الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ( 182 ) ( 181 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَنَقُولُ " لِلْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ، الْقَاتِلِينَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ " ، يَعْنِي بِذَلِكَ : عَذَابَ نَارٍ مُحْرِقَةٍ مُلْتَهِبَةٍ .
[7/447]
وَ " النَّارُ " اسْمٌ جَامِعٌ لِلْمُلْتَهِبَةِ مِنْهَا وَغَيْرِ الْمُلْتَهِبَةِ ، وَإِنَّمَا " الْحَرِيقُ " صِفَةٌ لَهَا يُرَادُ أَنَّهَا مُحْرِقَةٌ ، كَمَا قِيلَ : " عَذَابٌ أَلِيمٌ " يَعْنِي : مُؤْلِمٌ ، وَ " وَجِيعٌ " يَعْنِي : مُوجِعٌ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ " ، أَيْ : قَوْلُنَا لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، " ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ " ، بِمَا أَسْلَفَتْ أَيْدِيكُمْ وَاكْتَسَبَتْهَا أَيَّامَ حَيَاتِكُمْ فِي الدُّنْيَا ، وَبِأَنَّ اللَّهَ عَدْلٌ لَا يَجُورُ فَيُعَاقِبُ عَبْدًا لَهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ مِنْهُ الْعُقُوبَةَ ، وَلَكِنَّهُ يُجَازِي كُلَّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ، وَيُوَفِّي كُلَّ عَامِلٍ جَزَاءَ مَا عَمِلَ ، فَجَازَى الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ [ ذَلِكَ ] يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ ، فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : " إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ " ، وَقَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ بِمَا جَازَاهُمْ بِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَرِيقِ ، بِمَا اكْتَسَبُوا مِنَ الْآثَامِ ، وَاجْتَرَحُوا مِنَ السَّيِّئَاتِ ، وَكَذَبُوا عَلَى اللَّهِ بَعْدَ الْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ بِالْإِنْذَارِ . فَلَمْ يَكُنْ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِمَا عَاقَبَهُمْ بِهِ مِنْ إِذَاقَتِهِمْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ظَالِمًا ، وَلَا وَاضِعًا عُقُوبَتَهُ فِي غَيْرِ أَهْلِهَا . وَكَذَلِكَ هُوَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، غَيْرُ ظَلَّامٍ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ ، وَلَكِنَّهُ الْعَادِلُ بَيْنَهُمْ ، وَالْمُتَفَضِّلُ عَلَى جَمِيعِهِمْ بِمَا أَحَبَّ مِنْ فَوَاضِلِهِ وَنِعَمِهِ .