|
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ( 43 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : قَالَ ابْنُ نُوحٍ لَمَّا دَعَاهُ نُوحٌ إِلَى أَنْ يَرْكَبَ مَعَهُ السَّفِينَةَ خَوْفًا عَلَيْهِ مِنَ الْغَرَقِ : سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ يَقُولُ : سَأَصِيرُ إِلَى جَبَلٍ أَتَحَصَّنُ بِهِ مِنَ الْمَاءِ ، فَيَمْنَعُنِي مِنْهُ أَنْ يُغْرِقَنِي . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( يَعْصِمُنِي ) يَمْنَعُنِي ، مِثْلَ " عِصَامِ الْقِرْبَةِ " ، الَّذِي يُشَدُّ بِهِ رَأْسُهَا ، فَيَمْنَعُ الْمَاءَ أَنْ يَسِيلَ مِنْهَا . [15/332] وَقَوْلُهُ : لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ ، يَقُولُ : لَا مَانِعَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ الَّذِي قَدْ نَزَلَ بِالْخَلْقِ مِنَ الْغَرَقِ وَالْهَلَاكِ ، إِلَّا مَنْ رَحِمَنَا فَأَنْقَذَنَا مِنْهُ ، فَإِنَّهُ الَّذِي يَمْنَعُ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ وَيَعْصِمُ . ف " مَنْ " فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : لَا عَاصِمَ يَعْصِمُ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا اللَّهُ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَوْضِعِ " مَنْ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ : هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ، لِأَنَّ الْمَعْصُومَ بِخِلَافِ الْعَاصِمِ ، وَالْمَرْحُومُ مَعْصُومٌ . قَالَ : كَأَنَّ نَصْبَهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ : مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 157 ] ، قَالَ : وَمَنِ اسْتَجَازَ : اتِّبَاعَ الظَّنِّ ، وَالرَّفْعُ فِي قَوْلِهِ :
| وَبَلْدَةٌ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ | | إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ |
لَمْ يَجُزْ لَهُ الرَّفْعُ فِي " مَنْ " ، لِأَنَّ الَّذِي قَالَ : " إِلَّا الْيَعَافِيرُ " ، جَعَلَ أَنِيسَ الْبِرِّ ، الْيَعَافِيرَ وَمَا أَشْبَهَهَا . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ، يَقُولُ عِلْمُهُمْ ظَنٌّ . قَالَ : وَأَنْتَ لَا يَجُوزُ لَكَ فِي وَجْهٍ أَنْ تَقُولَ : " الْمَعْصُومُ " هُوَ " عَاصِمٌ " فِي حَالٍ ، وَلَكِنْ لَوْ جَعَلْتَ " الْعَاصِمَ " فِي تَأْوِيلِ " مَعْصُومٍ " ، [ كَأَنَّكَ قُلْتَ ] : " لَا مَعْصُومَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ " ، لَجَازَ رَفْعُ " مَنْ " . قَالَ : وَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَخْرُجَ " الْمَفْعُولُ " عَلَى " فَاعِلٍ " ، أَلَّا تَرَى قَوْلَهُ : مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ، [ سُورَةُ الطَّارِقِ : 6 ] ، مَعْنَاهُ ، وَاللَّهُ [15/333] أَعْلَمُ : مَدْفُوقٌ وَقَوْلُهُ : فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ، [ سُورَةُ الْحَاقَّةِ : 21 ] ، مَعْنَاهَا : مَرْضِيَّةٌ؟ قَالَ الشَّاعِرُ :
| دَعِ الْمَكَارِمَ لَا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا | | وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي |
وَمَعْنَاهُ : الْمَكْسُوُّ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ ، عَلَى : " لَكِنَّ مَنْ رَحِمَ " ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى : لَا ذَا عِصْمَةٍ : أَيْ : مَعْصُومٌ ، وَيَكُونُ إِلا مَنْ رَحِمَ ، رَفْعًا بَدَلًا مِنْ " الْعَاصِمِ " . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَا وَجْهَ لِهَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا عَنْ هَؤُلَاءِ ، لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّمَا يُوَجَّهُ إِلَى الْأَفْصَحِ الْأَشْهَرِ مِنْ كَلَامِ مَنْ نَزَلَ بِلِسَانِهِ ، مَا وُجِدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ . وَلَمْ يَضْطَرَّنَا شَيْءٌ إِلَى أَنْ نَجْعَلَ " عَاصِمًا " فِي مَعْنَى " مَعْصُومٍ " ، وَلَا أَنْ نَجْعَلَ " إِلَّا " بِمَعْنَى " لَكِنْ " ، إِذْ كُنَّا نَجِدُ لِذَلِكَ فِي مَعْنَاهَا الَّذِي هُوَ مَعْنَاهُ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ مَخْرَجًا صَحِيحًا ، وَهُوَ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : قَالَ نُوحٌ : لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ، إِلَّا مَنْ رَحِمَنَا فَأَنْجَانَا مِنْ عَذَابِهِ ، كَمَا يُقَالُ : " لَا مُنْجِيَ الْيَوْمَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِلَّا اللَّهُ " " وَلَا مُطْعِمَ الْيَوْمَ مِنْ طَعَامِ زَيْدٍ إِلَّا زِيدٌ " . [15/334] فَهَذَا هُوَ الْكَلَامُ الْمَعْرُوفُ وَالْمَعْنَى الْمَفْهُومُ . وَقَوْلُهُ : وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ، يَقُولُ : وَحَالَ بَيْنَ نُوحٍ وَابْنِهِ مَوْجُ الْمَاءِ فَغَرِقَ ، فَكَانَ مِمَّنْ أَهْلَكَهُ بِالْغَرَقِ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
|
|
|