[ شَيْءٌ عَنْ يَوْمِ بُعَاثَ ]
وَكَانَ يَوْمُ بُعَاثَ يَوْمًا اقْتَتَلَتْ فِيهِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ ، وَكَانَ الظَّفْرُ فِيهِ يَوْمئِذٍ [1/556] لِلْأَوْسِ عَلَى الْخَزْرَجِ ، وَكَانَ عَلَى الْأَوْسِ يَوْمئِذٍ حُضَيْرُ بْنُ سِمَاكٍ الْأَشْهَلِيُّ ، أَبُو أُسَيْدِ بْنُ حُضَيْرٍ ؛ وَعَلَى الْخَزْرَجِ عَمْرُو بْنُ النُّعْمَانِ البَيَاضِيُّ ، فَقُتِلَا جَمِيعًا .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : قَالَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ :
:
عَلَى أَنْ قَدْ فُجِعْتُ بِذِي حِفَاظٍ
فَعَاوَدَنِي لَهُ حُزْنٌ رَصِينُ
فَإِمَّا تَقْتُلُوهُ فَإِنَّ عَمْرًا
أَعَضَّ بِرَأْسِهِ عَضْبٌ سَنِينُ
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ .
وَحَدِيثُ يَوْمِ بُعَاثَ أَطْوَلُ مِمَّا ذَكَرْتُ ، وَإِنَّمَا مَنَعَنِي مِنْ اسْتِقْصَائِهِ مَا ذَكَرْتُ مِنْ الْقَطْعِ .
[ تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : سَنِينُ : مَسْنُونٌ ، مِنْ سَنَّهُ ، إذَا شَحَذَهُ .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَفَعَلَ . فَتَكَلَّمَ الْقَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ وَتَنَازَعُوا وَتَفَاخَرُوا حَتَّى تَوَاثَبَ رَجُلَانِ مِنْ الْحَيَّيْنِ عَلَى الرُّكْبِ ، أَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ ، أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ ، مِنْ الْأَوْسِ ، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ ، أَحَدُ بَنِي سَلِمَةَ مِنْ الْخَزْرَجِ ، فَتَقَاوَلَا ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : إنْ شِئْتُمْ رَدَدْنَاهَا الْآنَ جَذَعَةً ، فَغَضِبَ الْفَرِيقَانِ جَمِيعًا ، وَقَالُوا : قَدْ فَعَلْنَا ، مَوْعِدُكُمْ الظَّاهِرَةُ - وَالظَّاهِرَةُ : الْحرَّةُ - السِّلَاحَ السِّلَاحَ . فَخَرَجُوا إلَيْهَا . فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى جَاءَهُمْ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ ، اللَّهَ اللَّهَ ، أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ بَعْدَ أَنْ هَدَاكُمْ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ ، وَأَكْرَمَكُمْ بِهِ ، وَقَطَعَ بِهِ عَنْكُمْ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَاسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِنْ الْكُفْرِ ، وَأَلَّفَ بِهِ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنَّهَا نَزْغَةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ ، وَكَيْدٌ مِنْ عَدُوِّهِمْ ، فَبَكَوْا وَعَانَقَ الرِّجَالُ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَامِعِينَ مُطِيعِينَ ، قَدْ أَطْفَأَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَيْدَ عَدُوِّ اللَّهِ شَأْسِ بْنِ قَيِّسْ .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ [1/557] تَعَالَى فِي شَأْسِ بْنِ قَيْسٍ وَمَا صَنَعَ : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَوْسِ بْنِ قَيْظِيٍّ وَجَبَّارِ بْنِ صَخْرٍ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمَا مِنْ قَوْمِهِمَا الَّذِينَ صَنَعُوا مَا صَنَعُوا عَمَّا أَدْخَلَ عَلَيْهِمْ شَأْسٌ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