الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ( 4 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَأَعْطُوا النِّسَاءَ مُهُورَهُنَّ عَطِيَّةً وَاجِبَةً ، وَفَرِيضَةً لَازِمَةً .
يُقَالُ مِنْهُ : " نَحَلَ فُلَانٌ فُلَانًا كَذَا فَهُوَ يَنْحَلُهُ نِحْلَةً وَنُحْلًا " ، كَمَا : -
8506 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا [7/553] سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً " ، يَقُولُ : فَرِيضَةً .
8507 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : " وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً " ، يَعْنِي بِ " النِّحْلَةِ " ، الْمَهْرَ .
8508 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَوْلُهُ : " وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً " ، قَالَ : فَرِيضَةٌ مُسَمَّاةٌ .
8509 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ زَيْدٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً " ، قَالَ : " النِّحْلَةُ " فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، الْوَاجِبُ يَقُولُ : لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا بِشَيْءٍ وَاجِبٍ لَهَا ، صَدَقَةً يُسَمِّيهَا لَهَا وَاجِبَةً ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً ، بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بِصَدَاقٍ وَاجِبٍ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَسْمِيَةُ الصَّدَاقِ كَذِبًا بِغَيْرِ حَقٍّ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِقَوْلِهِ : " وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً " ، أَوْلِيَاءَ النِّسَاءِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ صَدُقَاتِهِنَّ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
8510 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ سَيَّارٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ إِذَا زَوَّجَ أَيِّمَهُ أَخَذَ صَدَاقَهَا دُونَهَا ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ ، وَنَزَلَتْ : " وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً " .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَوْلِيَاءِ النِّسَاءِ ، بِأَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ أُخْتَهُ لِرَجُلٍ ، عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ الْآخَرُ أُخْتَهُ ، عَلَى أَنْ لَا كَثِيرَ مَهْرٍ بَيْنَهُمَا ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ . [7/554]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
8511 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : زَعَمَ حَضْرَمِيٌّ أَنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُعْطِي هَذَا الرَّجُلُ أُخْتَهُ ، وَيَأْخُذُ أُخْتَ الرَّجُلِ ، وَلَا يَأْخُذُونَ كَثِيرَ مَهْرٍ ، فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : " وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي ذَلِكَ ، التَّأْوِيلُ الَّذِي قُلْنَاهُ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ابْتَدَأَ ذِكْرَ هَذِهِ الْآيَةِ بِخِطَابِ النَّاكِحِينَ النِّسَاءَ ، وَنَهَاهُمْ عَنْ ظُلْمِهِنَّ وَالْجَوْرِ عَلَيْهِنَّ ، وَعَرَّفَهُمْ سَبِيلَ النَّجَاةِ مَنْ ظُلْمِهِنَّ . وَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ قَدْ صُرِفَ عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ : " فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ " ، هُمُ الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ : " وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ " وَأَنَّ مَعْنَاهُ : وَآتَوْا مَنْ نَكَحْتُمْ مِنَ النِّسَاءِ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلِ [ الْآيَةِ ] : " فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ " ، وَلَمْ يَقُلْ : " فَأَنْكِحُوا " ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ : " وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ " ، مَصْرُوفًا إِلَى أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ أَوْلِيَاءُ النِّسَاءِ دُونَ أَزْوَاجِهِنَّ .
وَهَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ أَزْوَاجَ النِّسَاءِ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ وَالْمُسَمَّى لَهُنَّ الصَّدَاقُ ، أَنْ يُؤْتُوهُنَّ صَدُقَاتِهِنَّ ، دُونَ الْمُطَلَّقَاتِ قَبْلَ الدُّخُولِ مِمَّنْ لَمْ يُسَمَّ لَهَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ صَدَاقٌ .
[7/555] الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ( 4 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَإِنْ وَهَبَ لَكُمْ ، أَيُّهَا الرِّجَالُ ، نِسَاؤُكُمْ شَيْئًا مِنْ صَدُقَاتِهِنَّ ، طَيِّبَةً بِذَلِكَ أَنْفُسُهُنَّ ، فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ، كَمَا : -
8512 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَارَةُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : " فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا " ، قَالَ : الْمَهْرُ .
