الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 33 ) وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُهُ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ " ، أَيْ : وَأَنْتَ مُقِيمٌ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ . قَالَ : وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُقِيمٌ بِمَكَّةَ . قَالَ : ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ ، فَاسْتَغْفَرَ مَنْ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَأَنْزَلَ بَعْدَ خُرُوجِهِ عَلَيْهِ ، حِينَ اسْتَغْفَرَ أُولَئِكَ بِهَا : " وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " . قَالَ : ثُمَّ خَرَجَ أُولَئِكَ الْبَقِيَّةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَيْنِهِمْ ، فَعَذَّبَ الْكُفَّارَ .
* ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ .
15990 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنِ ابْنِ أَبْزَى قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ : [13/510] " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ " ، قَالَ : فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " . قَالَ : فَكَانَ أُولَئِكَ الْبَقِيَّةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ بَقُوا فِيهَا يَسْتَغْفِرُونَ يَعْنِي بِمَكَّةَ فَلَمَّا خَرَجُوا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ : " وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ " . قَالَ : فَأَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِي فَتْحِ مَكَّةَ ، فَهُوَ الْعَذَابُ الَّذِي وَعَدَهُمْ .
15991 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، فِي قَوْلِهِ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ " ، يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " ، يَعْنِي : مَنْ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ " وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ " ، يَعْنِي مَكَّةَ ، وَفِيهِمُ الْكُفَّارُ .
15992 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ " ، يَعْنِي : أَهْلَ مَكَّةَ " وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ " ، وَفِيهِمُ الْمُؤْمِنُونَ ، يَسْتَغْفِرُونَ ، يُغْفَرُ لِمَنْ فِيهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ .
15993 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الرَّازِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ الْحَفْرِيُّ ، عَنْ يَعْقُوبَ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنِ ابْنِ أَبْزَى : " وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " ، قَالَ : بَقِيَّةُ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ . فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ : " وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ " .
15994 - . . . . . . . قَالَ ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ " ، قَالَ : أَهْلُ مَكَّةَ . [13/511]
15995 - . . . . . . وَأَخْبَرَنَا أَبِي ، عَنْ سَلَمَةَ بْنَ نَبِيطٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " ، قَالَ : الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ " وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " ، قَالَ : الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ .
15996 - . . . . . . قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " قَالَ : الْمُؤْمِنُونَ يَسْتَغْفِرُونَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ .
15997 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ ، حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " ، يَقُولُ : الَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ يَسْتَغْفِرُونَ بِمَكَّةَ ، حَتَّى أَخْرَجَكَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ .
15998 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : ابْنُ عَبَّاسٍ : لَمْ يُعَذِّبْ قَرْيَةً حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ مِنْهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ، وَيُلْحِقَهُ بِحَيْثُ أُمِرَ " وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " ، يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ . ثُمَّ أَعَادَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : " وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ " .
15999 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ " ، قَالَ : يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ . * * *
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، يَا مُحَمَّدُ ، حَتَّى أَخْرَجَكَ مِنْ بَيْنِهِمْ " وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ " ، وَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ ، يَقُولُونَ : " يَا رَبِّ غُفْرَانَكَ ! " ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي الِاسْتِغْفَارِ بِالْقَوْلِ . قَالُوا : وَقَوْلُهُ : " وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ " ، فِي الْآخِرَةِ .
* ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ .
16000 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ ، عَنْ أَبِي زُمَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَطُوفُونَ [13/512] بِالْبَيْتِ يَقُولُونَ : " لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ ، لَا شَرِيكَ لَكَ " ، فَيَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قَدْ قَدْ ! " فَيَقُولُونَ : " إِلَّا شَرِيكٌ هُوَ لَكَ ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ " ، وَيَقُولُونَ : " غُفْرَانَكَ ، غُفْرَانَكَ ! " ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ فِيهِمْ أَمَانَانِ : نَبِيُّ اللَّهِ ، وَالِاسْتِغْفَارُ . قَالَ : فَذَهَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَقِيَ الِاسْتِغْفَارُ " وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ " ، قَالَ : فَهَذَا عَذَابُ الْآخِرَةِ . قَالَ : وَذَاكَ عَذَابُ الدُّنْيَا .
