[7/19] الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ( 96 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُهُ : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ، يُعْبَدُ اللَّهُ فِيهِ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ، الَّذِي بِبَكَّةَ . قَالُوا : وَلَيْسَ هُوَ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَتْ قَبْلَهُ بُيُوتٌ كَثِيرَةٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7422 - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ قَالَ : قَامَ رَجُلٌ إِلَى عَلَيٍّ فَقَالَ : أَلَا تُخْبِرَنِي عَنِ الْبَيْتِ؟ أَهْوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ؟ فَقَالَ : لَا وَلَكِنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِي الْبَرَكَةِ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ، وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا .
7423 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَثْنَى قَالَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكٍ قَالَ : سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ عَرْعَرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيًّا ، وَقِيلَ لَهُ : " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ " ، هُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ كَانَ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ : لَا! قَالَ : فَأَيْنَ كَانَ قَوْمُ نُوحٍ؟ وَأَيْنَ كَانَ قَوْمُ هُودٍ؟ قَالَ : وَلَكِنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ مُبَارَكًا وَهُدًى . [7/20]
7424 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ ، سَأَلَ حَفْصٌ الْحَسَنَ وَأَنَا أَسْمَعُ عَنْ قَوْلِهِ : " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا " قَالَ ، هُوَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ عُبِدَ اللَّهُ فِيهِ فِي الْأَرْضِ .
7425 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ يَحْيَى الرَّمْلِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ ، عَنْ مَطَرٍ فِي قَوْلِهِ : " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ " قَالَ : قَدْ كَانَتْ قَبْلَهُ بُيُوتٌ ، وَلَكِنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلْعِبَادَةِ .
7426 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبَّادٌ ، عَنِ الْحَسَنِ قَوْلِهِ : " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ " ، يُعْبَدُ اللَّهُ فِيهِ " لَلَّذِي بِبَكَّةَ " .
7427 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ سَعِيدٍ : " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا " قَالَ ، وُضِعَ لِلْعِبَادَةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ قَائِلُو ذَلِكَ فِي صِفَةِ وَضْعِهِ أَوَّلَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : خُلِقَ قَبْلَ جَمِيعِ الْأَرَضَّيْنِ ، ثُمَّ دُحِيَتِ الْأَرَضُونَ مِنْ تَحْتِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7428 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الْأَسَدِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا شَيْبَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : خَلَقَ اللَّهُ الْبَيْتَ قَبْلَ الْأَرْضِ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ ، وَكَانَ - إِذْ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ - زَبْدَةً بَيْضَاءَ ، فَدُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهِ . [7/21]
7429 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا خُصَيْفٌ قَالَ : سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ : إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ ، ثُمَّ دَحَى الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهَا .
7430 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ " ، كَقَوْلِهِ : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 110 ]
7431 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ " ، أَمَّا " أَوَّلَ بَيْتٍ " ، فَإِنَّهُ يَوْمُ كَانَتِ الْأَرْضُ مَاءً ، كَانَ زَبْدَةٌ عَلَى الْأَرْضِ ، فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ ، خَلَقَ الْبَيْتَ مَعَهَا ، فَهُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ .
