|
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ( 29 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْفَلْنَا قُلُوبَهُمْ عَنْ ذِكْرِنَا ، وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ، الْحَقُّ أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ عِنْدِ [18/10] رَبِّكُمْ ، وَإِلَيْهِ التَّوْفِيقُ وَالْخِذْلَانُ ، وَبِيَدِهِ الْهُدَى وَالضَّلَالُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ مِنْكُمْ لِلرَّشَادِ ، فَيُؤْمِنُ ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ عَنِ الْهُدَى فَيَكْفُرُ ، لَيْسَ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، وَلَسْتُ بِطَارِدٍ لِهَوَاكُمْ مَنْ كَانَ لِلْحَقِّ مُتَّبِعًا ، وَبِاللَّهِ وَبِمَا أُنْزِلَ عَلِيَّ مُؤْمِنًا ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَآمِنُوا ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَاكْفُرُوا ، فَإِنَّكُمْ إِنْ كَفَرْتُمْ فَقَدْ أَعَدَّ لَكُمْ رَبُّكُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ بِهِ نَارًا أَحَاطَ بِكُمْ سُرَادِقُهَا ، وَإِنْ آمَنْتُمْ بِهِ وَعَمِلْتُمْ بِطَاعَتِهِ ، فَإِنَّ لَكُمْ مَا وَصَفَ اللَّهُ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ . وَرَوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي عَلَيٌّ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلَيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ يَقُولُ : مَنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ الْإِيمَانَ آمَنَ ، وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ الْكُفْرَ كَفَرَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَلَيْسَ هَذَا بِإِطْلَاقٍ مِنَ اللَّهِ الْكُفْرَ لِمَنْ شَاءَ ، وَالْإِيمَانَ لِمَنْ أَرَادَ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ . وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ : إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا وَالْآيَاتِ بَعْدَهَا . كَمَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَبِيبٍ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ . قَالَ : وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ ، فَلَيْسَ بِمُعْجِزِي . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ وَقَوْلِهِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ قَالَ : هَذَا كُلُّهُ وَعِيدٌ لَيْسَ مُصَانَعَةً وَلَا مُرَاشَاةً وَلَا تَفْوِيضًا . وَقَوْلُهُ : إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّا أَعْدَدْنَا ، وَهُوَ مِنَ الْعُدَّةِ . لِلظَّالِمِينَ : الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ . كَمَا حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا قَالَ : لِلْكَافِرِينَ ، وَقَوْلُهُ : أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا يَقُولُ : أَحَاطَ سُرَادِقُ النَّارِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ بِرَبِّهِمْ ، وَذَلِكَ فِيمَا قِيلَ : حَائِطٌ مِنْ نَارٍ يُطِيفُ بِهِمْ كَسُرَادِقِ الْفُسْطَاطِ ، وَهِيَ الْحُجْرَةُ الَّتِي تُطِيفُ بِالْفُسْطَاطِ ، كَمَا قَالَ رُؤْبَةُ : [18/11] | يا حَكَمُ بْنَ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودْ | | سُرادِقُ الْفَضْلِ عَلَيْكَ مَمْدُودْ |
وَكَمَا قَالَ سَلَامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ :
| هُوَ الْمُولِجُ النُّعْمانَ بَيْتًا سَماؤُهُ | | صُدُورُ الْفُيُولِ بَعْدَ بَيْتٍ مُسَرْدَقٍ |
