[1/94] الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ وَسُوَرِهِ وَآيِهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ سَمَّى تَنْزِيلَهُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْمَاءً أَرْبَعَةً :
مِنْهُنَّ : " الْقُرْآنُ " ، فَقَالَ فِي تَسْمِيَتِهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ فِي تَنْزِيلِهِ : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [ سُورَةُ يُوسُفَ : 3 ] ، وَقَالَ : إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [ سُورَةُ النَّمْلِ : 76 ] .
وَمِنْهُنَّ : " الْفُرْقَانُ " ، قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي وَحْيِهِ إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَمِّيهِ بِذَلِكَ : تَبَارَكَ الَّذِي نَـزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [ سُورَةُ الْفُرْقَانِ : 1 .
وَمِنْهُنَّ : " الْكِتَابُ " : قَالَ تَبَارَكَ اسْمُهُ فِي تَسْمِيَتِهِ إِيَّاهُ بِهِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْـزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 1 ] .
وَمِنْهُنَّ : " الذِّكْرُ " ، قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي تَسْمِيَتِهِ إِيَّاهُ بِهِ : إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ سُورَةُ الْحِجْرِ : 9 ] .
وَلِكُلِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ الْأَرْبَعَةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، مَعْنًى وَوَجْهٌ غَيْرُ مَعْنَى الْآخَرِ وَوَجْهِهِ .
فَأَمَّا " الْقُرْآنُ " ، فَإِنَّ الْمُفَسِّرِينَ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ . وَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : مِنَ التِّلَاوَةِ وَالْقِرَاءَةِ ، وَأَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : [1/95] قَرَأَتُ ، كَقَوْلِكَ " الْخُسْرَانُ " مِنْ " خَسِرْتُ " ، وَ " الْغُفْرَانُ " مِنْ " غَفَرَ اللَّهُ لَكَ " ، وَ " الْكُفْرَانُ " مِنْ " كَفَرْتُكَ " ، " وَالْفُرْقَانُ " مِنْ " فَرَقَ اللَّهُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ " .
117 - وَذَلِكَ أَنْ يَحْيَى بْنَ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ السَّهْمِيَّ حَدَّثَنِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : فَإِذَا قَرَأْنَاهُ يَقُولُ : بَيَّنَّاهُ ، فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [ سُورَةُ الْقِيَامَةِ : 18 ] يَقُولُ : اعْمَلْ بِهِ .
وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا : فَإِذَا بَيَّنَّاهُ بِالْقِرَاءَةِ ، فَاعْمَلْ بِمَا بَيَّنَّاهُ لَكَ بِالْقِرَاءَةِ . وَمِمَّا يُوَضِّحُ صِحَّةَ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا ، مَا : -
118 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [ سُورَةُ الْقِيَامَةِ : 17 ] قَالَ : أَنْ نُقْرِئَكَ فَلَا تَنْسَى فَإِذَا قَرَأْنَاهُ عَلَيْكَ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ يَقُولُ : إِذَا تُلِيَ عَلَيْكَ فَاتَّبِعْ مَا فِيهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَقَدْ صَرَّحَ هَذَا الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ مَعْنَى " الْقُرْآنِ " عِنْدَهُ الْقِرَاءَةُ ، فَإِنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : قَرَأْتُ ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ .
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ قَتَادَةَ ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : قَرَأْتُ الشَّيْءَ ، إِذَا جَمَعْتَهُ وَضَمَمْتَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ ، كَقَوْلِكَ : " مَا قَرَأَتْ هَذِهِ النَّاقَةُ سَلًى قَطُّ " تُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ تَضْمُمْ رَحِمًا عَلَى وَلَدٍ ، كَمَا قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ التَّغْلَبِيُّ : [1/96]
تُرِيكَ - إِذَا دَخَلْتَ عَلَى خَلَاءٍ ،
وَقَدْ أَمِنَتْ عُيُونَ الْكَاشِحِينَا -
ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أَدْمَاءَ بِكْرٍ ،
هِجَانِ اللَّوْنِ ، لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا

يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا " ، لَمْ تَضْمُمْ رَحِمًا عَلَى وَلَدٍ .
119 - وَذَلِكَ أَنْ بِشْرَ بْنَ مُعَاذٍ الْعَقَدِيَّ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ يَقُولُ : حِفْظَهُ وَتَأْلِيفَهُ ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ اتَّبِعْ حَلَالَهُ ، وَاجْتَنِبْ حَرَامَهُ .
120 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَمِّرُ ، عَنْ قَتَادَةَ بِمَثَلِهِ .
فَرَأْيُ قَتَادَةَ أَنَّ تَأْوِيلَ " الْقُرْآنِ " : التَّأْلِيفُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلِكِلَا الْقَوْلَيْنِ - أَعَنِي قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَوْلَ قَتَادَةَ - اللَّذَيْنِ حَكَيْنَاهُمَا ، وَجْهٌ صَحِيحٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ . غَيْرَ أَنَّ أَوْلَى قَوْلَيْهِمَا بِتَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ . لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَ نَبِيَّهُ فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ تَنْزِيلِهِ بِاتِّبَاع مَا أَوْحَى إِلَيْهِ ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي تَرْكِ اتِّبَاعِ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ إِلَى وَقْتِ تَأْلِيفِهِ الْقُرْآنَ لَهُ . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ نَظِيرَ سَائِرِ مَا فِي آيِ الْقُرْآنِ الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ فِيهَا بِاتِّبَاعِ مَا أَوْحَى إِلَيْهِ فِي تَنْزِيلِهِ . [1/97]
وَلَوْ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ فإذا ألَّفناه فاتبع ما ألَّفنا لك فيه : لوجب أن لا يكون كان لزِمه فرضُ ) اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( ولا فرضُ ) يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ ( [ سورة المدثر : 1 2 ، قَبْلَ أَنْ يُؤَلَّفَ إِلَى ذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الْقُرْآنِ . وَذَلِكَ ، إِنْ قَالَهُ قَائِلٌ ، خُرُوجٌ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْمِلَّةِ .
وَإِذْ صَحَّ أَنَّ حُكْمَ كُلِّ آيَةٍ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ كَانَ لَازِمًا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتِّبَاعُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ ، مُؤَلَّفَةً كَانَتْ إِلَى غَيْرِهَا أَوْ غَيْرَ مُؤَلَّفَةٍ - صَحَّ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أَنَّهُ يَعْنِي بِهِ : فَإِذَا بَيَّنَاهُ لَكَ بِقِرَاءَتِنَا ، فَاتَّبِعْ مَا بَيَّنَاهُ لَكَ بِقِرَاءَتِنَا - دُونَ قَوْلِ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ ، فَإِذَا أَلَّفْنَاهُ فَاتَّبِعْ مَا أَلَّفْنَاهُ .
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ قَوْلَ الشَّاعِرِ :
ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ
يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنَا

يَعْنِي بِهِ قَائِلُهُ : تَسْبِيحًا وَقِرَاءَةً .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى " قُرْآنًا " بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَقْرُوءٌ ؟
قِيلَ : كَمَا جَازَ أَنْ يُسَمَّى الْمَكْتُوبُ " كِتَابًا " ، بِمَعْنَى : كِتَابِ الْكَاتِبِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ فِي صِفَةِ كِتَابِ طَلَاقٍ كَتَبَهُ لِامْرَأَتِهِ :
تُؤَمِّلُ رَجْعَةً مِنِّي ، وَفِيهَا
كِتَابٌ مِثْلَ مَا لَصِقَ الْغِرَاءُ
[1/98]
يُرِيدُ : طَلَاقًا مَكْتُوبًا ، فَجَعَلَ " الْمَكْتُوبَ " كِتَابًا .
وَأَمَّا تَأْوِيلُ اسْمِهِ الَّذِي هُوَ " فُرْقَانٌ " ، فَإِنَّ تَفْسِيرَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ جَاءَ فِي ذَلِكَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ ، هِيَ فِي الْمَعَانِي مُؤْتَلِفَةٌ .
121 - فَقَالَ عِكْرِمَةُ ، فِيمَا حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : هُوَ النَّجَاةُ .
وَكَذَلِكَ كَانَ السُّدِّيُّ يَتَأَوَّلُهُ .
122 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ - وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ غَيْرِهِمَا .
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : " الْفُرْقَانُ " : الْمَخْرَجُ .