7432 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا قَالَ : أَوَّلُ بَيْتٍ وَضَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، فَطَافَ بِهِ آدَمُ وَمَنْ بَعْدَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَوْضِعُ الْكَعْبَةِ ، مَوْضِعُ أَوَّلِ بَيْتٍ وَضَعَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7433 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْبَيْتَ هَبَطَ مَعَ آدَمَ حِينَ هَبَطَ ، قَالَ : أُهْبِطُ مَعَكَ بَيْتِي يُطَافُ حَوْلَهُ كَمَا يُطَافُ حَوْلَ عَرْشِي . فَطَافَ حَوْلَهُ آدَمُ وَمَنْ كَانَ بَعْدَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، حَتَّى إِذَا كَانَ زَمَنُ الطُّوفَانِ ، زَمَنُ أَغْرَقَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ ، رَفَعَهُ اللَّهُ وَطَهَّرَهُ مِنْ أَنْ يُصِيبَهُ عُقُوبَةُ أَهْلِ الْأَرْضِ ، فَصَارَ مَعْمُورًا فِي السَّمَاءِ . ثُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ تَتَبَّعَ مِنْهُ أَثَرًا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَبَنَاهُ عَلَى أَسَاسٍ قَدِيمٍ كَانَ قَبْلَهُ . [7/22]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهِ : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ مُبَارَكٍ وَهُدًى وُضِعَ لِلنَّاسِ ، لِلَّذِي بِبَكَّةَ . وَمَعْنَى ذَلِكَ : " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ " ، أَيْ : لِعِبَادَةِ اللَّهِ فِيهِ " مُبَارَكًا وَهُدًى " ، يَعْنِي بِذَلِكَ : وَمَآبًا لِنُسُكِ النَّاسِكِينَ وَطَوَافِ الطَّائِفِينَ ، تَعْظِيمًا لِلَّهِ وَإِجْلَالًا لَهُ " لَلَّذِي بِبَكَّةَ " لِصِحَّةِ الْخَبَرِ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ مَا : -
7434 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلُ؟ قَالَ : " الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ . قَالَ : ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ : الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى . قَالَ : كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ : أَرْبَعُونَ سَنَةً .
فَقَدْ بَيَّنَ هَذَا الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ هُوَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ وَضَعَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ ، عَلَى مَا قُلْنَا . فَأَمَّا فِي مَوْضِعِهِ بَيْتًا ، بِغَيْرِ مَعْنَى بَيْتٍ لِلْعِبَادَةِ وَالْهُدَى وَالْبَرَكَةِ ، فَفِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ مَا قَدْ ذَكَرْتُ بَعْضَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَبَعْضَهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ ، وَبَيَّنْتُ الصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . [7/23]
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا " فَإِنَّهُ يَعْنِي : لَلْبَيْتُ الَّذِي بِمُزْدَحِمِ النَّاسِ لِطَوَافِهِمْ فِي حَجِّهِمْ وَعُمَرِهِمْ .
وَأَصْلُ " الْبَكِّ " : الزَّحْمُ ، يُقَالُ : مِنْهُ : " بَكَّ فُلَانٌ فُلَانًا " إِذَا زَحَمَهُ وَصَدْمَهُ - " فَهُوَ يَبُكُّهُ بَكًّا ، وَهُمْ يَتَبَاكُّونَ فِيهِ " ، يَعْنِي بِهِ : يَتَزَاحَمُونَ وَيَتَصَادَمُونَ فِيهِ . فَكَأَنَّ " بَكَّةَ " " فَعْلَةٌ " مِنْ " بَكَّ فُلَانَ فُلَانًا " زَحَمَهُ ، سُمِّيَتِ الْبُقْعَةُ بِفِعْلِ الْمُزْدَحِمَيْنِ بِهَا .
فَإِذَا كَانَتْ " بَكَّةُ " مَا وَصَفْنَا ، وَكَانَ مَوْضِعُ ازْدِحَامِ النَّاسِ حَوْلَ الْبَيْتِ ، وَكَانَ لَا طَوَافَ يَجُوزُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ كَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَا حَوْلَ الْكَعْبَةِ مِنْ دَاخِلِ الْمَسْجِدِ ، وَأَنَّ مَا كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَمَكَّةَ ، لَا " بَكَّةَ " . لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى خَارِجَهُ يُوجِبُ عَلَى النَّاسِ التَّبَاكَّ فِيهِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، كَانَ بَيِّنًا بِذَلِكَ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ قَالَ : " بَكَّةُ " اسْمٌ لِبَطْنِ " مَكَّةَ " ، وَمَكَّةُ اسْمٌ لِلْحَرَمِ . .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ فِي ذَلِكَ مَا قُلْنَا : مِنْ أَنَّ " بَكَّةَ " مَوْضِعٌ مُزْدَحِمُ النَّاسِ لِلطَّوَافِ : [7/24]
7435 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْغِفَارِيِّ فِي قَوْلِهِ : " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ " قَالَ : " بَكَّةُ " مَوْضِعُ الْبَيْتِ ، " وَمَكَّةُ " مَا سِوَى ذَلِكَ .