16001 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَا قَالَتْ قُرَيْشٌ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ : مُحَمَّدُ أَكْرَمَهُ اللَّهُ مِنْ بَيْنِنَا : " اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا " الْآيَةَ . فَلَمَّا أَمْسَوْا نَدِمُوا عَلَى مَا قَالُوا ، فَقَالُوا : " غُفْرَانَكَ اللَّهُمَّ ! " ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " إِلَى قَوْلِهِ : " لَا يَعْلَمُونَ " .
16002 - حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : كَانُوا يَقُولُونَ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ : وَاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُنَا وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُ ، وَلَا يُعَذِّبُ أُمَّةً وَنَبِيُّهَا مَعَهَا حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا ! وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ ، وَرَسُولٌ لِلَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ . فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَذْكُرُ لَهُ جَهَالَتَهُمْ وَغِرَّتَهُمْ وَاسْتِفْتَاحَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، إِذْ قَالُوا : " اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ " ، كَمَا أَمْطَرْتَهَا عَلَى قَوْمِ لُوطٍ . وَقَالَ حِينَ نَعَى [13/513] عَلَيْهِمْ سُوءَ أَعْمَالِهِمْ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " ، أَيْ : لِقَوْلِهِمْ : [ " إِنَّا نَسْتَغْفِرُ وَمُحَمَّدٌ بَيْنَ أَظْهُرِنَا " " وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ " ، وَإِنْ كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ] ، وَإِنْ كَانُوا يَسْتَغْفِرُونَ كَمَا يَقُولُونَ " وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " ، أَيْ : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَعَبَدَهُ ، أَيْ : أَنْتَ وَمَنْ تَبِعَكَ .
16003 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : إِنَّهُ كَانَ قَبْلُ أَمَانَانِ ، قَوْلُهُ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " قَالَ : أَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ مَضَى ، وَأَمَّا الِاسْتِغْفَارُ فَهُوَ دَائِرٌ فِيكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
16004 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ [13/514] بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَامِرٍ أَبِي الْخَطَّابِ الثَّوْرِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الْعَلَاءِ يَقُولُ : كَانَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَنَتَانِ : فَذَهَبَتْ إِحْدَاهُمَا وَبَقِيَتِ الْأُخْرَى : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ " ، الْآيَةَ . * * *
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ " ، يَا مُحَمَّدُ ، وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أَيْ : لَوِ اسْتَغْفَرُوا . قَالُوا : وَلَمْ يَكُونُوا يَسْتَغْفِرُونَ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِذْ لَمْ يَكُونُوا يَسْتَغْفِرُونَ : " وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " .
* ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ .
16005 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " ، قَالَ : إِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَكُونُوا يَسْتَغْفِرُونَ ، وَلَوْ كَانُوا يَسْتَغْفِرُونَ مَا عُذِّبُوا . وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ : هَمَّا أَمَانَانِ أَنْزَلَهُمَا اللَّهُ : فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَمَضَى ، نَبِيُّ اللَّهِ . وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَبْقَاهُ اللَّهُ رَحْمَةً بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ، الِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ .
16006 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : قَالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " ، يَقُولُ : مَا كُنْتُ أُعَذِّبُهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، وَلَوِ اسْتَغْفَرُوا وَأَقَرُّوا بِالذُّنُوبِ لَكَانُوا مُؤْمِنِينَ ، وَكَيْفَ لَا أُعَذِّبُهُمْ وَهُمْ لَا يَسْتَغْفِرُونَ ؟ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ؟
16007 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " ، قَالَ يَقُولُ : لَوِ اسْتَغْفَرُوا لَمْ أُعَذِّبْهُمْ . [13/515]
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يُسَلِّمُونَ . قَالُوا : وَ " اسْتِغْفَارُهُمْ " ، كَانَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، إِسْلَامَهُمْ .
* ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ .
16008 - حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، فِي قَوْلِهِ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " ، قَالَ : سَأَلُوا الْعَذَابَ ، فَقَالَ : لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، وَلَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَدْخُلُونَ فِي الْإِسْلَامِ .
16009 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : " وَأَنْتَ فِيهِمْ " ، قَالَ : بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَقَوْلُهُ : " وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " ، قَالَ : يُسَلِّمُونَ .
16010 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ " ، بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ " وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " ، قَالَ : وَهُمْ يُسَلِّمُونَ " وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ " ، قُرَيْشٌ ، " عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " .
16011 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ " ، قَالَ : بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ " وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " ، قَالَ : دُخُولُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ . * * *
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَفِيهِمْ مَنْ قَدْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ . [13/516]
* ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ .
16012 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلَهُ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ " ، يَقُولُ : مَا كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ يُعَذِّبُ قَوْمًا وَأَنْبِيَاؤُهُمْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ . ثُمَّ قَالَ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " ، يَقُولُ : وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ الدُّخُولُ فِي الْإِيمَانِ ، وَهُوَ الِاسْتِغْفَارُ . ثُمَّ قَالَ : " وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ " ، فَعَذَّبَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ . * * *
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ .
* ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ .
16013 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلَهُ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " ، يَعْنِي : يُصَلُّونَ ، يَعْنِي بِهَذَا أَهْلَ مَكَّةَ .
16014 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " ، قَالَ : يُصَلُّونَ .
16015 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ ، سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ ، سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ " ، يَعْنِي : أَهْلَ مَكَّةَ . يَقُولُ : لَمْ أَكُنْ لِأُعَذِّبَكُمْ وَفِيكُمْ مُحَمَّدٌ . ثُمَّ قَالَ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " ، يَعْنِي : يُؤْمِنُونَ وَيُصَلُّونَ .
16016 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " ، قَالَ : وَهُمْ يُصَلُّونَ . * * *
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ . [13/517]
قَالُوا : ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : " وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " .
* ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ .
16017 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَا قَالَ فِي " الْأَنْفَالِ " : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " ، فَنَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي تَلِيهَا : " وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ " ، إِلَى قَوْلِهِ : " فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ " ، فَقُوتِلُوا بِمَكَّةَ ، وَأَصَابَهُمْ فِيهَا الْجُوعُ وَالْحَصْرُ . * * *
