الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 41 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَقَالَ نُوحٌ : ارْكَبُوا فِي الْفُلْكِ ، " بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا " .
وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ قَدِ اسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْخَبَرِ عَلَيْهِ عَنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ فَحَمَلَهُمْ نُوحٌ فِيهَا " وَقَالَ " لَهُمْ ، " ارْكَبُوا فِيهَا " . فَاسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ : وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا ، عَنْ حَمْلِهِ إِيَّاهُمْ فِيهَا ، فَتُرِكَ ذِكْرُهُ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضِ الْكُوفِيِّينَ : ( بِسْمِ اللَّهِ مُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ) ، بِضَمِّ الْمِيمِ فِي الْحَرْفَيْنِ كِلَيْهِمَا . وَإِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ كَانَ مِنْ " أَجْرَى " وَ " أَرْسَى " ، وَكَانَ فِيهِ وَجْهَانِ مِنَ الْإِعْرَابِ : [15/328]
أَحَدُهُمَا : الرَّفْعُ بِمَعْنَى : بِسْمِ اللَّهِ إِجْرَاؤُهَا وَإِرْسَاؤُهَا فَيَكُونُ " الْمَجْرَى " وَ " الْمَرْسَى " مَرْفُوعَيْنِ حِينَئِذٍ بِالْبَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : بِسْمِ اللَّهِ .
وَالْآخَرُ : النَّصْبُ ، بِمَعْنَى : بِسْمِ اللَّهِ عِنْدَ إِجْرَائِهَا وَإِرْسَائِهَا ، أَوْ وَقْتَ إِجْرَائِهَا وَإِرْسَائِهَا فَيَكُونُ قَوْلُهُ : ( بِسْمِ اللَّهِ ) ، كَلَامًا مُكْتَفِيًا بِنَفْسِهِ ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ عِنْدَ ابْتِدَائِهِ فِي عَمَلٍ يَعْمَلُهُ : " بِسْمِ اللَّهِ " ، ثُمَّ يَكُونُ " الْمَجْرَى " وَ " الْمَرْسَى " مَنْصُوبَيْنِ عَلَى مَا نَصَبَتِ الْعَرَبُ قَوْلَهُمْ : " الْحَمْدُ لِلَّهِ سِرَارَكَ وَ إِهْلَالَكَ " ، يَعْنُونَ الْهِلَالَ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ ، كَأَنَّهُمْ قَالُوا : " الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلَ الْهِلَالِ وَآخِرَهُ " ، وَمَسْمُوعٌ مِنْهُمْ أَيْضًا : " الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا إِهْلَالَكَ إِلَى سِرَارِكَ " .
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفِيِّينَ : بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ، بِفَتْحِ الْمِيمِ مِنْ " مَجْرَاهَا " ، وَضَمِّهَا مِنْ " مُرْسَاهَا " ، فَجَعَلُوا " مَجْرَاهَا " مَصْدَرًا مِنْ " جَرَى يَجْرِي مَجْرَى " ، وَ " مُرْسَاهَا " مَنْ " أَرْسَى يُرْسِي إِرْسَاءً " .
وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، كَانَ فِي إِعْرَابِهِمَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ ، نَحْوَ الَّذِي فِيهِمَا إِذَا قُرِئَا : مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ، بِضَمِّ الْمِيمِ فِيهِمَا ، عَلَى مَا بَيَّنْتُ .