7436 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ مِثْلَهُ .
7437 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ : مَرَّتِ امْرَأَةٌ بَيْنَ يَدَيْ رَجُلٍ وَهُوَ يُصَلِّي وَهِيَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ ، فَدَفَعَهَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : إِنَّهَا بَكَّةُ ، يَبُكُّ بَعْضُهَا بَعْضًا .
7438 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ : : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَتْ " بَكَّةُ " ، لِأَنَّ النَّاسَ يَتَبَاكُّونَ فِيهَا ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ .
7439 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ سَعِيدٍ قَالَ : قُلْتُ : لِأَيِّ شَيْءٍ سُمِّيَتْ " بَكَّةُ " ؟ قَالَ : لِأَنَّهُمْ يَتَبَاكُّونَ فِيهَا قَالَ : يَعْنِي : يَزْدَحِمُونَ .
7440 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَسْودِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَتْ " بَكَّةُ " ، لِأَنَّهُمْ يَأْتُونَهَا حُجَّاجًا .
7441 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا " ، فَإِنَّ اللَّهَ بَكَّ بِهِ النَّاسَ جَمِيعًا ، فَيُصَلِّي النِّسَاءُ قُدَّامَ الرِّجَالِ ، وَلَا يَصْلُحُ بِبَلَدٍ غَيْرِهِ .
7442 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " بَكَّةَ " ، بَكَّ النَّاسُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ ، يُصَلِّي بَعْضُهُمْ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضٍ ، لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ إِلَّا بِمَكَّةَ . [7/25]
7443 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ قَالَ : " بَكَّةَ " ، مَوْضِعُ الْبَيْتِ ، وَ " مَكَّةَ " : مَا حَوْلَهَا .
7444 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَزْهَرَ ، عَنْ غَالِبِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ : أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ " بَكَّةَ " قَالَ : " بَكَّةَ " الْبَيْتُ ، وَالْمَسْجِدَ . وَسَأَلَهُ عَنْ " مَكَّةَ " ، فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : " مَكَّةُ " : الْحَرَمُ كُلُّهُ .
7445 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ قَالَا " بَكَّةَ " : بَكَّ فِيهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ .
7446 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ يَحْيَى الرَّمْلِيُّ . قَالَ : قَالَ ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، " بَكَّةَ " : الْمَسْجِدُ ، . وَ " مَكَّةَ " : الْبُيُوتُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا : -
7447 - حَدَّثَنِي بِهِ يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ " قَالَ : هِيَ مَكَّةُ .
وَقِيلَ : " مُبَارَكًا " ، لِأَنَّ الطَّوَافَ بِهِ مَغْفِرَةٌ لِلذُّنُوبِ .