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : تَأْوِيلُهُ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ " ، يَا مُحَمَّدُ ، وَبَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مُقِيمٌ ، حَتَّى أَخْرَجَكَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ ، لِأَنِّي لَا أُهْلِكُ قَرْيَةً وَفِيهَا نَبِيُّهَا وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " ، مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَكُفْرِهِمْ ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَغْفِرُونَ مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ هُمْ مُصِرُّونَ عَلَيْهِ ، فَهُمْ لِلْعَذَابِ مُسْتَحِقُّونَ كَمَا يُقَالُ : " مَا كُنْتُ لِأُحْسِنَ إِلَيْكَ وَأَنْتَ تُسِيءُ إِلَيَّ " ، يُرَادُ بِذَلِكَ : لَا أُحْسِنُ إِلَيْكَ ، إِذَا أَسَأْتَ إِلَيَّ ، وَلَوْ أَسَأْتَ إِلَيَّ لَمْ أُحْسِنْ إِلَيْكَ ، وَلَكِنْ أُحْسِنُ إِلَيْكَ لِأَنَّكَ لَا تُسِيءُ إِلَيَّ . وَكَذَلِكَ ذَلِكَ ثُمَّ قِيلَ : " وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " ، بِمَعْنَى : وَمَا شَأْنُهُمْ ، وَمَا يَمْنَعُهُمْ أَنْ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ لَا يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ مِنْ كُفْرِهِمْ فَيُؤْمِنُوا بِهِ ، وَهُمْ يَصُدُّونَ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ؟
وَإِنَّمَا قُلْنَا : " هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ " ، لِأَنَّ الْقَوْمَ أَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ كَانُوا اسْتَعْجَلُوا الْعَذَابَ ، فَقَالُوا : " اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ هُوَ الْحَقَّ ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ " فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ : " مَا كُنْتُ لِأُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، وَمَا كُنْتُ لِأُعَذِّبَهُمْ لَوِ اسْتَغْفَرُوا ، [13/518] وَكَيْفَ لَا أُعَذِّبُهُمْ بَعْدَ إِخْرَاجِكَ مِنْهُمْ ، وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ؟ " . فَأَعْلَمَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الَّذِي اسْتَعْجَلُوا الْعَذَابَ حَائِقٌ بِهِمْ وَنَازِلٌ ، وَأَعْلَمَهُمْ حَالَ نُزُولِهِ بِهِمْ ، وَذَلِكَ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ إِيَّاهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ . وَلَا وَجْهَ لِإِيعَادِهِمُ الْعَذَابَ فِي الْآخِرَةِ ، وَهُمْ مُسْتَعْجِلُوهُ فِي الْعَاجِلِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَى الْعَذَابِ صَائِرُونَ . بَلْ فِي تَعْجِيلِ اللَّهِ لَهُمْ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ ، الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ مَا قُلْنَا . وَكَذَلِكَ لَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ وَجَّهَ قَوْلَهُ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " ، إِلَى أَنَّهُ عَنَى بِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَهُوَ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ ، وَعَمَّا اللَّهُ فَاعِلٌ بِهِمْ . وَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ عَنْهُمْ قَدْ تَقَضَّى ، وَعَلَى ذَلِكَ [ كُنِيَ ] بِهِ عَنْهُمْ ، وَأَنْ لَا خِلَافَ فِي تَأْوِيلِهِ مِنْ أَهْلِهِ مَوْجُودٌ .
وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : ذَلِكَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ : " وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " ، الْآيَةَ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " خَبَرٌ ، وَالْخَبَرُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَسْخٌ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ النَّسْخُ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ . * * * [13/519]
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ دُخُولِ " أَنْ " فِي قَوْلِهِ : " وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ " .
فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : هِيَ زَائِدَةٌ هَهُنَا ، وَقَدْ عَمِلَتْ كَمَا عَمِلَتْ " لَا " وَهِيَ زَائِدَةٌ ، وَجَاءَ فِي الشِّعْرِ :
لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفَانُ لَا ذُنُوبَ لَهَا
إِلَيَّ ، لَامَ ذَوُو أَحْسَابِهَا عُمَرَا

وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَقَالَ : لَمْ تَدْخُلْ " أَنْ " إِلَّا لِمَعْنًى صَحِيحٍ ، لِأَنَّ مَعْنَى : " وَمَا لَهُمْ " ، مَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ أَنْ يُعَذِّبُوا . قَالَ : فَدَخَلَتْ " أَنْ " لِهَذَا الْمَعْنَى ، وَأَخْرَجَ بِ " لَا " ، لِيُعْلَمَ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْجَحْدِ ، لِأَنَّ الْمَنْعَ جَحْدٌ . قَالَ : وَ " لَا " فِي الْبَيْتِ صَحِيحٌ مَعْنَاهَا ، لِأَنَّ الْجَحْدَ إِذَا وَقَعَ عَلَيْهِ جَحْدٌ صَارَ خَبَرًا .
وَقَالَ : أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِكَ : " مَا زَيْدٌ لَيْسَ قَائِمًا " ، فَقَدْ أَوْجَبْتَ الْقِيَامَ ؟ قَالَ : وَكَذَلِكَ " لَا " فِي هَذَا الْبَيْتِ . * * *