|
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 135 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً " ، أَنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي وَصَفَ صِفَتَهَا أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ، الْمُنْفِقِينَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً . وَجَمِيعُ هَذِهِ النُّعُوتِ مِنْ صِفَةِ " الْمُتَّقِينَ " ، الَّذِينَ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ " ، كَمَا : - 7844 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : " الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " ، ثُمَّ قَرَأَ : " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ " إِلَى " أَجْرِ الْعَامِلِينَ " ، فَقَالَ : إِنَّ هَذَيْنَ النَّعْتَيْنِ لَنَعْتُ رَجُلٍ وَاحِدٍ . 7845 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ " ، قَالَ : هَذَانَ ذَنَبَانِ ، " الْفَاحِشَةُ " ، ذَنْبٌ ، " وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ " ذَنْبٌ . [7/218] وَأَمَّا " الْفَاحِشَةُ " ، فَهِيَ صِفَةٌ لِمَتْرُوكٍ ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فِعْلَةً فَاحِشَةً . وَمَعْنَى " الْفَاحِشَةِ " ، الْفِعْلَةُ الْقَبِيحَةُ الْخَارِجَةُ عَمَّا أَذِنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ . وَأَصْلُ " الْفُحْشِ " : الْقُبْحُ ، وَالْخُرُوجُ عَنِ الْحَدِّ وَالْمِقْدَارِ فِي كُلِّ شَيْءٍ . وَمِنْهُ قِيلَ لِلطَّوِيلِ الْمُفْرِطِ الطُّولِ : " إِنَّهُ لِفَاحِشُ الطُّولِ " ، يُرَادُ بِهِ : قَبِيحُ الطُّولِ ، خَارِجٌ عَنِ الْمِقْدَارِ الْمُسْتَحْسَنِ . وَمِنْهُ قِيلَ لِلْكَلَامِ الْقَبِيحِ غَيْرَ الْقَصْدِ : " كَلَامٌ فَاحِشٌ " ، وَقِيلَ لِلْمُتَكَلِّمِ بِهِ : " أَفْحَشَ فِي كَلَامِهِ " ، إِذَا نَطَقَ بِفُحْشٍ . وَقِيلَ : إِنَّ " الْفَاحِشَةَ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، مَعْنِيٌّ بِهَا الزِّنَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7846 - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ قَالَ : حَدَّثَنَا حِبَّانُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ جَابِرٍ : " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً " ، قَالَ : زِنَى الْقَوْمِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ . 7847 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً " ، أَمَّا " الْفَاحِشَةُ " ، فَالزِّنَا . وَقَوْلُهُ : " أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ " ، يَعْنِي بِهِ : فَعَلُوا بِأَنْفُسِهِمْ غَيْرَ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِهَا . وَالَّذِي فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ ، رُكُوبُهُمْ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ مَا أَوْجَبُوا لَهَا بِهِ عُقُوبَتَهُ ، كَمَا : - 7848 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَوْلُهُ : " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ " ، قَالَ : الظُّلْمُ مِنَ الْفَاحِشَةِ ، وَالْفَاحِشَةُ مِنَ الظُّلْمِ . [7/219] وَقَوْلُهُ : " ذَكَرُوا اللَّهَ " ، يَعْنِي بِذَلِكَ : ذَكَرُوا وَعِيدَ اللَّهِ عَلَى مَا أَتَوْا مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ " فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ " ، يَقُولُ : فَسَأَلُوا رَبَّهُمْ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِمْ ذُنُوبَهُمْ بِصَفْحِهِ لَهُمْ عَنِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا " وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ " ، يَقُولُ : وَهَلْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ - أَيْ يَعْفُو عَنْ رَاكِبِهَا فَيَسْتُرُهَا عَلَيْهِ - إِلَّا اللَّهُ " وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا " ، يَقُولُ : وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَى ذُنُوبِهِمِ الَّتِي أَتَوْهَا ، وَمَعْصِيَتِهِمِ الَّتِي رَكِبُوهَا " وَهُمْ يَعْلَمُونَ " ، يَقُولُ : لَمْ يُقِيمُوا عَلَى ذُنُوبِهِمْ عَامِدِينَ لِلْمَقَامِ عَلَيْهَا ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ تَقَدَّمَ بِالنَّهْيِ عَنْهَا ، وَأَوْعَدَ عَلَيْهَا الْعُقُوبَةَ مَنْ رَكِبَهَا . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ خُصُوصًا بِتَخْفِيفِهَا وَيُسْرِهَا أُمَّتَنَا ، مِمَّا كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مُمْتَحِنَةً بِهِ مِنْ عَظِيمِ الْبَلَاءِ فِي ذُنُوبِهَا . 7849 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبَى رَبَاحٍ : أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، بَنُو إِسْرَائِيلَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنَّا! كَانُوا إِذَا أَذْنَبَ أَحَدُهُمْ أَصْبَحَتْ كَفَّارَةُ ذَنْبِهِ مَكْتُوبَةً فِي عَتَبَةِ بَابِهِ : " اجْدَعْ أُذُنَكَ " ، " اجْدَعْ أَنْفَكَ " ، " افْعَلْ " ! فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَزَلَتْ : " وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ " إِلَى قَوْلِهِ : " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ " ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ " ؟ فَقَرَأَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ . 7850 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي خَلِيفَةَ الْعَبْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ قَالَ : قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : كَانَتْ [7/220] بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا أَذْنَبُوا أَصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِهِ الذَّنْبُ وَكَفَّارَتُهُ ، فَأُعْطِينَا خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ ، هَذِهِ الْآيَةَ . 7851 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : " وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ " ، بَكَى إِبْلِيسُ فَزَعًا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ . 7852 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ إِبْلِيسَ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ " ، بَكَى . 7853 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : سَمِعْتُ عُثْمَانَ مَوْلَى آلِ أَبِي عَقِيلٍ الثَّقَفِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ رَبِيعَةَ يُحَدِّثُ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ فَزَارَةَ يُقَالُ لَهُ أَسْمَاءُ - : وَابْنُ أَسْمَاءَ - ، عَنْ عَلَيٍّ قَالَ : كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي [ مِنْهُ ] ، فَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ - وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا مِنْ عَبْدٍ - قَالَ شُعْبَةُ : وَأَحْسَبُهُ قَالَ : مُسْلِمٌ - يُذْنِبُ ذَنْبًا ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِذَلِكَ الذَّنْبِ [ إِلَّا غَفَرَ لَهُ ] وَقَالَ شُعْبَةُ : وَقَرَأَ إِحْدَى هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ : مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) . [7/221] 7854 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي وَحَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ وَسُفْيَانَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الْوَالِبِيِّ ، عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُ ، وَإِذَا حَدَّثَنِي عَنْهُ غَيْرَهُ اسْتَحْلَفْتُهُ ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ . وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ ، وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ ، أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَتَوَضَّأُ ، ثُمَّ يُصَلِّي قَالَ أَحَدُهُمَا : رَكْعَتَيْنِ ، وَقَالَ الْآخَرُ : " ثُمَّ يُصَلِّي وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، إِلَّا غَفَرَ لَهُ " . [7/222] 7855 - حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بِكَارٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ ، عَنْ أَخِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ : مَا حَدَّثَنِي أَحَدٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا سَأَلَتْهُ أَنْ يُقْسِمَ لِي بِاللَّهِ لَهُوَ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَّا أَبَا بَكْرٍ ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَكْذِبُ . قَالَ عَلَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَقُومُ عِنْدَ ذِكْرِ ذَنْبِهِ فَيَتَوَضَّأُ ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ ذَنْبِهِ ذَلِكَ ، إِلَّا غَفَرَهُ اللَّهُ لَهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ " ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ " ، فَإِنَّهُ كَمَا بَيَّنَّا تَأْوِيلَهُ . وَبِنَحْوِ ذَلِكَ كَانَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ يَقُولُونَ : 7856 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ : " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً " ، أَيْ إِنْ أَتَوْا فَاحِشَةً " أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ " بِمَعْصِيَةٍ ، [7/223] ذَكَرُوا نَهْيَ اللَّهِ عَنْهَا ، وَمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، فَاسْتَغْفَرُوا لَهَا ، وَعَرَفُوا أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا هُوَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ " ، فَإِنَّ اسْمَ " اللَّهِ " مَرْفُوعٌ وَلَا جَحْدَ قَبْلَهُ ، وَإِنَّمَا يُرْفَعُ مَا بَعْدَ " إِلَّا " بِإِتْبَاعِهِ مَا قَبْلُهُ إِذَا كَانَ نَكِرَةً وَمَعَهُ جَحْدٌ ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : " مَا فِي الدَّارِ أَحَدٌ إِلَّا أَخُوكَ " . فَأَمَّا إِذَا قِيلَ : " قَامَ الْقَوْمُ إِلَّا أَبَاكَ " ، فَإِنَّ وَجْهَ الْكَلَامِ فِي " الْأَبِ " النَّصْبُ . وَ " مَنْ " بِصِلَتِهِ فِي قَوْلِهِ : " وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ " ، مَعْرِفَةٌ . فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا جَاءَ رَفْعًا ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَهَلْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ أَحَدٌ أَوْ : مَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ . فَرَفْعُ مَا بَعْدَ " إِلَّا " مِنَ [ اسْمِ ] اللَّهِ ، عَلَى تَأْوِيلِ الْكَلَامِ لَا عَلَى لَفْظِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ " ; فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ " الْإِصْرَارِ " ، وَمَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَمْ يَثْبَتُوا عَلَى مَا أَتَوْا مِنَ الذُّنُوبِ وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ ، وَلَكِنَّهُمْ تَابُوا وَاسْتَغْفَرُوا ، كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7857 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ " ، فَإِيَّاكُمْ وَالْإِصْرَارَ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ الْمُصِرُّونَ ، الْمَاضُونَ قُدُمًا ، لَا تَنْهَاهُمْ مَخَافَةَ اللَّهِ عَنْ حَرَامٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَلَا يَتُوبُونَ مِنْ ذَنْبٍ أَصَابُوهُ ، حَتَّى أَتَاهُمُ الْمَوْتُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ . [7/224] 7858 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ " ؟ قَالَ : قُدُمًا قُدُمًا فِي مَعَاصِي اللَّهِ!! لَا تَنْهَاهُمْ مَخَافَةُ اللَّهِ ، حَتَّى جَاءَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ . 7859 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : " وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ " ، أَيْ : لَمْ يُقِيمُوا عَلَى مَعْصِيَتِي ، كَفِعْلِ مَنْ أَشْرَكَ بِي ، فِيمَا عَمِلُوا بِهِ مِنْ كُفْرٍ بِي . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَمْ يُوَاقِعُوا الذَّنْبَ إِذَا هَمُّوا بِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7860 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا " ، قَالَ : إِتْيَانُ الْعَبْدِ ذَنْبًا إِصْرَارٌ ، حَتَّى يَتُوبَ . 7861 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : " وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا " ، قَالَ : لَمْ يُوَاقِعُوا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى " الْإِصْرَارِ " ، السُّكُوتُ عَلَى الذَّنْبِ وَتَرْكُ الِاسْتِغْفَارَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7862 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ " ، أَمَّا " يُصِرُّوا " فَيَسْكُتُوا وَلَا يَسْتَغْفِرُوا . [7/225] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدَنَا ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : " الْإِصْرَارُ " ، الْإِقَامَةُ عَلَى الذَّنْبِ عَامِدًا ، وَتَرْكُ التَّوْبَةِ مِنْهُ . وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : " الْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ هُوَ مُوَاقَعَتُهُ " ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَدَحَ بِتَرْكِ الْإِصْرَارِ عَلَى الذَّنْبِ مُوَاقِعَ الذَّنْبِ ، فَقَالَ : " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ " ، وَلَوْ كَانَ الْمَوَاقِعُ الذَّنْبَ مُصِرًّا بِمُوَاقَعَتِهِ إِيَّاهُ ، لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِغْفَارِ وَجْهٌ مَفْهُومٌ . لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنَ الذَّنْبِ إِنَّمَا هُوَ التَّوْبَةُ مِنْهُ وَالنَّدَمُ ، وَلَا يُعْرَفُ لِلِاسْتِغْفَارِ مِنْ ذَنْبٍ لَمْ يُوَاقِعْهُ صَاحِبُهُ ، وَجْهٌ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ ، وَإِنَّ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً " . 7863 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْحُسَيْنُ بْنُ يَزِيدَ السَّبِيعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدُ الْحِمَّانِيُّ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ أَبِي نَصِيرَةَ ، عَنْ مَوْلًى لِأَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . [7/226] فَلَوْ كَانَ مُوَاقِعُ الذَّنَبِ مُصِرًّا ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ " مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ ، وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً " ، مَعْنًى لِأَنَّ مُوَاقَعَةَ الذَّنْبِ إِذَا كَانَتْ هِيَ الْإِصْرَارَ ، فَلَا يُزِيلُ الِاسْمَ الَّذِي لَزِمَهُ مَعْنًى غَيْرَهُ ، كَمَا لَا يُزِيلُ عَنِ الزَّانِي اسْمَ " زَانٍ " وَعَنِ الْقَاتِلِ اسْمَ " قَاتِلٍ " ، تَوْبَتُهُ مِنْهُ ، وَلَا مَعْنَى غَيْرِهَا . وَقَدْ أَبَانَ هَذَا الْخَبَرُ أَنَّ الْمُسْتَغْفِرَ مِنْ ذَنْبِهِ غَيْرُ مُصِرٍّ عَلَيْهِ ، فَمَعْلُومٌ بِذَلِكَ أَنَّ " الْإِصْرَارَ " غَيْرُ الْمُوَاقَعَةِ ، وَأَنَّهُ الْمَقَامُ عَلَيْهِ ، عَلَى مَا قُلْنَا قَبْلُ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ، فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " وَهُمْ يَعْلَمُونَ " . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ قَدْ أَذْنَبُوا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7864 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أَمَّا " وَهُمْ يَعْلَمُونَ " ، فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ قَدْ أَذْنَبُوا ، ثُمَّ أَقَامُوا فَلَمْ يَسْتَغْفِرُوا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي أَتَوْا مَعْصِيَةً لِلَّهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7865 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : " وَهُمْ يَعْلَمُونَ " ، قَالَ : يَعْلَمُونَ مَا حَرَّمْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِي . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُنَا أَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ . [7/227]
|