فَأَمَّا نَصْبُ قَوْلِهِ : " مُبَارَكًا " ، فَإِنَّهُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ قَوْلِهِ : " وُضِعَ " ، لِأَنَّ فِي " وُضِعَ " ذِكْرًا مِنَ " الْبَيْتِ " هُوَ بِهِ مَشْغُولٌ ، وَهُوَ مَعْرِفَةٌ ، وَ " مُبَارَكٌ " نَكِرَةٌ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَتْبَعَهُ فِي الْإِعْرَابِ . [7/26]
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : " هُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ " ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي ذَلِكَ قَوْلَ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ ، فَإِنَّهُ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ مِنْ قَوْلِهِ : " لَلَّذِي بِبَكَّةَ " . لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِمْ : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ الْبَيْتُ [ الَّذِي ] بِبَكَّةَ مُبَارَكًا . فَ " الْبَيْتُ " عِنْدَهُمْ مِنْ صِفَتِهِ " الَّذِي بِبَكَّةَ " ، وَ " الَّذِي " بِصِلَتِهِ مَعْرِفَتِهِ ، وَ " الْمُبَارَكُ " نَكِرَةٌ ، فَنُصِبَ عَلَى الْقَطْعِ مِنْهُ ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ وَعَلَى الْحَالِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ . وَ " هُدًى " فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ " مُبَارَكًا " .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ،
فَقَرَأَهُ قَرَأَةُ الْأَمْصَارِ : فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ عَلَى جِمَاعِ " آيَةٍ " ، بِمَعْنَى : فِيهِ عَلَامَاتٌ بَيِّنَاتٌ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ . ( فِيهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ ) ، يَعْنِي بِهَا : مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ ، يُرَادُ بِهَا : عَلَامَةٌ وَاحِدَةٌ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ " وَمَا تِلْكَ الْآيَاتُ؟ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَالْمَشْعَرُ الْحَرَامُ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7448 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : [7/27] حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : " فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ " ، مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ، وَالْمَشْعَرُ .
7449 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَمُجَاهِدٍ : " فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ " قَالَ : مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ، مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " الْآيَاتُ الْبَيِّنَاتُ " ، مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ " وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا " .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7450 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّادٌ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ " قَالَ : " مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا " .
وَقَالَ آخَرُونَ : " الْآيَاتُ الْبَيِّنَاتُ " ، هُوَ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7451 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، قَوْلُهُ : " فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ " أَمَّا " الْآيَاتُ الْبَيِّنَاتُ " فَمَقَامُ إِبْرَاهِيمَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَأَوا ذَلِكَ : " فِيهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ " عَلَى التَّوْحِيدِ ، فَإِنَّهُمْ عَنَوْا بِ " الْآيَةِ الْبَيِّنَةِ " ، مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7452 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي [7/28] نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " فِيهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ " ، قَالَ : قَدَّمَاهُ فِي الْمَقَامِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ . يَقُولُ : " وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا " قَالَ : هَذَا شَيْءٌ آخَرُ .
7453 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " فِيهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ " قَالَ : أَثَرُ قَدَمَيْهِ فِي الْمَقَامِ ، آيَةٌ بَيِّنَةٌ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : " الْآيَاتُ الْبَيِّنَاتُ ، مِنْهُنَّ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ " ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَمُجَاهِدٌ الَّذِي رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْهُمَا . فَيَكُونُ الْكَلَامُ مُرَادًا فِيهِ " مِنْهُنَّ " ، فَتَرَكَ ذِكْرَهُ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَهَذَا الْمَقَامُ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ ، فَمَا سَائِرُ الْآيَاتِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا قِيلَ : " آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ " ؟
قِيلَ : مِنْهُنَّ الْمَقَامُ ، وَمِنْهُنَّ الْحَجَرُ ، وَمِنْهُنَّ الْحَطِيمُ .
وَأَصَحُّ الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ : " فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ " ، عَلَى الْجِمَاعِ ، لِإِجْمَاعِ قَرَأَةِ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ دُونَ غَيْرِهَا .
وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ : " مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ " ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " سُورَةِ الْبَقَرَةِ " ، وَبَيَّنَّا أُولَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِيهِ هُنَالِكَ ، وَأَنَّهُ عِنْدَنَا الْمَقَامُ الْمَعْرُوفُ بِهِ . [7/29]
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ، لِلَّذِي بِبَكَّةَ ، فِيهِ عَلَامَاتٌ بَيِّنَاتٌ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ وَآثَارِ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ ، مِنْهُنَّ أَثَرُ قَدَمِ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَجَرِ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُهُ : الْخَبَرُ عَنْ أَنَّ كُلَّ مَنْ جَرَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ جَرِيرَةً ثُمَّ عَاذَ بِالْبَيْتِ ، لَمْ يَكُنْ بِهَا مَأْخُوذًا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7454 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : " وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا " وَهَذَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، كَانَ الرَّجُلُ لَوْ جَرَّ كُلَّ جَرِيرَةٍ عَلَى نَفْسِهِ ، ثُمَّ لَجَأَ إِلَى حَرَمِ اللَّهِ ، لَمْ يُتَنَاوَلْ وَلَمْ يُطْلَبْ . فَأَمَّا فِي الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ، مَنْ سَرَقَ فِيهِ قُطِعَ ، وَمَنْ زَنَى فِيهِ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَمَنْ قَتَلَ فِيهِ قُتِلَ وَعَنْ قَتَادَةَ : أَنِ الْحَسَنَ كَانَ يَقُولُ : إِنَّ الْحَرَمَ لَا يَمْنَعُ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ . لَوْ أَصَابَ حَدًّا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ ، فَلَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ ، لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ .
وَرَأَى قَتَادَةُ مَا قَالَهُ الْحَسَنُ .
7455 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا " قَالَ : كَانَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ . [7/30] فَأَمَّا الْيَوْمَ ، فَإِنْ سَرَقَ فِيهِ أَحَدٌ قُطِعَ ، وَإِنْ قَتَلَ فِيهِ قُتِلَ ، وَلَوْ قُدِرَ فِيهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قُتِلُوا .
7456 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خُصَيْفٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي الرَّجُلِ يَقْتُلُ ثُمَّ يَدْخُلُ الْحَرَمَ قَالَ : يُؤْخَذُ ، فَيُخْرَجُ مِنَ الْحَرَمِ ، ثُمَّ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ . يَقُولُ : الْقَتْلُ .
7457 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ حَمَّادٍ ، مِثْلَ قَوْلِ مُجَاهِدٍ .
7458 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَامٌ ، عَنِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ فِي الرَّجُلِ يُصِيبُ الْحَدَّ وَيَلْجَأُ إِلَى الْحَرَمِ يُخْرَجُ مِنَ الْحَرَمِ ، فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ : فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ، وَالَّذِي دَخَلَهُ مِنَ النَّاسِ كَانَ آمِنًا بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَنْ يَدْخُلُهُ يَكُنْ آمِنًا بِهَا بِمَعْنَى الْجَزَاءِ ، كَنَحْوِ قَوْلِ الْقَائِلِ . " مَنْ قَامَ لِي أَكْرَمْتُهُ " ، بِمَعْنَى : مَنْ يَقُمْ لِي أُكْرِمْهُ . وَقَالُوا : هَذَا أَمْرٌ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، كَانَ الْحَرَمُ مَفْزَعُ كُلِّ خَائِفٍ . وَمَلْجَأُ كُلِّ جَانٍ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُهَاجُ بِهِ ذُو جَرِيرَةٍ ، وَلَا يَعْرِضُ الرَّجُلُ فِيهِ لِقَاتِلِ أَبِيهِ وَابْنِهِ بِسُوءٍ . قَالُوا : وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْإِسْلَامِ ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ زَادَهُ تَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7459 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خُصَيْفٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِذَا أَصَابَ الرَّجُلُ الْحَدَّ : قَتَلَ أَوْ سَرَقَ ، فَدَخَلَ الْحَرَمَ ، لَمْ يُبَايِعْ وَلَمْ يُؤْوَ ، حَتَّى يَتَبَرَّمَ فَيُخْرَجُ مِنَ الْحَرَمِ ، فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ . قَالَ . فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : وَلَكِنِّي لَا أَرَى [7/31] ذَلِكَ! أَرَى أَنْ يُؤْخَذَ بِرُمَّتِهِ ، ثُمَّ يُخْرَجُ مِنَ الْحَرَمِ ، فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، فَإِنَّ الْحَرَمَ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا شِدَّةً .