8513 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنِي حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عُمَارَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، [ عَنْ عُمَارَةَ ] فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : " فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا " ، قَالَ : الصَّدُقَاتُ .
8514 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنِي الْحِمَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ سَعِيدٍ : " فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا " قَالَ : الْأَزْوَاجُ .
8515 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ عُبَيْدَةَ قَالَ : قَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ : أَكَلْتَ مِنَ الْهَنِيءِ الْمَرِيءِ! قُلْتُ : مَا ذَاكَ؟ قَالَ : امْرَأَتُكَ أَعْطَتْكَ مِنْ صَدَاقِهَا .
8516 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى عَلْقَمَةَ وَهُوَ يَأْكُلُ مِنْ طَعَامٍ بَيْنَ يَدَيْهِ ، مِنْ شَيْءٍ أَعْطَتْهُ امْرَأَتُهُ مِنْ صَدَاقِهَا أَوْ غَيْرِهِ ، فَقَالَ لَهُ عَلْقَمَةُ : ادْنُ فَكُلْ مِنَ الْهَنِيءِ الْمَرِيءِ! [7/556]
8517 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا " ، يَقُولُ : إِذَا كَانَ غَيْرَ إِضْرَارٍ وَلَا خَدِيعَةٍ ، فَهُوَ هَنِيءٌ مَرِيءٌ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ .
8518 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : " فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا " ، قَالَ : الصَّدَاقُ ، " فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا " .
8519 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ زَيْدٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا " بَعْدَ أَنْ تُوجِبُوهُ لَهُنَّ وَتُحِلُّوهُ ، " فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا " . .
8520 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : زَعَمَ حَضْرَمِيٌّ أَنَّ أُنَاسًا كَانُوا يَتَأَثَّمُونَ أَنْ يُرَاجِعَ أَحَدُهُمْ فِي شَيْءٍ مِمَّا سَاقَ إِلَى امْرَأَتِهِ ، فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : " فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا " .
8521 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا " ، يَقُولُ : مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسًا فِي غَيْرِ كُرْهٍ أَوْ هَوَانٍ ، فَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ أَنْ تَأْكُلَهُ هَنِيئًا مَرِيئًا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِهَذَا الْقَوْلِ أَوْلِيَاءَ النِّسَاءِ ، فَقِيلَ لَهُمْ : إِنْ طَابَتْ أَنْفُسُ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي إِلَيْكُمْ عِصْمَةُ نِكَاحِهِنَّ ، بِصَدُقَاتِهِنَّ نَفْسًا ، فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
8522 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سَيَّارٌ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ : " فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا " ، قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ [7/557] إِذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ ، عَمَدَ إِلَى صَدَاقِهَا فَأَخَذَهُ ، قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَوْلِيَاءِ : " فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، التَّأْوِيلُ الَّذِي قُلْنَا وَأَنَّ الْآيَةَ مُخَاطَبٌ بِهَا الْأَزْوَاجُ . لِأَنَّ افْتِتَاحَ الْآيَةِ مُبْتَدَأٌ بِذِكْرِهِمْ ، وَقَوْلُهُ : " فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا " فِي سِيَاقِهِ .
وَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَكَيْفَ قِيلَ : " فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا " ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : فَإِنْ طَابَتْ لَكُمْ أَنْفُسُهُنَّ بِشَيْءٍ؟ وَكَيْفَ وُحِّدَتْ " النَّفْسُ " ، وَالْمَعْنَى لِلْجَمِيعِ؟ وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَالَ : " وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً " .
