|
[15/494] الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَإِنَّ كُلا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 111 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَتْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ : ( وَإِنَّ ) مُشَدَّدَةً ( كُلًّا لَمَّا ) مُشَدَّدَةً . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ : فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ : مَعْنَاهُ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ : وَإِنَّ كُلًّا لَمِمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ، وَلَكِنْ لَمَّا اجْتَمَعَتِ الْمِيمَاتُ حُذِفَتْ وَاحِدَةٌ ، فَبَقِيَتِ ثِنْتَانِ ، فَأُدْغِمَتْ وَاحِدَةٌ فِي الْأُخْرَى ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
| وَإِنِّي لَمِمَّا أُصْدِرُ الْأَمْرَ وَجْهَهُ | | إِذَا هُوَ أَعْيَى بِالسَّبِيلِ مَصَادِرُهُ |
ثُمَّ تُخَفَّفُ ، كَمَا قَرَأَ بَعْضُ الْقَرَأَةِ : وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ ، [ سُورَةُ النَّحْلِ : 90 ] ، تُخَفُّ الْيَاءُ مَعَ الْيَاءِ . وَذَكَرَ أَنَّ الْكِسَائِيَّ أَنْشَدَهُ : [15/495]
| وَأَشْمَتَّ الْعُدَاةَ بِنَا فَأَضْحَوْا | | لدَيْ يَتَبَاشَرُونَ بِمَا لَقِينَا |
وَقَالَ : يُرِيدُ " لَدَيَّ يَتَبَاشَرُونَ بِمَا لَقِينَا " ، فَحَذَفَ يَاءً ، لِحَرَكَتِهِنَّ وَاجْتِمَاعِهِنَّ ، قَالَ : وَمِثْلُهُ :
| كَأَنَّ مِنْ آخِرِهَا إِلْقَادِمِ | | مَخْرِمُ نَجْدٍ فَارِعِ الْمَخَارِمِ |
وَقَالَ : أَرَادَ : إِلَى الْقَادِمِ ، فَحَذَفَ اللَّامَ عِنْدَ اللَّامِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ : وَإِنَّ كُلًّا شَدِيدًا وَحَقًّا ، لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ . قَالَ : وَإِنَّمَا يُرَادُ إِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ : وَإِنَّ كُلا لَمَّا بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّنْوِينِ ، وَلَكِنْ قَارِئُ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَذَفَ مِنْهُ التَّنْوِينَ ، فَأَخْرَجَهُ عَلَى لَفْظِ فَعَّلَ " لَمَّا " ، كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى ، [ سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ : 44 ] ، فَقَرَأَ " تَتْرَى " ، بَعْضُهُمْ بِالتَّنْوِينِ ، كَمَا قَرَأَ مَنْ قَرَأَ : " لَمَّا " بِالتَّنْوِينِ ، وَقَرَأَهَا آخَرُونَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ، كَمَا قَرَأَ ( لَمَّا ) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ مَنْ قَرَأَهُ . وَقَالُوا : أَصْلُهُ مِنْ " اللَّمِّ " مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمًّا ، يَعْنِي : أَكْلًا شَدِيدًا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ : وَإِنَّ كُلًّا إِلَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ : " بِاللَّهِ لَمَّا قُمْتَ عَنَّا ، وَبِاللَّهِ إِلَّا قُمْتَ عَنَّا " . [15/496] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَوَجَدْتُ عَامَّةَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ يُنْكِرُونَ هَذَا الْقَوْلَ ، وَيَأْبَوْنَ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا تَوْجِيهُ " لَمَّا " إِلَى مَعْنَى " إِلَّا " ، إِلَّا فِي الْيَمِينِ خَاصَّةً . وَقَالُوا : لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنَى إِلَّا جَازَ أَنْ يُقَالَ : " قَامَ الْقَوْمُ لَمَّا أَخَاكَ " بِمَعْنَى : إِلَّا أَخَاكَ ، وَدُخُولُهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ صَلُحَ دُخُولُ " إِلَّا " فِيهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَنَا أَرَى أَنَّ ذَلِكَ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهٍ هُوَ أَبْيَنُ مِمَّا قَالَهُ الَّذِينَ حَكَيْنَا قَوْلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، فِي فَسَادِهِ ، وَهُوَ أَنَّ " إِنَّ " إِثْبَاتٌ لِلشَّيْءِ وَتَحْقِيقٌ لَهُ ، وَ " إِلَّا " ، تَحْقِيقٌ أَيْضًا ، وَإِنَّمَا تَدْخُلُ نَقْضًا لَجَحْدٍ قَدْ تَقَدَّمَهَا . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهَا ، فَوَاجِبٌ أَنْ تَكُونَ عِنْدَ مُتَأَوَّلِهَا التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْهُ ، أَنْ تَكُونَ " إِنَّ " بِمَعْنَى الْجَحْدِ عِنْدَهُ ، حَتَّى تَكُونَ " إِلَّا نَقْضًا " لَهَا . وَذَلِكَ إِنْ قَالَهُ قَائِلٌ ، قَوْلٌ لَا يَخْفَى جَهْلُ قَائِلِهِ ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُخَفِّفَ قَارِئٌ " إِنْ " فَيَجْعَلُهَا بِمَعْنَى " إِنَّ " الَّتِي تَكُونُ بِمَعْنَى الْجَحْدِ . وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَسَدَتْ قِرَاءَتُهُ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ نَاصِبًا " لِكُلٍّ " بُقُولِهِ : لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ، وَلَيْسَ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يَنْصِبَ مَا بَعْدَ " إِلَّا " مِنَ الْفِعْلِ ، الِاسْمَ الَّذِي قَبْلَهَا . لَا تَقُولُ الْعَرَبُ : " مَا زَيْدًا إِلَّا ضَرَبْتَ " ، فَيَفْسُدُ ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، إِلَّا أَنْ يَرْفَعَ رَافِعٌ " الْكُلَّ " ، فَيُخَالِفُ بِقِرَاءَتِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ قِرَاءَةَ الْقَرَأَةِ وَخَطَّ مَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنَ الْعَيْبِ لِخُرُوجِهِ مِنْ مَعْرُوفِ كَلَامِ الْعَرَبِ . وَقَدْ قَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قَرَأَةِ الْكُوفِيِّينَ : ( وَإِنْ كُلًّا ) بِتَخْفِيفِ " إِنَّ " وَنَصْبِ ( كُلًّا لَمَّا ) مُشَدَّدَةً . [15/497] وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ قَارِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، أَرَادَ " إِنَّ " الثَّقِيلَةَ فَخَفَّفَهَا ، وَذُكِرَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ : " كَأَنْ ثَدْيَيْهِ حُقَّانِ " ، فَنَصَبَ ب " كَأَنْ " ، وَالنُّونُ مُخَفَّفَةً مِنْ " كَأَنَّ " ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
| وَوَجْهٌ مُشْرِقُ النَّحْرِ | | كَأَنْ ثَدْيَيْهِ حُقَّانِ |
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ بِتَخْفِيفِ : ( إِنْ ) وَنَصْبِ ( كُلًّا ) ، وَتَخْفِيفِ ( لَمَا ) . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَارِئُ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، قَصَدَ الْمَعْنَى الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْ قَارِئِ الْكُوفَةِ مِنْ تَخْفِيفِهِ نُونَ " إِنَّ " وَهُوَ يُرِيدُ تَشْدِيدَهَا ، وَيُرِيدُ ب " مَا " الَّتِي فِي " لَمَّا " الَّتِي تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ صِلَةً ، وَأَنْ يَكُونَ قَصَدَ إِلَى تَحْمِيلِ الْكَلَامِ مَعْنَى : وَإِنَّ كُلًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ كَانَ فِي قِرَاءَتِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ : وَإِنَّ كُلًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ، أَيْ : لَيُوَفِيَنَّ كُلًّا فَيَكُونُ نِيَّتُهُ فِي نَصْبِ " كُلٍّ " كَانَتْ بِقَوْلِهِ : " لَيُوَفِّيَنَّهُمْ " ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَرَادَ ، فَفِيهِ مِنَ الْقُبْحِ مَا ذَكَرْتُ مِنْ خِلَافِهِ كَلَامَ الْعَرَبِ . وَذَلِكَ أَنَّهَا لَا تَنْصِبُ بِفِعْلٍ بَعْدَ لَامِ الْيَمِينِ اسْمًا قَبْلَهَا . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ : ( وَإِنَّ ) مُشَدَّدَةً ( كُلًّا لَمَا ) مُخَفَّفَةً ( لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ) . وَلِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَجْهَانِ مِنَ الْمَعْنَى : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ قَارِئُهَا أَرَادَ : وَإِنَّ كُلًّا لَمَنْ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ، فَيُوَجِّهُ " مَا " الَّتِي فِي " لَمَّا " إِلَى مَعْنَى " مَنْ " كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ، [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 3 ] ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ [15/498] لَهَا فِي غَيْرِ بَنِي آدَمَ وَيَنْوِي بِاللَّامِ الَّتِي فِي " لَمَّا " اللَّامَ الَّتِي تُتَلَقَّى بِهَا " إِنْ " جَوَابًا لَهَا ، وَبِاللَّامِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : ( لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ) ، لَامُ الْيَمِينِ ، دَخَلَتْ فِيمَا بَيْنَ مَا وَصِلَتِهَا ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 72 ] ، وَكَمَا يُقَالُ : " هَذَا مَا لَغَيْرُهُ أَفْضَلُ مِنْهُ " . وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : أَنْ يَجْعَلَ " مَا " الَّتِي فِي " لَمَّا " بِمَعْنَى " مَا " الَّتِي تَدْخُلُ صِلَةً فِي الْكَلَامِ ، وَاللَّامُ الَّتِي فِيهَا هِيَ اللَّامُ الَّتِي يُجَابُ بِهَا ، وَاللَّامُ الَّتِي فِي : ( لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ) ، هِيَ أَيْضًا اللَّامُ الَّتِي يُجَابُ بِهَا " إِنَّ " كُرِّرَتْ وَأُعِيدَتْ ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ مَوْضِعَهَا ، وَكَانَتِ الْأُولَى مِمَّا تُدْخِلُهَا الْعَرَبُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا ، ثُمَّ تُعِيدُهَا بَعْدُ فِي مَوْضِعِهَا ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
| فَلَوْ أَنَّ قَوْمِي لَمْ يَكُونُوا أَعِزَّةً | | لَبَعْدُ لَقَدْ لَاقَيْتُ لَا بُدَّ مَصْرَعَا |
وَقَرَأَ ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ : ( وَإِنَّ كُلًّا ) بِتَشْدِيدِ " إِنَّ " ، وَ ( لَمَّا ) بِتَنْوِينِهَا ، بِمَعْنَى : شَدِيدًا وَحَقًا وَجَمِيعًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَصَحُّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ مَخْرَجًا عَلَى كَلَامِ الْعَرَبِ الْمُسْتَفِيضِ فِيهِمْ ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : " وَإِنَّ " بِتَشْدِيدِ نُونِهَا ، " كُلًّا لَمَا " بِتَخْفِيفِ " مَا " لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ ، بِمَعْنَى : وَإِنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَصَصْنَا عَلَيْكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، قِصَصَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، لَمَنْ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ، بِالصَّالِحِ مِنْهَا بِالْجَزِيلِ مِنَ الثَّوَابِ ، وَبِالطَّالِحِ مِنْهَا بِالشَّدِيدِ مِنَ الْعِقَابِ فَتَكُونُ " مَا " بِمَعْنَى " مَنْ " وَاللَّامُ الَّتِي فِيهَا جَوَابًا ل " إِنَّ " ، وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ : ( لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ) ، لَامُ قَسَمٍ . [15/499] وَقَوْلُهُ : إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ رَبَّكَ بِمَا يَعْمَلُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِكِ ، يَا مُحَمَّدُ ، " خَبِيرٌ " ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِهِمْ ، بَلْ يَخْبُرُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُعْلَمُهُ وَيُحِيطُ بِهِ ، حَتَّى يُجَازِيَهُمْ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ جَزَاءَهُمْ .
|
|
|