|
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ( 66 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَلَمَّا جَاءَ ثَمُودَ عَذَابُنَا " نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا " ، يَقُولُ : بِنِعْمَةٍ وَفَضْلٍ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ، يَقُولُ : وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ هَوَانِ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَذُلِّهِ بِذَلِكَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ ، فِي بَطْشِهِ إِذَا بَطَشَ بِشَيْءٍ أَهْلَكَهُ ، كَمَا أَهْلَكَ ثَمُودَ حِينَ بَطَشَ بِهَا " الْعَزِيزُ " ، فَلَا يَغْلِبُهُ غَالِبٌ ، وَلَا يَقْهَرُهُ قَاهِرٌ ، بَلْ يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ وَيَقْهَرُهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18289 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ [15/374] مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ، قَالَ : نَجَّاهُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ ، وَنَجَّاهُ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ . 18290 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ قَالَ : قُلْنَا لَهُ : حَدِّثْنَا حَدِيثَ ثَمُودَ . قَالَ : أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمُودَ : كَانَتْ ثَمُودُ قَوْمَ صَالِحٍ ، أَعْمَرَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا فَأَطَالَ أَعْمَارَهُمْ ، حَتَّى جَعَلَ أَحَدَهُمْ يَبْنِي الْمَسْكَنَ مِنَ الْمَدَرِ ، فَيَنْهَدِمُ ، وَالرَّجُلُ مِنْهُمْ حَيٌّ . فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ ، اتَّخَذُوا مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ ، فَنَحَتُوهَا وَجَابُوهَا وَجَوَّفُوهَا . وَكَانُوا فِي سِعَةٍ مِنْ مَعَايِشِهِمْ . فَقَالُوا : يَا صَالِحُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا آيَةً نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَدَعَا صَالِحٌ رَبَّهُ ، فَأَخْرَجَ لَهُمُ النَّاقَةَ ، فَكَانَ شِرْبُهَا يَوْمًا ، وَشِرْبُهُمْ يَوْمًا مَعْلُومًا . فَإِذَا كَانَ يَوْمُ شِرْبِهَا خَلَّوْا عَنْهَا وَعَنِ الْمَاءِ وَحَلَبُوهَا لَبَنًا ، مَلَئُوا كُلَّ إِنَاءٍ وَوِعَاءٍ وَسِقَاءٍ ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ شِرْبِهِمْ صَرَفُوهَا عَنِ الْمَاءِ ، فَلَمْ تَشْرَبْ مِنْهُ شَيْئًا ، فَمَلَئُوا كُلَّ إِنَاءٍ وَوِعَاءٍ وَسِقَاءٍ . فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى صَالِحٍ : إِنَّ قَوْمَكَ سَيَعْقِرُونَ نَاقَتَكَ ! فَقَالَ لَهُمْ ، فَقَالُوا : مَا كُنَّا لِنَفْعَلَ ! فَقَالَ : إِلَّا تَعْقِرُوهَا أَنْتُمْ ، يُوشِكُ أَنْ يُولَدَ فِيكُمْ مَوْلُودٌ [ يَعْقِرُهَا ] . قَالُوا : مَا عَلَامَةُ ذَلِكَ الْمَوْلُودِ؟ فَوَاللَّهِ لَا نَجِدْهُ إِلَّا قَتَلْنَاهُ ! قَالَ : فَإِنَّهُ غُلَامٌ أَشْقَرُ أَزْرَقُ أَصْهَبُ ، أَحْمَرُ . قَالَ : وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ شَيْخَانِ عَزِيزَانِ مَنِيعَانِ ، لِأَحَدِهِمَا ابْنٌ يَرْغَبُ بِهِ عَنِ الْمَنَاكِحِ ، وَلِلْآخَرِ ابْنَةٌ لَا يَجِدُ لَهَا كُفُؤًا ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا مَجْلِسٌ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُزَوِّجَ ابْنَكَ؟ قَالَ : لَا أَجِدُ لَهُ كُفُؤًا . قَالَ : فَإِنَّ ابْنَتِي كُفُؤٌ لَهُ ، وَأَنَا أُزَوِّجُكَ . . فَزَوَّجَهُ ، فَوُلِدَ [15/375] بَيْنَهُمَا ذَلِكَ الْمَوْلُودُ . وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ ثَمَانِيَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ، فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ : " إِنَّمَا يَعْقِرُهَا مَوْلُودٌ فِيكُمْ " ، اخْتَارُوا ثَمَانِيَ نِسْوَةٍ قَوَابِلَ مِنَ الْقَرْيَةِ ، وَجَعَلُوا مَعَهُنَّ شُرَطًا كَانُوا يَطُوفُونَ فِي الْقَرْيَةِ ، فَإِذَا وَجَدُوا الْمَرْأَةَ تَمْخَضُ ، نَظَرُوا مَا وَلَدُهَا إِنْ كَانَ غُلَامًا قَلَّبْنَهُ فَنَظَرْنَ مَا هُوَ وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً أَعْرَضْنَ عَنْهَا . فَلَمَّا وَجَدُوا ذَلِكَ الْمَوْلُودَ صَرَخَ النِّسْوَةُ وَقُلْنَ : " هَذَا الَّذِي يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَالِحٌ " ، فَأَرَادَ الشُّرَطُ أَنْ يَأْخُذُوهُ ، فَحَالَ جَدَّاهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ ، وَقَالَا لَوْ أَنَّ صَالِحًا أَرَادَ هَذَا قَتَلْنَاهُ ! فَكَانَ شَرَّ مَوْلُودٍ ، وَكَانَ يَشِبُّ فِي الْيَوْمِ شَبَابَ غَيْرِهِ فِي الْجُمُعَةِ ، وَيَشِبُّ فِي الْجُمُعَةِ شَبَابَ غَيْرِهِ فِي الشَّهْرِ ، وَيَشِبُّ فِي الشَّهْرِ شَبَابَ غَيْرِهِ فِي السَّنَةِ . فَاجْتَمَعَ الثَّمَانِيَةُ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يَصْلُحُونَ ، وَفِيهِمُ الشَّيْخَانِ ، فَقَالُوا : " اسْتَعْمِلْ عَلَيْنَا هَذَا الْغُلَامَ " لِمَنْزِلَتِهِ وَشَرَفِ جَدَّيْهِ ، فَكَانُوا تِسْعَةً . وَكَانَ صَالِحٌ لَا يَنَامُ مَعَهُمْ فِي الْقَرْيَةِ ، كَانَ فِي مَسْجِدٍ يُقَالُ لَهُ : " مَسْجِدُ صَالِحٍ " ، فِيهِ يَبِيتُ بِاللَّيْلِ ، فَإِذَا أَصْبَحَ أَتَاهُمْ فَوَعَظَهُمْ وَذَكَّرَهُمْ ، وَإِذَا أَمْسَى خَرَجَ إِلَى مَسْجِدِهِ فَبَاتَ فِيهِ " . قَالَ حَجَّاجٌ : وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : لَمَّا قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ : " إِنَّهُ سَيُولَدُ غُلَامٌ يَكُونُ هَلَاكُكُمْ عَلَى يَدَيْهِ " ، قَالُوا : فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا؟ قَالَ : آمُرُكُمْ بِقَتْلِهِمْ ! فَقَتَلُوهُمْ إِلَّا وَاحِدًا . قَالَ : فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَوْلُودُ ، قَالُوا : لَوْ كُنَّا لَمْ نَقْتُلْ أَوْلَادَنَا ، لَكَانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا مِثْلَ هَذَا ، هَذَا عَمَلُ صَالِحٍ ! فَأْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ بِقَتْلِهِ ، وَقَالُوا : نَخْرُجُ مُسَافِرِينَ وَالنَّاسُ يَرَونَنَا عَلَانِيَةً ، ثُمَّ نَرْجِعُ مِنْ لَيْلَةِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا وَكَذَا ، فَنَرْصُدُهُ عِنْدَ مُصَلَّاهُ فَنَقْتُلُهُ ، فَلَا يَحْسَبُ النَّاسُ إِلَّا أَنَّا مُسَافِرُونَ ، كَمَا نَحْنُ ! فَأَقْبَلُوا حَتَّى دَخَلُوا تَحْتَ صَخْرَةٍ يَرْصُدُونَهُ ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الصَّخْرَةَ فَرَضَخَتُهُمْ ، فَأَصْبَحُوا رَضْخًا . فَانْطَلَقَ رِجَالٌ مِمَّنْ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ ، فَإِذَا هُمْ رَضْخٌ ، فَرَجَعُوا [15/376] يَصِيحُونَ فِي الْقَرْيَةِ : أَيْ عِبَادُ اللَّهِ ، أَمَا رَضِيَ صَالِحٌ أَنْ أَمَرَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا أَوْلَادَهُمْ حَتَّى قَتَلَهُمْ؟ ! فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ عَلَى قَتْلِ النَّاقَةِ أَجْمَعُونَ ، وَأَحْجَمُوا عَنْهَا إِلَّا ذَلِكَ الِابْنَ الْعَاشِرَ . ثُمَّ رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : وَأَرَادُوا أَنْ يَمْكُرُوا بِصَالِحٍ ، فَمَشَوْا حَتَّى أَتَوْا عَلَى سَرَبٍ عَلَى طَرِيقِ صَالِحٍ ، فَاخْتَبَأَ فِيهِ ثَمَانِيَةٌ ، وَقَالُوا : إِذَا خَرَجَ عَلَيْنَا قَتَلْنَاهُ وَأَتَيْنَا أَهْلَهُ ، فَبَيَّتْنَاهُمْ ! فَأَمَرَ اللَّهِ الْأَرْضَ فَاسْتَوَتْ عَنْهُمْ . قَالَ : فَاجْتَمَعُوا وَمَشَوْا إِلَى النَّاقَةِ وَهِيَ عَلَى حَوْضِهَا قَائِمَةً ، فَقَالَ الشَّقِيُّ لِأَحَدِهِمْ : ائْتِهَا فَاعْقِرْهَا ! فَأَتَاهَا ، فَتَعَاظَمَهُ ذَلِكَ ، فَأَضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ ، فَبَعْثَ آخَرَ فَأَعْظَمَ ذَلِكَ . فَجَعَلَ لَا يَبْعَثُ رَجُلًا إِلَّا تَعَاظَمَهُ أَمْرُهَا ، حَتَّى مَشَوْا إِلَيْهَا ، وَتَطَاوَلَ فَضَرَبَ عُرْقُوبَيْهَا ، فَوَقَعَتْ تَرْكُضُ ، وَأَتَى رَجُلٌ مِنْهُمْ صَالِحًا فَقَالَ : " أَدْرِكِ النَّاقَةَ فَقَدْ عُقِرَتْ " ! فَأَقْبَلَ ، وَخَرَجُوا يَتَلَقَّوْنَهُ وَيَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ : " يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنَّمَا عَقَرَهَا فَلَانٌ ، إِنَّهُ لَا ذَنْبَ لَنَا " ! قَالَ : فَانْظُرُوا هَلْ تُدْرِكُونَ فَصِيلَهَا؟ ، فَإِنْ أَدْرَكْتُمُوهُ ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَ عَنْكُمُ الْعَذَابَ ! فَخَرَجُوا يَطْلُبُونَهُ ، وَلَمَّا رَأَى الْفَصِيلُ أُمَّهُ تَضْطَرِبُ ، أَتَى جَبَلًا يُقَالُ لَهُ " الْقَارَةُ " قَصِيرًا ، فَصَعِدَ وَذَهَبُوا لِيَأْخُذُوهُ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْجَبَلِ ، فَطَالَ فِي السَّمَاءِ حَتَّى مَا تَنَالُهُ الطَّيْرُ . قَالَ : وَدَخَلَ صَالِحٌ الْقَرْيَةَ ، فَلَمَّا رَآهُ الْفَصِيلُ بَكَى حَتَّى سَالَتْ دُمُوعُهُ ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ صَالِحًا فَرَغَا رَغْوَةً ، ثُمَّ رَغَا أُخْرَى ، ثُمَّ رَغَا أُخْرَى ، فَقَالَ صَالِحٌ لِقَوْمِهِ : لِكُلِّ رَغْوَةٍ أَجْلُ يَوْمٍ ، تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ، أَلَا إِنَّ آيَةَ الْعَذَابِ أَنَّ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ تُصْبِحُ وُجُوهُكُمْ مُصْفَرَّةً ، وَالْيَوْمَ الثَّانِي مُحْمَرَّةً ، وَالْيَوْمَ الثَّالِثَ مُسْوَدَّةً ! فَلَمَّا أَصْبَحُوا فَإِذَا وُجُوهُهُمْ كَأَنَّهَا طُلِيَتْ بِالْخَلُوقِ ، صَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ ، ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ . فَلَمَّا أَمْسَوْا صَاحُوا بِأَجْمَعِهِمْ : " أَلَا قَدْ مَضَى يَوْمٌ مِنَ الْأَجَلِ ، وَحَضَرَكُمُ الْعَذَابُ " ! فَلَمَّا أَصْبَحُوا الْيَوْمَ الثَّانِيَ إِذَا وُجُوهُهُمْ مُحَمَّرَةٌ ، [15/377] كَأَنَّهَا خُضِبَتْ بِالدِّمَاءِ ، فَصَاحُوا وَضَجُّوا وَبَكَوْا وَعَرَفُوا آيَةَ الْعَذَابِ ، فَلَمَّا أَمْسَوْا صَاحُوا بِأَجْمَعِهِمْ : " أَلَا قَدْ مَضَى يَوْمَانِ مِنَ الْأَجَلِ وَحَضَرَكُمُ الْعَذَابُ " ! فَلَمَّا أَصْبَحُوا الْيَوْمَ الثَّالِثَ ، فَإِذَا وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ كَأَنَّهَا طُلِيَتْ بِالْقَارِ ، فَصَاحُوا جَمِيعًا : " أَلَّا قَدْ حَضَرَكُمُ الْعَذَابُ " ! فَتَكَفَّنُوا وَتَحَنَّطُوا ، وَكَانَ حَنُوطَهُمُ الصَّبْرُ وَالْمَقَرُّ ، وَكَانَتْ أَكْفَانَهُمُ الْأَنْطَاعُ ، ثُمَّ أَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ إِلَى الْأَرْضِ ، فَجَعَلُوا يُقَلِّبُونَ أَبْصَارَهُمْ ، فَيَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ مَرَّةً وَإِلَى الْأَرْضِ مَرَّةً ، فَلَا يَدْرُونَ مِنْ حَيْثُ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ مِنَ السَّمَاءِ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنَ الْأَرْضِ ، جَشَعًا وَفَرَقًا . فَلَمَّا أَصْبَحُوا الْيَوْمَ الرَّابِعَ أَتَتْهُمْ صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فِيهَا صَوْتُ كُلِّ صَاعِقَةٍ ، وَصَوْتُ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ صَوْتٌ فِي الْأَرْضِ ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ ، فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ . [15/378] 18291 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : حُدِّثْتُ أَنَّهُ لَمَّا أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ ، أَهْلَكَ اللَّهُ مَنْ بَيْنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا كَانَ فِي حَرَمِ اللَّهِ ، مَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ . قِيلَ : وَمَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : أَبُو رِغَالٍ . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حِينَ أَتَى عَلَى قَرْيَةِ ثَمُودَ ، لِأَصْحَابِهِ : لَا يَدْخُلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْقَرْيَةَ ، وَلَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهِمْ . وَأَرَاهُمْ مُرْتَقَى الْفَصِيلِ حِينَ ارْتَقَى فِي الْقَارَةِ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَأَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عَقَبَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَتَى عَلَى قَرْيَةِ ثَمُودَ قَالَ : لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَتَى عَلَى الْحِجْرِ ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَلَا تَسْأَلُوا رَسُولَكُمُ الْآيَاتِ ، هَؤُلَاءِ قَوْمُ صَالِحٍ سَأَلُوا رَسُولَهُمُ الْآيَةَ ، فَبَعَثَ لَهُمُ النَّاقَةَ ، فَكَانَتْ تَرِدُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ ، وَتَصْدُرُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ ، فَتَشَرَبُ مَاءَهُمْ يَوْمَ وُرُودِهَا . [15/379] 18292 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا مَرَّ بِوَادِي ثَمُودَ ، وَهُوَ عَامِدٌ إِلَى تَبُوكَ قَالَ : فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُسْرِعُوا السَّيْرَ ، وَأَنْ لَا يَنْزِلُوا بِهِ ، وَلَا يَشْرَبُوا مِنْ مَائِهِ ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ وَادٍ مَلْعُونٌ . قَالَ : وَذَكَرَ لَنَا أَنَّ الرَّجُلَ الْمُوسِرَ مِنْ قَوْمِ صَالِحٍ كَانَ يُعْطِي الْمُعْسِرَ مِنْهُمْ مَا يَتَكَفَّنُونَ بِهِ ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَلْحَدُ لِنَفْسِهِ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ ، لِمِيعَادِ نَبِيِّ اللَّهِ صَالِحٍ الَّذِي وَعَدَهُمْ . وَحَدَّثَ مَنْ رَآهُمْ بِالطُّرُقِ وَالْأَفْنِيَةِ وَالْبُيُوتِ ، فِيهِمْ شُبَّانٌ وَشُيُوخٌ ، أَبْقَاهُمُ اللَّهُ عِبْرَةً وَآيَةً . 18293 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْأَشْجَعِيُّ مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقَدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ ، قَالَ : لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَاةَ تَبُوكَ ، نَزَلَ الْحِجْرَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَسْأَلُوا نَبِيَّكُمُ الْآيَاتِ ، هَؤُلَاءِ قَوْمُ صَالِحٍ سَأَلُوا نَبِيَّهُمْ أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ آيَةً ، فَبَعْثَ اللَّهُ لَهُمُ النَّاقَةَ آيَةً ، فَكَانَتْ تَلِجُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ [ وُرُودِهَا مِنْ هَذَا الْفَجِّ ، فَتَشْرَبُ مَاءَهُمْ ، وَيَوْمَ وِرْدِهِمْ كَانُوا يَتَزَوَّدُونَ مِنْهُ ] ، ثُمَّ يَحْلِبُونَهَا مِثْلَ مَا كَانُوا يَتَزَوَّدُونَ مِنْ مَائِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ لَبَنًا ، ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ الْفَجِّ . فَعَتَوَا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَعَقَرُوهَا ، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ الْعَذَابَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَكَانَ وَعْدًا مِنَ اللَّهِ غَيْرَ مَكْذُوبٍ ، فَأَهْلَكَ اللَّهُ مَنْ كَانَ [15/380] مِنْهُمْ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا ، كَانَ فِي حَرَمِ اللَّهِ ، فَمَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ . قَالُوا : وَمَنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : أَبُو رِغَالٍ .
|