وَرَوِيَ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ : بِسْمِ اللَّهِ مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا ، بِضَمِّ الْمِيمِ فِيهِمَا ، وَيُصَيِّرُهُمَا نَعْتًا لِلَّهِ . وَإِذَا قُرِئَا كَذَلِكَ ، كَانَ فِيهِمَا أَيْضًا وَجْهَانِ مِنَ الْإِعْرَابِ ، غَيْرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا الْخَفْضُ ، وَهُوَ الْأَغْلَبُ عَلَيْهِمَا مِنْ وَجْهَيِ الْإِعْرَابِ ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ : بِسْمِ اللَّهِ مُجْرِي الْفُلْكِ وَمُرْسِيهَا ف " الْمُجْرِي " نَعْتٌ لِاسْمِ اللَّهِ . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي ، لِأَنَّهُ يَحْسُنُ دُخُولُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي " الْمُجْرِي " وَ " الْمُرْسِي " ، كَقَوْلِكَ : " بِسْمِ اللَّهِ [15/329] الْمُجْرِيهَا وَالْمُرْسِيهَا " ، وَإِذَا حُذِفَتَا نُصِبَتَا عَلَى الْحَالِ ، إِذْ كَانَ فِيهِمَا مَعْنَى النَّكِرَةِ ، وَإِنْ كَانَا مُضَافَيْنِ إِلَى الْمَعْرِفَةِ .
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ : مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ، بِفَتْحِ الْمِيمِ فِيهِمَا جَمِيعًا ، مِنْ " جَرَى " وَ " رَسَا " ، كَأَنَّهُ وَجَّهَهُ إِلَى أَنَّهُ فِي حَالِ جَرْيِهَا وَحَالِ رُسُوِّهَا ، وَجَعَلَ كِلْتَا الصِّفَتَيْنِ لِلْفُلْكِ ، كَمَا قَالَ عَنْتَرَةُ :
فَصَبَرْتُ نَفْسًا عِنْدَ ذَلِكَ حُرَّةً
تَرْسُو إِذَا نَفَسُ الْجَبَانِ تَطَلَّعُ

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي نَخْتَارُهَا فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَمُرْسَاهَا ، بِضَمِّ الْمِيمِ ، بِمَعْنَى : بِسْمِ اللَّهِ حِينَ تَجْرِي وَحِينَ تُرْسِي .
وَإِنَّمَا اخْتَرْتُ الْفَتْحَ فِي مِيمِ " مَجْرَاهَا " لِقُرْبِ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ : وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ ، وَلَمْ يَقُلْ : " تُجْرَى بِهِمْ " . وَمَنْ قَرَأَ : بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا ، كَانَ الصَّوَابُ عَلَى قِرَاءَتِهِ أَنْ يَقْرَأَ : " وَهِيَ تُجْرَى بِهِمْ " . وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى قِرَاءَةِ ( تَجْرِي ) ، بِفَتْحِ التَّاءِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الْوَجْهَ فِي ( مَجْرَاهَا ) فَتْحُ الْمِيمِ . وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الضَّمَّ فِي ( مُرْسَاهَا ) ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقَرَأَةِ عَلَى ضَمِّهَا .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ ( مَجْرَاهَا ) ، مَسِيرُهَا ( وَمُرْسَاهَا ) ، وَقْفُهَا ، مِنْ : وَقَفَهَا اللَّهُ وَأَرْسَاهَا . [15/330]
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقْرَأُ ذَلِكَ بِضَمِّ الْمِيمِ فِي الْحَرْفَيْنِ جَمِيعًا .
18182 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّي قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ
18183 - . . . . قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ، قَالَ : حِينَ يَرْكَبُونَ وَيَجْرُونَ وَيُرْسُونَ .
18184 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : بِسْمِ اللَّهِ حِينَ يَرْكَبُونَ وَيَجْرُونَ وَيُرْسُونَ .
18185 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ، قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ حِينَ يَجْرُونَ وَحِينَ يُرْسُونَ .
18186 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، فِي قَوْلِهِ : ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا قَالَ : إِذَا أَرَادَ أَنْ تُرْسِيَ قَالَ : " بِسْمِ اللَّهِ " فَأَرْسَتْ ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ تَجْرِيَ قَالَ " بِسْمِ اللَّهِ " فَجَرَتْ .
وَقَوْلُهُ : إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ، يَقُولُ : إِنَّ رَبِّي لَسَاتِرُ ذُنُوبِ مَنْ تَابَ وَأَنَابَ إِلَيْهِ ، رَحِيمٌ بِهِمْ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بَعْدَ التَّوْبَةِ .