قِيلَ : أَمَّا نَقْلُ فِعْلِ النُّفُوسِ إِلَى أَصْحَابِ النُّفُوسِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْمُسْتَفِيضُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ . مِنْ كَلَامِهَا الْمَعْرُوفِ : " ضِقْتُ بِهَذَا الْأَمْرِ ذِرَاعًا وَذَرْعًا " " وَقَرَرْتُ بِهَذَا الْأَمْرِ عَيْنًا " ، وَالْمَعْنَى! ضَاقَ بِهِ ذَرْعِي ، وَقَرَّتْ بِهِ عَيْنِي ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
إِذَا التَيَّازُ ذُو الَعَضَلَاتِ قُلْنَا :
إِلَيْكَ ، إِلَيْكَ " ! ضَاقَ بِهَا ذِرَاعَا
[7/558]
فَنَقَلَ صِفَةَ " الذِّرَاعِ " إِلَى " رَبِّ الذِّرَاعِ " ، ثُمَّ أَخْرَجَ " الذِّرَاعَ " مُفَسَّرَةً لِمَوْقِعِ الْفِعْلِ .
وَكَذَلِكَ وَحَّدَ " النَّفْسَ " فِي قَوْلِهِ : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا إِذْ كَانَتِ " النَّفْسُ " مُفَسِّرَةً لِمَوْقِعِ الْخَبَرِ .
وَأَمَّا تَوْحِيدُ " النَّفْسِ " مِنَ النُّفُوسِ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ " الْهَوَى " ، وَ " الْهَوَى " يَكُونُ جَمَاعَةً ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
بِهَا جِيَفُ الْحَسْرَى ، فَأَمَّا عِظَامُهَا
فَبِيضٌ ، وَأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ

وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ :
فِي حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وَقَدْ شَجِينَا
[7/559]
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ : جَائِزٌ فِي " النَّفْسِ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْجَمْعُ وَالتَّوْحِيدُ ، " فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا " وَ " أَنْفُسًا " ، وَ " ضِقْتُ بِهِ ذِرَاعًا " وَ " ذَرْعًا " وَ " أَذْرُعًا " ، لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَيْكَ وَإِلَى مَنْ تُخْبِرُ عَنْهُ ، فَاكْتَفَى بِالْوَاحِدِ عَنِ الْجَمْعِ لِذَلِكَ ، وَلَمْ يَذْهَبِ الْوَهْمُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْنَى جَمْعٍ ، لِأَنَّ قَبْلَهُ جَمْعًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا ، أَنَّ " النَّفْسَ " وَقَعَ مَوْقِعَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تَأْتِي بِلَفْظِ الْوَاحِدِ ، مُؤَدِّيَةً مَعْنَاهُ إِذَا ذُكِرَ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ ، وَأَنَّهُ بِمَعْنَى الْجَمْعِ عَنِ الْجَمِيعِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " هَنِيئًا " ، فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ : " هَنَّأْتَ الْبَعِيرَ بِالْقَطِرَانِ " ، إِذَا جَرِبَ فَعُولِجَ بِهِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
مُتَبَذِّلًا تَبْدُو مَحَاسِنُهُ
يَضَعُ الْهِنَاءَ مَوَاضِعَ النُّقْبِ
[7/560]
فَكَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : " فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا " ، فَكُلُوهُ دَوَاءً شَافِيًا .
يُقَالُ مِنْهُ : " هَنَّأَنِي الطَّعَامُ وَمَرَّأَنِي " ، أَيْ صَارَ لِي دَوَاءً وَعِلَاجًا شَافِيًا ، " وَهَنِئَنِي وَمَرِئَنِي " بِالْكَسْرِ ، وَهِيَ قَلِيلَةٌ . وَالَّذِينَ يَقُولُونَ هَذَا الْقَوْلَ ، يَقُولُونَ : " يَهْنَأُنِي وَيَمْرَأُنِي " ، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ : " هَنَأَنِي " يَقُولُونَ : " يَهْنِينِي وَيَمْرِينِي " . فَإِذَا أَفْرَدُوا قَالُوا : " قَدْ أَمْرَأَنِي هَذَا الطَّعَامُ إِمْرَاءً " . وَيُقَالُ : " هَنَّأَتُ الْقَوْمَ " إِذَا عُلْتُهُمْ ، سُمِعَ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ : " إِنَّمَا سَمَّيْتُ هَانِئًا لِتَهْنَأَ " ، بِمَعْنَى : لِتَعُولَ وَتَكْفِيَ .