123 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَكَذَلِكَ كَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِهِ بِذَلِكَ .
124 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ .
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَوْمَ الْفُرْقَانِ [ سُورَةُ الْأَنْفَالِ : 41 ] يَوْمٌ فَرَّقَ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ .
125 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عِيسَى بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ .
وَكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ فِي مَعْنَى " الْفُرْقَانِ " - عَلَى اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهَا - مُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي . وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ جُعِلَ لَهُ مَخْرَجٌ مِنْ أَمَرٍ كَانَ فِيهِ ، فَقَدْ جُعِلَ [1/99] لَهُ ذَلِكَ الْمَخْرَجُ مِنْهُ نَجَاةً . وَكَذَلِكَ إِذَا نُجِّيَ مِنْهُ ، فَقَدْ نُصِرَ عَلَى مَنْ بَغَاهُ فِيهِ سُوءًا ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَاغِيهِ السُّوءَ .
فَجَمِيعُ مَا رَوَيْنَا - عَمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ - فِي مَعْنَى " الْفُرْقَانِ " ، قَوْلٌ صَحِيحُ الْمَعَانِي ، لِاتِّفَاقِ مَعَانِي أَلْفَاظِهِمْ فِي ذَلِكَ .
وَأَصْلُ " الْفُرْقَانِ " عِنْدَنَا : الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَالْفَصْلُ بَيْنَهُمَا . وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِقَضَاءٍ ، وَاسْتِنْقَاذٍ ، وَإِظْهَارِ حُجَّةٍ ، وَنَصْرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي الْمُفَرِّقَةِ بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ . فَقَدْ تَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ سُمِّيَ " فُرْقَانًا " ، لِفَصْلِهِ - بِحُجَجِهِ وَأَدِلَّتِهِ وَحُدُودِ فَرَائِضِهِ وَسَائِرِ مَعَانِي حُكْمِهِ - بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ . وَفُرْقَانُهُ بَيْنَهُمَا : بِنَصْرِهِ الْمُحِقَّ ، وَتَخْذِيلِهِ الْمُبْطِلَ ، حُكْمًا وَقَضَاءً .
وَأَمَّا تَأْوِيلُ اسْمِهِ الَّذِي هُوَ " كِتَابٌ " : فَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِكَ " كَتَبْتُ كِتَابًا " كَمَا تَقُولُ : قُمْتُ قِيَامًا ، وَحَسَبْتُ الشَّيْءَ حِسَابًا . وَالْكِتَابُ : هُوَ خَطُّ الْكَاتِبِ حُرُوفَ الْمُعْجَمِ مَجْمُوعَةً وَمُفْتَرِقَةً . وَسُمِّيَ " كِتَابًا " ، وَإِنَّمَا هُوَ مَكْتُوبٌ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ فِي الْبَيْتِ الَّذِي اسْتَشْهَدْنَا بِهِ :
وَفِيهَا كِتَابٌ مِثْلَ مَا لَصِقَ الْغِرَاءُ

يَعْنِي بِهِ مَكْتُوبًا .
وَأَمَّا تَأْوِيلُ اسْمِهِ الَّذِي هُوَ " ذِكْرٌ " ، فَإِنَّهُ مُحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ ذِكْرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ، ذَكَّرَ بِهِ عِبَادَهُ ، فَعَرَّفَهُمْ فِيهِ حُدُودَهُ وَفَرَائِضَهُ ، وَسَائِرَ مَا أَوْدَعَهُ مِنْ حِكَمِهِ . وَالْآخَرُ : أَنَّهُ ذِكْرٌ وَشَرَفٌ وَفَخْرٌ لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَ بِمَا فِيهِ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [ سُورَةُ الزُّخْرُفِ : 44 ] ، يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ شَرَفٌ لَهُ وَلِقَوْمِهِ . [1/100]
ثُمَّ لِسُوَرِ الْقُرْآنِ أَسْمَاءٌ سَمَّاهَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
126 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَوَّامِ - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ ، جَمِيعًا - عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أُعْطِيتُ مَكَانَ التَّوْرَاةِ السَّبْعَ الطُّوَلِ ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الزَّبُورِ الْمِئِينَ ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ الْمَثَانِيَ ، وَفُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ .
127 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُعْطِيتُ السَّبْعَ الطُّوَلَ مَكَانَ التَّوْرَاةِ ، وَأُعْطِيتُ الْمَثَانِيَ مَكَانَ الزَّبُورِ ، وَأُعْطِيتُ الْمِئِينَ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ ، وَفُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ . قَالَ خَالِدٌ : كَانُوا يُسَمُّونَ الْمُفَصَّلَ : الْعَرَبِيَّ . قَالَ خَالِدٌ : قَالَ بَعْضُهُمْ : لَيْسَ فِي الْعَرَبِيِّ سَجْدَةٌ . [1/101]
128 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ حَدَّثَنَا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : الطُّوَلُ كَالتَّوْرَاةِ ، وَالْمَئُونَ كَالْإِنْجِيلِ ، وَالْمَثَانِي كَالزَّبُورِ ، وَسَائِرِ الْقُرْآنِ بَعْدُ فَضْلٌ عَلَى الْكُتُبِ .
129 - حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدٍ الْوَصَّابِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَفْصٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا الْفَزَارِيُّ ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ أَعْطَانِي رِبِّي مَكَانَ التَّوْرَاةِ السَّبْعَ الطُّوَلَ ، وَمَكَانَ الْإِنْجِيلِ الْمَثَانِيَ ، وَمَكَانَ الزَّبُورِ الْمِئِينَ ، وَفَضَّلَنِي رَبِّي بِالْمُفَصَّلِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالسَّبْعُ الطُّوَلُ : الْبَقَرَةُ ، وَآلُ عِمْرَانَ ، وَالنِّسَاءُ ، وَالْمَائِدَةُ ، [1/102]
وَالْأَنْعَامُ ، وَالْأَعْرَافُ ، وَيُونُسُ ، فِي قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ .
130 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلٌ يَدُلُّ عَلَى مُوَافَقَتِهِ قَوْلَ سَعِيدٍ هَذَا .
131 - وَذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَارِسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ : قَالَ : قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ : مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الْأَنْفَالِ ، وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي ، وَإِلَى بَرَاءَةٌ وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَكْتُبُوا سَطْرًا : " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ، وَوَضَعْتُمُوهُمَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ ؟ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ عُثْمَانُ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ تُنَزَّلُ عَلَيْهِ السُّورُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بِبَعْضٍ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ فَيَقُولُ : ضَعُوا هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا . وَكَانَتِ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ ، وَكَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا ، فَظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنْهَا . فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ : " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ، وَوَضَعْتُهُمَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ " .
فَهَذَا الْخَبَرُ يُنْبِئُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ [1/103] الْأَنْفَالَ وَبَرَاءَةٌ مِنَ السَّبْعِ الطُّوَلِ ، وَيُصَرِّحُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى ذَلِكَ مِنْهَا .
وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّوَرُ السَّبْعَ الطُّوَلَ ، لِطُولِهَا عَلَى سَائِرِ سُوَرِ الْقُرْآنِ .
وَأَمَّا " الْمِئُونُ : فَهِيَ مَا كَانَ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ عَدَدُ آيِهِ مِائَةُ آيَةٍ ، أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهَا شَيْئًا أَوْ تَنْقُصُ مِنْهَا شَيْئًا يَسِيرًا .
وَأَمَّا " الْمَثَانِي : فَإِنَّهَا مَا ثَنَّى الْمِئِينَ فَتَلَاهَا ، وَكَانَ الْمِئُونَ لَهَا أَوَائِلَ ، وَكَانَ الْمَثَانِي لَهَا ثَوَانِيَ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْمَثَانِيَ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ ، لِتَثْنِيَةِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ فِيهَا الْأَمْثَالَ وَالْخَبَرَ وَالْعِبَرَ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
132 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِنَّمَا سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا ثُنِّيَتْ فِيهَا الْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ .
133 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ .
وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ يَكْثُرُ تَعْدَادُهُمْ : الْقُرْآنُ كُلُّهُ مَثَانٍ .
وَقَالَ جَمَاعَةٌ أُخْرَى : بَلِ الْمَثَانِي فَاتِحَةُ الْكِتَابِ ، لِأَنَّهَا تُثَنَّى قِرَاءَتُهَا فِي كُلِّ صَلَاةٍ .