7460 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : أَخْذَ ابْنُ الزُّبَيْرِ سَعْدًا مَوْلًى مُعَاوِيَةَ - وَكَانَ فِي قَلْعَةٍ بِالطَّائِفِ - فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ يُشَاوِرُهُ فِيهِمْ : إِنَّهُمْ لَنَا عَدُوٌّ . فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَوْ وَجَدْتُ قَاتِلَ أَبِي لَمْ أُعْرِضْ لَهُ . قَالَ : فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ : أَلَا نُخْرِجُهُمْ مِنَ الْحَرَمِ ؟ قَالَ : فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَفَلَا قَبْلَ أَنْ تُدْخِلَهُمُ الْحَرَمَ ؟ زَادَ أَبُو السَّائِبِ فِي حَدِيثِهِ : فَأَخْرَجَهُمْ فَصَلَبَهُمْ ، وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
7461 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ ، ثُمَّ لَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ لَمْ يُعْرَضْ لَهُ ، وَلَمْ يُبَايَعْ ، وَلَمْ يُكَلَّمْ ، وَلَمْ يُؤْوَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ . فَإِذَا خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ ، أُخِذَ فَأُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدُّ . قَالَ : وَمَنْ أَحْدَثَ فِي الْحَرَمِ حَدَثًا أُقِيمُ عَلَيْهِ . [7/32]
7462 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ نَصْرٍ السُّلَمِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي حَبِيبَةَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا ثُمَّ اسْتَجَارَ بِالْبَيْتِ فَهُوَ آمِنٌ ، وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعَاقِبُوهُ عَلَى شَيْءٍ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ . فَإِذَا خَرَجَ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ .
7463 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : لَوْ وَجَدْتُ قَاتِلَ عُمَرَ فِي الْحَرَمِ ، مَا هِجْتُهُ .
7464 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنْ عَطَاءٍ : أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عَتَبَةَ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ فِي الْحَرَمِ ، فَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ : لَا تُقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ فِي الْحَرَمِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَصَابَهُ فِيهِ .
7465 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُطَرِّفٌ ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ : إِذَا أَصَابَ الْحَدَّ ثُمَّ هَرَبَ إِلَى الْحَرَمِ ، فَقَدْ أَمِنَ ، فَإِذَا أَصَابَهُ فِي الْحَرَمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الْحَرَمِ .
7466 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ فَرَاسٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : مَنْ أَصَابَ حَدًّا فِي الْحَرَمِ أُقِيمُ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمِ . وَمَنْ أَصَابَهُ خَارِجًا مِنَ الْحَرَمِ ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَمَ ، لَمْ يُكَلَّمْ وَلَمْ يُبَايَعْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ ، فَيُقَامَ عَلَيْهِ .
7467 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي الرَّجُلِ يَقْتُلُ ثُمَّ يَدْخُلُ الْحَرَمَ قَالَ : لَا يَبِيعُهُ أَهْلُ مَكَّةَ وَلَا يَشْتَرُونَ مِنْهُ ، وَلَا يَسْقُونَهُ وَلَا يُطْعِمُونَهُ وَلَا يُؤْوُنَهُ ، عَدَّ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً حَتَّى [7/33] يَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ ، فَيُؤْخَذَ بِذَنْبِهِ .
7468 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَصَابَ حَدًّا ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَمَ ، أَنَّهُ لَا يُطْعَمُ ، وَلَا يُسْقَى ، وَلَا يُؤْوَى ، وَلَا يُكَلَّمُ ، وَلَا يُنْكَحُ ، وَلَا يُبَايَعُ . فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ .
7469 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِذَا أَحْدَثَ الرَّجُلُ حَدَثًا ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَمَ ، لَمْ يُؤْوَ ، وَلَمْ يُجَالَسْ ، وَلَمْ يُبَايَعْ ، وَلَمْ يَطْعَمْ ، وَلَمْ يُسْقَ ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ .
7470 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِثْلَهُ .
7471 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أَمَّا قَوْلُهُ : " وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا " ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا ثُمَّ أَتَى الْكَعْبَةَ فَعَاذَ بِهَا ، ثُمَّ لَقِيَهُ أَخُو الْمَقْتُولِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَبَدًا أَنْ يَقْتُلَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَنْ دَخَلَهُ يَكُنْ آمِنًا مِنَ النَّارِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
7472 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا رُزَيْقُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا " قَالَ : آمِنًا مِنَ النَّارِ . [7/34]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ ، قَوْلُ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسْنِ ، وَمِنْ قَالَ : " مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَنْ دَخَلَهُ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَجَأَ إِلَيْهِ عَائِذًا بِهِ ، كَانَ آمِنًا مَا كَانَ فِيهِ ، وَلَكِنَّهُ يُخْرَجُ مِنْهُ فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، إِنْ كَانَ أَصَابَ مَا يَسْتَوْجِبُهُ فِي غَيْرِهِ ثُمَّ لَجَأَ إِلَيْهِ . وَإِنْ كَانَ أَصَابَهُ فِيهِ أُقِيمَ عَلَيْهِ فِيهِ " .
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا : فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ، وَمَنْ يَدْخَلْهُ مِنَ النَّاسِ مُسْتَجِيرًا بِهِ ، يَكُنْ آمِنًا مِمَّا اسْتَجَارَ مِنْهُ مَا كَانَ فِيهِ ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا مَنَعَكَ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ فِيهِ ؟
قِيلَ : لِاتِّفَاقِ جَمِيعِ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَتْ جَرِيرَتُهُ فِي غَيْرِهِ ثُمَّ عَاذَ بِهِ ، [7/35] فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِجَرِيرَتِهِ فِيهِ . وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ إِخْرَاجِهِ مِنْهُ لِأَخْذِهِ بِهَا .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : صِفَةُ ذَلِكَ : مَنْعُهُ الْمَعَانِي الَّتِي يَضْطَرُّ مَعَ مَنْعِهِ وَفَقْدِهِ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : لَا صِفَةَ لِذَلِكَ غَيْرُ إِخْرَاجِهِ مِنْهُ بِمَا أَمْكَنَ إِخْرَاجُهُ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي تُوَصِّلُ إِلَى إِقَامَةِ حَدِّ اللَّهِ مَعَهَا .
فَلِذَلِكَ قُلْنَا : غَيْرُ جَائِزٍ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ فِيهِ إِلَّا بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مِنْهُ . فَأَمَّا مَنْ أَصَابَ الْحَدَّ فِيهِ ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْجَمِيعِ فِي أَنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ فِيهِ الْحَدُّ . فَكِلْتَا الْمَسْأَلَتَيْنِ أَصْلٌ مُجْمَعٌ عَلَى حُكْمِهِمَا عَلَى مَا وَصَفْنَا .
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَمَا دِلَالَتُكَ عَلَى أَنَّ إِخْرَاجَ الْعَائِذِ بِالْبَيْتِ إِذَا أَتَاهُ مُسْتَجِيرًا بِهِ مِنْ جَرِيرَةٍ جَرَّهَا . أَوْ مِنْ حَدٍّ أَصَابَهُ مِنَ الْحَرَمِ ، جَائِزٌ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، وَأَخْذِهِ بِالْجَرِيرَةِ ، وَقَدْ أَقْرَرْتَ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ جَعَلَ مَنْ دَخَلَهُ آمِنًا ، وَمَعْنَى " الْآمِنِ " غَيْرُ مَعْنَى " الْخَائِفِ " ؟ فَبِمَا هُمَا فِيهِ مُخْتَلِفَانِ ؟ .
قِيلَ : قُلْنَا ذَلِكَ ، لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ ، عَلَى أَنَّ إِخْرَاجَ الْعَائِذِ بِهِ مِنْ جَرِيرَةٍ أَصَابَهَا أَوْ فَاحِشَةٍ أَتَاهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِهَا عُقُوبَةٌ مِنْهُ بِبَعْضِ مَعَانِي الْإِخْرَاجِ لِأَخْذِهِ بِمَا لَزِمَهُ ، وَاجِبٌ عَلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْإِسْلَامِ مَعَهُ .
