الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ( 58 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ( وَإِمَّا تَخَافَنَّ ) ، يَا مُحَمَّدُ ، مِنْ عَدُوٍّ لَكَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَهْدٌ وَعَقْدٌ ، أَنْ يَنْكُثَ عَهْدَهُ ، وَيَنْقُضَ عَقْدَهُ ، وَيَغْدِرَ بِكَ وَذَلِكَ هُوَ " الْخِيَانَةُ " وَالْغَدْرُ فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ ، يَقُولُ : فَنَاجِزْهُمْ بِالْحَرْبِ ، وَأَعْلِمْهُمْ قَبْلَ حَرْبِكَ إِيَّاهُمْ أَنَّكَ قَدْ فَسَخْتَ الْعَهْدَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ ، بِمَا كَانَ مِنْهُمْ مَنْ ظُهُورِ أَمَارِ الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ مِنْهُمْ ، حَتَّى تَصِيرَ أَنْتَ وَهُمْ عَلَى سَوَاءٍ فِي الْعِلْمِ بِأَنَّكَ لَهُمْ مُحَارِبٌ ، فَيَأْخُذُوا لِلْحَرْبِ آلَتَهَا ، وَتَبْرَأَ مِنَ الْغَدْرِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ، الْغَادِرِينَ بِمَنْ كَانَ مِنْهُ فِي أَمَانٍ وَعَهْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَنْ يَغْدِرَ بِهِ فَيُحَارِبَهُ ، قَبْلَ إِعْلَامِهِ إِيَّاهُ أَنَّهُ لَهُ حَرْبٌ ، وَأَنَّهُ قَدْ فَاسَخَهُ الْعَقْدَ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ يَجُوزُ نَقْضُ الْعَهْدِ بِخَوْفِ الْخِيَانَةِ ، وَ " الْخَوْفُ " ظَنٌّ لَا يَقِينٌ؟
قِيلَ : إِنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِ مَا إِلَيْهِ ذَهَبْتَ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : إِذَا ظَهَرَتْ أَمَارُ الْخِيَانَةِ مَنْ عَدُّوكِ ، وَخِفْتَ وُقُوعَهُمْ بِكَ ، فَأَلْقِ إِلَيْهِمْ مَقَالِيدَ السَّلْمِ وَآذِنْهُمْ بِالْحَرْبِ . وَذَلِكَ كَالَّذِي كَانَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ إِذْ أَجَابُوا أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ [14/26] الْمُشْرِكِينَ إِلَى مُظَاهَرَتِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُحَارَبَتِهِمْ مَعَهُمْ ، بَعْدَ الْعَهْدِ الَّذِي كَانُوا عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُسَالَمَةِ ، وَلَنْ يُقَاتِلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَانَتْ إِجَابَتُهُمْ إِيَّاهُ إِلَى ذَلِكَ ، مُوجِبًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَوْفَ الْغَدْرِ بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ مِنْهُمْ ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ قَوْمٍ أَهْلِ مُوَادَعَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ، ظَهَرَ لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ مِنْ دَلَائِلِ الْغَدْرِ مِثْلُ الَّذِي ظَهَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ مِنْ قُرَيْظَةَ مِنْهَا ، فَحَقٌّ عَلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ ، وَيُؤْذِنُوهُمْ بِالْحَرْبِ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : ( عَلَى سَوَاءٍ ) ، أَيْ : حَتَّى يَسْتَوِيَ عِلْمُكَ وَعِلْمُهُمْ بِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنْكُمْ حَرْبٌ لِصَاحِبِهِ لَا سِلْمٌ .
وَقِيلَ : نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي قُرَيْظَةَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
16221 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ ، قَالَ : قُرَيْظَةَ .
وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ : " السَّوَاءُ " ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، الْمَهَلُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
16222 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : إِنَّهُ مِمَّا تَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ قَوْلَهُ : فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ ، أَنَّهُ : عَلَى مَهَلٍ كَمَا حَدَّثَنَا بُكَيْرٌ ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ فِي قَوْلِ اللَّهِ : بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، [14/27] [ التَّوْبَةِ : 1 - 2 ]
وَأَمَّا أَهْلُ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ ، فَإِنَّهُمْ فِي مَعْنَاهُ مُخْتَلِفُونَ .
فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ : مَعْنَاهُ : فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى عَدْلٍ يَعْنِي : حَتَّى يَعْتَدِلَ عِلْمُكَ وَعِلْمُهُمْ بِمَا عَلَيْهِ بَعْضُكُمَا لِبَعْضٍ مِنَ الْمُحَارَبَةِ ، وَاسْتَشْهَدُوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِ الرَّاجِزِ :
وَاضْرِبْ وُجُوهَ الْغُدُرِ الْأَعْدَاءِ
حَتَّى يُجِيبُوكَ إِلَى السَّوَاءِ
يَعْنِي : إِلَى الْعَدْلِ .
وَكَانَ آخَرُونَ يَقُولُونَ : مَعْنَاهُ : الْوَسَطُ ، مِنْ قَوْلِ حَسَّانَ :
يَا وَيْحَ أَنْصَارِ الرَّسُولِ وَرَهْطِهِ
بَعْدَ الْمُغَيَّبِ فِي سَوَاءِ الْمُلْحَدِ
بِمَعْنَى : فِي وَسَطِ اللَّحْدِ .
وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْمَعَانِي مُتَقَارِبَةٌ ، لِأَنَّ " الْعَدْلَ " ، وَسَطٌ لَا يَعْلُو فَوْقَ الْحَقِّ وَلَا يَقْصُرُ عَنْهُ ، وَكَذَلِكَ " الْوَسَطُ " عَدْلٌ ، وَاسْتِوَاءُ عِلْمِ الْفَرِيقَيْنِ فِيمَا عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ بَعْدِ الْمُهَادَنَةِ ، عَدْلٌ مِنَ الْفِعْلِ وَوَسَطٌ . وَأَمَّا الَّذِي قَالَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ : " الْمَهَلُ " ، فَمِمَّا لَا أَعْلَمُ لَهُ وَجْهًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ . [14/28]