بلنسية : السين مهملة مكسورة ، وياء خفيفة : كورة ومدينة مشهورة بالأندلس متصلة بحوزة كورة تدمير ، وهي شرقي تدمير وشرقي قرطبة ، وهي برية بحرية ذات أشجار وأنهار ، وتعرف بمدينة التراب ، وتتصل بها مدن تعد في جملتها ، والغالب على شجرها القراسيا ، ولا يخلو منه سهل ولا جبل ، وينبت بكورها الزعفران ، وبينها وبين تدمير أربعة أيام ، ومنها إلى طرطوشة أيضا أربعة أيام ، وكان الروم قد ملكوها سنة 487 ، واستردها الملثمون الذين كانوا ملوكا بالغرب قبل عبد المؤمن سنة 95 وأهلها خير أهل الأندلس ، يسمون عرب الأندلس ، بينها بين البحر فرسخ .
وقال الأديب أبو زيد عبد الرحمن بن مقانا الأشبوني الأندلسي :
إن كان واديك نيلا لا يجاز به ،
فما لنا قد حرمنا النيل والنيلا ؟
إن كان ذنبي خروجي من بلنسية ،
فما كفرت ولا بدلت تبديلا
دع المقادير تجري في أعنتها ،
ليقضي الله أمرا كان مفعولا
وقال أبو عبد الله محمد الرصافي :
خليلي ما للبلد قد عبقت نشرا ،
وما لرؤوس الركب قد رجحت سكرا ؟
هل المسك مفتوقا بمدرجة الصبا ،
أم القوم أجروا من بلنسية ذكرا ؟
بلادي التي راشت قويدمتي بها
فريخا ، وآوتني قرارتها وكرا
أعيذكم! أنى ننيب لبيتكم ،
وكل يد منا على كبد حرى ؟
نؤمل لقياكم ، وكيف مطارنا
بأجنحة لا نستطيع لها نشرا ؟
فلو آب ريعان الصبا ولقاؤكم ،
إذا قضت الأيام حاجتنا الكبرى
فإن لم يكن إلا النوى ومشيبنا ،
فمن أي شيء بعد نستعتب الدهرا ؟
وأنشدني بعض أهل بلنسية لأبي الحسن بن حريق المرسي :
بلنسية نهاية كل حسن ،
حديث صح في شرق وغرب
فإن قالوا : محل غلاء سعر ،
ومسقط دمنتي طعن وضرب
فقل : هي جنة حفت رباها
بمكروهين من جوع وحرب
وأنشد لابن حريق :
بلنسية بيني عن القلب سلوة ،
فإنك زهر لا أحن لزهرك
وكيف يحب المرء دارا تقسمت
على ضاربي جوع وفتنة مشرك ؟
وأنشدني لأبي العباس أحمد بن الزقاق يذكر أن البساتين محفوفة بها :
كأن بلنسية كاعب ،
وملبسها السندس الأخضر
إذا جئتها سترت وجهها
بأكمامها ، فهي لا تظهر
وأنشدني لابن الزقاق :
بلنسية جنة عاليه ،
ظلال القطوف بها دانيه
عيون الرحيق مع السلسبيـ
ـل ، وعين الحياة بها جاريه
وأنشدني غيره لخلف بن فرج اللبيري ، يعرف بابن السمسير :
بلنسية بلدة جنة ،
وفيها عيوب متى تختبر
فخارجها زهر كله ،
وداخلها برك من قذر
وذلك لأن كنفهم ظاهرة على وجه الأرض لا يحفرون له تحت التراب ، وهو عندهم عزيز لأجل البساتين ، وينسب إليها جماعة وافرة من أهل العلم بكل فن ، منهم : سعد الخير بن محمد بن سهل بن سعد أبو الحسن الأنصاري البلنسي ، فقيه صالح ومحدث مكثر ، سافر الكثير ، وركب البحر حتى وصل إلى الصين ، وانتسب لذلك صينيا ، وعاد إلى بغداد ، وأقام بها ، وسمع فيها أبا الخطاب بن البطر ، وطراد بن محمد الزينبي وغيرهما ، ومات ببغداد في محرم سنة 541 .