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي يُخْرَجُ بِهِ مِنْهُ .
فَقَالَ بَعْضُهُمُ : السَّبَبُ الَّذِي يَجُوزُ إِخْرَاجُهُ بِهِ مِنْهُ : تَرْكُ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مُبَايَعَتَهُ وَإِطْعَامَهُ وَسَقْيَهُ وَإِيوَاءَهُ وَكَلَامَهُ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي لَا قَرَارَ لِلْعَائِذِ بِهِ [7/36] فِيهِ مَعَ بَعْضِهَا ، فَكَيْفَ مَعَ جَمِيعِهَا ؟
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ إِخْرَاجُهُ لِإِقَامَةِ مَا لَزِمَهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ ، وَاجِبٌ بِكُلِّ مَعَانِي الْإِخْرَاجِ .
فَلَمَّا كَانَ إِجْمَاعًا مِنَ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ - فِيمَنْ عَاذَ بِالْبَيْتِ مِنْ حَدٍّ أَصَابَهُ أَوْ جَرِيرَةٍ جَرَّهَا - إِخْرَاجُهُ مِنْهُ ، لِإِقَامَةِ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِقَامَتَهُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي يَجُوزُ إِخْرَاجُهُ بِهِ مِنْهُ كَانَ اللَّازِمُ لَهُمْ وَلِإِمَامِهِمْ إِخْرَاجُهُ مِنْهُ بِأَيِّ مَعْنَى أَمْكَنَهُمْ إِخْرَاجُهُ مِنْهُ ، حَتَّى يُقِيمُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ الَّذِي لَزِمَهُ خَارِجًا مِنْهُ إِذَا كَانَ لَجَأَ إِلَيْهِ مِنْ خَارِجٍ ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ .
وَبَعْدُ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ حَدًّا مِنْ حُدُودِهِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ أَجْلِ بُقْعَةٍ وَمَوْضِعٍ صَارَ إِلَيْهَا مَنْ لَزِمَهُ ذَلِكَ ، . وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :
7473 - " إِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ " .
وَلَا خِلَافَ بَيْنِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ أَنَّ عَائِذًا لَوْ عَاذَ مِنْ عُقُوبَةٍ لَزِمَتْهُ بِحَرَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يُؤَاخَذُ بِالْعُقُوبَةِ فِيهِ . وَلَوْلَا مَا ذَكَرْتُ مِنْ إِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ حَرَمَ إِبْرَاهِيمَ لَا يُقَامُ فِيهِ عَلَى مَنْ عَاذَ بِهِ مِنْ عُقُوبَةٍ لَزِمَتْهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ مَا لَزِمَهُ ، لَكَانَ أَحَقُّ الْبِقَاعِ أَنْ تُؤَدَّى فِيهِ فَرَائِضُ اللَّهِ الَّتِي أَلْزَمَهَا عِبَادَهُ مِنْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ ، أَعْظَمَ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ ، كَحَرَمِ اللَّهِ وَحَرَمِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكُنَّا أُمِرْنَا بِإِخْرَاجِ مِنْ أَمَرَنَا بِإِخْرَاجِهِ مِنْ حَرَمِ اللَّهِ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ فِعْلِ الْأُمَّةِ ذَلِكَ وِرَاثَةً . [7/37]
فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا : وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا مَا كَانَ فِيهِ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَمَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ مِنْ عُقُوبَةٍ لَزِمَتْهُ عَائِذًا بِهِ ، فَهُوَ آمِنٌ مَا كَانَ بِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ إِلَى الْخَوْفِ بَعْدَ الْخُرُوجِ أَوِ الْإِخْرَاجِ مِنْهُ ، فَحِينَئِذٍ هُوَ غَيْرُ دَاخِلِهِ وَلَا هُوَ فِيهِ .