريقي من فقهاء أصحاب مالك ، جالس مالكا مدة وقدم بمذهبه إلى إفريقية فأظهره فيها ، وتوفي سنة 240 ، وقيل : سنة 241 .
|
|
|