وَسَنَذْكُرُ أَسْمَاءَ قَائِلِي ذَلِكَ وَعِلَلَهُمْ ، وَالصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ ، إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي [ سُورَةُ الْحِجْرِ : 87 ] إِنْ شَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ .
وَبِمِثْلِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَسْمَاءِ سُوَرِ الْقُرْآنِ الَّتِي ذُكِرَتْ ، جَاءَ شِعْرُ الشُّعَرَاءِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : [1/104]
حَلَفْتُ بِالسَّبْعِ اللَّوَاتِي طُوِّلَتْ
وَبِمِئِينَ بَعْدَهَا قَدْ أُمْئِيَتْ
وَبِمَثَانٍ ثُنِّيَتْ فَكُرِّرَتْ
وَبِالطَّوَاسِينِ الَّتِي قَدْ ثُلِّثَتْ
وَبِالْحَوَامِيمِ اللَّوَاتِي سُبِّعَتْ
وَبِالْمُفَصَّلِ اللَّواتِي فُصِّلَتْ

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ : وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأْوَّلْنَاهُ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ .
وَأَمَّا " الْمُفَصَّلُ " : فَإِنَّهَا سُمِّيَتْ مُفَصَّلًا لِكَثْرَةِ الْفُصُولِ الَّتِي بَيْنَ سُوَرِهَا بِ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : ثُمَّ تُسَمَّى كُلُّ سُورَةٍ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ " سُورَةً " ، وَتُجْمَعُ سُوَرًا " ، عَلَى تَقْدِيرِ " خُطْبَةٍ وَخُطَبٍ " ، " وَغُرْفَةٍ وَغُرَفٍ " .
وَالسُّورَةُ ، بِغَيْرِ هَمْزٍ : الْمَنْزِلَةُ مِنْ مَنَازِلَ الِارْتِفَاعِ . وَمِنْ ذَلِكَ سُوَرُ الْمَدِينَةِ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ الْحَائِطُ الَّذِي يَحْوِيهَا ، لِارْتِفَاعِهِ عَلَى مَا يَحْوِيهِ . غَيْرَ أَنَّ السُّورَةَ مِنْ سُوَرِ الْمَدِينَةِ لَمْ يُسْمَعْ فِي جَمْعِهَا " سُوَرٌ " ، كَمَا سُمِعَ فِي جَمْعِ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ " سُوَرٌ " . قَالَ الْعَجَّاجُ فِي جَمْعِ السُّورَةِ مِنَ الْبِنَاءِ :
فَرُبَّ ذِي سُرَادِقٍ مَحْجُورِ
سُرْتُ إِلَيْهِ فِي أَعَالِي السُّورِ

فَخَرَجَ تَقْدِيرُ جَمْعِهَا عَلَى تَقْدِيرِ جَمْعِ بُرَّةٍ وَبُسْرَةٍ ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُجْمَعُ بُرًّا وَبُسْرًا . وَكَذَلِكَ لَمْ يُسْمَعْ فِي جَمْعِ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ سُورٌ ، وَلَوْ جُمِعَتْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ خَطَأً فِي الْقِيَاسِ ، إِذَا أُرِيدَ بِهِ جَمِيعُ الْقُرْآنِ . وَإِنَّمَا تَرَكُوا - فِيمَا نَرَى - جَمْعَهُ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ كُلَّ جَمْعٍ كَانَ بِلَفْظٍ الْوَاحِدِ الْمُذَكَّرِ مِثْلَ : بُرٍّ وَشَعِيرٍ وَقَصَبٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ [1/105] جِمَاعَهُ يَجْرِي مَجْرَى الْوَاحِدِ مِنَ الْأَشْيَاءِ غَيْرِهِ . لِأَنَّ حُكْمَ الْوَاحِدِ مِنْهُ مُنْفَرِدًا قَلَمَّا يُصَابُ ، فَجَرَى جِمَاعُهُ مَجْرَى الْوَاحِدِ مِنَ الْأَشْيَاءِ غَيْرِهِ ثُمَّ جُعِلَتِ الْوَاحِدَةُ مِنْهُ كَالْقِطْعَةِ مِنْ جَمِيعِهِ ، فَقِيلَ : بُرَّةٌ وَشُعَيْرَةٌ وَقَصَبَةٌ ، يُرَادُ بِهِ قِطْعَةٌ مِنْهُ . وَلَمْ تَكُنْ سُوَرُ الْقُرْآنِ مَوْجُودَةً مُجْتَمِعَةً اجْتِمَاعَ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَسُورِ الْمَدِينَةِ ، بَلْ كُلُّ سُورَةٍ مِنْهَا مَوْجُودَةٌ مُنْفَرِدَةٌ بِنَفْسِهَا ، انْفِرَادَ كُلِّ غُرْفَةٍ مِنَ الْغُرَفِ وَخُطْبَةٍ مِنَ الْخُطَبِ ، فَجُعِلَ جَمْعُهَا جَمْعَ الْغُرَفِ وَالْخُطَبِ ، الْمَبْنِيِّ جَمْعُهَا مِنْ وَاحِدِهَا .
وَمِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى السُّورَةِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ الِارْتِفَاعِ ، قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ :
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ سُورَةً
تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ

يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُ مَنْزِلَةً مِنْ مَنَازِلَ الشَّرَفِ الَّتِي قَصُرَتْ عَنْهَا مَنَازِلُ الْمُلُوكِ .
وَقَدْ هَمْزَ بَعْضُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ . وَتَأْوِيلُهَا ، فِي لُغَةِ مَنْ هَمَزَهَا ، الْقِطْعَةُ الَّتِي قَدْ أُفْضِلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ عَمَّا سِوَاهَا وَأُبْقِيَتْ . وَذَلِكَ أَنَّ سُؤْرَ كُلِّ شَيْءٍ : الْبَقِيَّةُ مِنْهُ تَبْقَى بَعْدَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْفَضْلَةُ مِنْ شَرَابِ الرَّجُلِ - يَشْرَبُهُ ثُمَّ يُفْضِلُهَا فَيُبْقِيهَا فِي الْإِنَاءِ - سُؤْرًا . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ ، يَصِفُ امْرَأَةً فَارَقَتْهُ فَأَبْقَتْ فِي قَلْبِهِ مِنْ وَجْدِهَا بَقِيَّةً :
فَبَانَتْ وَقَدْ أَسْأَرَتْ فِي الْفُؤَادِ
صَدْعًا عَلَى نَأْيِهَا مُسْتَطِيَرَا
[1/106]
وَقَالَ الْأَعْشَى فِي مِثْلِ ذَلِكَ :
بَانَتْ ، وَقَدْ أَسْأَرَتْ فِي النَّفْسِ حَاجَتَهَا ،
بَعْدَ ائْتِلَافٍ; وَخَيْرُ الْوُدِّ مَا نَفَعَا

وَأَمَّا الْآيَةُ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ ، فَإِنَّهَا تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ آيَةً ، لِأَنَّهَا عَلَامَةٌ يُعَرَفُ بِهَا تَمَامُ مَا قَبْلَهَا وَابْتِدَاؤُهَا ، كَالْآيَةِ الَّتِي تَكُونُ دَلَالَةً عَلَى الشَّيْءِ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَيْهِ ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ :
أَلِكْنِي إِلَيْهَا عَمْرَكَ اللَّهُ يَا فَتَى
بِآيَةِ مَا جَاءَتْ إِلَيْنَا تَهَادِيَا

يَعْنِي : بِعَلَامَةِ ذَلِكَ . وَمِنْهُ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ : رَبَّنَا أَنْـزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 114 ] أَيْ عَلَامَةً مِنْكَ لِإِجَابَتِكَ دُعَاءَنَا وَإِعْطَائِكَ إِيَّانَا سُؤْلَنَا .
وَالْآخَرُ مِنْهُمَا : الْقِصَّةُ ، كَمَا قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى :
أَلَّا أَبْلِغَا هَذَا الْمُعَرِّضَ آيَةً :
أَيَقْظَانَ قَالَ الْقَوْلَ إِذْ قَالَ أَمْ حَلَمْ

يَعْنِي بِقَوْلِهِ " آيَةً " : رِسَالَةً مِنِّي وَخَبَرًا عَنِّي .
فَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَاتِ : الْقِصَصُ ، قِصَّةٌ تَتْلُو قِصَّةً ، بِفُصُولٍ وَوُصُولٍ .