يَعْنِي : بَيْتًا لَهُ سُرَادِقٌ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا قَالَ : هِيَ حَائِطٌ مِنْ نَارٍ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَمَّنْ أَخْبَرَهُ ، قَالَ أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا قَالَ : دُخَانٌ يُحِيطُ بِالْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ : ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ . [18/12] وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا أَحَاطَ بِهِمْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا ، وَأَنَّ ذَلِكَ السُّرَادِقَ هُوَ الْبَحْرُ . ذِكْرُ مِنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَا ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ ، قَالَ : ثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حُيَيِّ بْنِ يَعْلَى ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْبَحْرُ هُوَ جَهَنَّمُ " قَالَ : فَقِيلَ لَهُ : كَيْفَ ذَلِكَ ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ، أَوْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ثُمَّ قَالَ : وَاللَّهِ لَا أَدْخُلُهَا أَبَدًا أَوْ مَا دُمْتُ حَيًّا ، وَلَا تُصِيبُنِي مِنْهَا قَطْرَةٌ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا يَعْمُرُ بْنُ بِشْرٍ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " سُرَادِقُ النَّارِ أَرْبَعَةُ جُدُرٍ ، كِثْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِثْلُ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً " . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ وَهَبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ لِسُرَادِقِ النَّارِ أَرْبَعَةَ جُدُرٍ ، كِثْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِثْلُ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً " . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ وَهَبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرٍو ، عَنْ دَرَّاجٍ ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَاءٌ كَالْمُهْلِ " ، قَالَ : " كَعَكِرِ الزَّيْتِ ، فَإِذَا قَرَّبَهُ إِلَيْهِ سَقَطَ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِيهِ " . وَقَوْلُهُ : وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَإِنْ يَسْتَغِثْ هَؤُلَاءِ الظَّالِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي النَّارِ مِنْ شِدَّةٍ مَا بِهِمْ مِنَ الْعَطَشِ ، فَيَطْلُبُونَ الْمَاءَ يُغاثوا بِمَاءِ الْمُهْلِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمُهْلِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ كُلُّ شَيْءٍ أُذِيبَ وَانْمَاعَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، [18/13] عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ سِقَايَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ ، فَأَمَرَ بِأُخْدُودٍ فَخُدَّ فِي الْأَرْضِ ، ثُمَّ قَذَفَ فِيهِ مِنْ جَزْلِ حَطَبٍ ، ثُمَّ قَذَفَ فِيهِ تِلْكَ السِّقَايَةَ ، حَتَّى إِذَا أَزْبَدَتْ وَانْمَاعَتْ قَالَ لِغُلَامِهِ : ادْعُ مَنْ يَحْضُرُنَا مَنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، فَدَعَا رَهْطًا ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ : أَتَرَوْنَ هَذَا؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : مَا رَأَيْنَا فِي الدُّنْيَا شَبِيهًا لِلْمُهْلِ أَدْنَى مِنْ هَذَا الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، حِينَ أَزْبَدَ وَانْمَاعَ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْقَيْحُ وَالدَّمُ الْأَسْوَدُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ قَالَ : الْقَيْحُ وَالدَّمُ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ قَالَ : الْقَيْحُ وَالدَّمُ الْأَسْوَدُ ، كَعَكِرِ الزَّيْتِ ، قَالَ الْحَارِثُ فِي حَدِيثِهِ : يَعْنِي دُرْدِيَّهُ . حَدَّثَنِي عَلَيٌّ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلَيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : ( كَالْمُهْلِ ) قَالَ : يَقُولُ : أَسْوَدُ كَهَيْئَةِ الزَّيْتِ . حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ مَاءُ جَهَنَّمَ أَسْوَدُ ، وَهِيَ سَوْدَاءُ ، وَشَجَرُهَا أَسْوَدُ ، وَأَهْلُهَا سُودٌ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ قَالَ : هُوَ مَاءٌ غَلِيظٌ مِثْلُ دُرْدِيِّ الزَّيْتِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ ، عَنْ جَعْفَرٍ وَهَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : الْمُهْلُ : هُوَ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ . وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ بِهَا أَلْفَاظُ قَائِلِيهَا ، فَمُتَقَارِبَاتُ الْمَعْنَى ، وَذَلِكَ [18/14] أَنَّ كُلَّ مَا أُذِيبَ مِنْ رَصَاصٍ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَقَدِ انْتَهَى حَرُّهُ ، وَأَنَّ مَا أُوْقِدَتْ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ النَّارَ حَتَّى صَارَ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ ، فَقَدِ انْتَهَى أَيْضًا حَرُّهُ . وَقَدْ : حُدِّثْتُ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى ، أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ الْمُنْتَجَعَ بْنَ نَبْهَانَ يَقُولُ : وَاللَّهِ لَفُلَانٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنَ الطَّلْيَاءِ وَالْمُهْلِ ، قَالَ : فَقُلْنَا لَهُ : وَمَا هُمَا؟ فَقَالَ : الْجَرْبَاءُ ، وَالْمَلَّةُ الَّتِي تَنْحَدِرُ عَنْ جَوَانِبَ الْخُبْزَةِ إِذَا مَلَّتْ فِي النَّارِ مِنَ النَّارِ ، كَأَنَّهَا سِهْلَةٌ حَمْرَاءُ مُدَقَّقَةٌ ، فَهِيَ أَحْمَرُهُ ، فَالْمُهْلُ إِذًا هُوَ كَلُّ مَائِعٍ قَدْ أُوْقِدَ عَلَيْهِ حَتَّى بَلَغَ غَايَةَ حَرِّهِ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مَائِعًا ، فَانْمَاعَ بِالْوَقُودِ عَلَيْهِ ، وَبَلَغَ أَقْصَى الْغَايَةِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ . وَقَوْلُهُ : يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَشْوِي ذَلِكَ الْمَاءُ الَّذِي يُغَاثُونَ بِهِ وُجُوهَهُمْ . كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ، قَالَ : ثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، قَالَ : ثَنَا بَقِيَّةُ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ خَلَفٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي قَوْلِهِ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ قَالَ : يُقْرَّبُ إِلَيْهِ فَيَتَكَرَّهُهُ ، فَإِذَا قُرِّبَ مِنْهُ ، شَوَى وَجْهَهُ ، وَوَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ ، فَإِذَا شَرِبَهُ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ ، يَقُولُ اللَّهُ : وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الطَّالِقَانِيُّ وَيَعْمُرُ بْنُ بِشْرٍ ، قَالَا ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ صَفْوَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا يَعْقُوبُ ، عَنْ جَعْفَرٍ وَهَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ هَارُونُ : إِذَا جَاعَ أَهْلُ النَّارِ ، وَقَالَ جَعْفَرٌ : إِذَا جَاءَ أَهْلُ النَّارِ اسْتَغَاثُوا بِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ ، فَأَكَلُوا مِنْهَا ، فَاخْتَلَسَتْ جُلُودَ وُجُوهِهِمْ ، فَلَوْ أَنَّ مَارًّا مَارٌّ بِهِمْ يَعْرِفُهُمْ ، لَعَرَفَ جُلُودَ وُجُوهِهِمْ فِيهَا ، ثُمَّ يُصَبُّ عَلَيْهِمُ الْعَطَشُ ، فَيَسْتَغِيثُونَ ، فَيُغَاثُونَ بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ ، وَهُوَ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ ، فَإِذَا أَدْنَوْهُ مِنْ [18/15] أَفْوَاهِهِمُ انْشَوَى مِنْ حَرِّهِ لُحُومُ وُجُوهِهِمُ الَّتِي قَدْ سَقَطَتْ عَنْهَا الْجُلُودُ . وَقَوْلُهُ : بِئْسَ الشَّرَابُ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : بِئْسَ الشَّرَابُ ، هَذَا الْمَاءُ الَّذِي يُغَاثُ بِهِ هَؤُلَاءِ الظَّالِمُونَ فِي جَهَنَّمَ الَّذِي صِفَتُهُ مَا وُصِفَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ . وَقَوْلُهُ : وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَسَاءَتْ هَذِهِ النَّارُ الَّتِي أَعْتَدْنَاهَا لِهَؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ مُرْتَفِقًا ، وَالْمُرْتَفِقُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : الْمُتَّكَأُ ، يُقَالُ مِنْهُ : ارْتَفَقْتُ إِذَا اتَّكَأْتُ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
| قالَتْ لَهُ وارْتَفَقَتْ أَلَّا فَتًى | | يَسُوقُ بِالْقَوْمِ غَزَالَاتِ الضُّحَى |
أَرَادَ : وَاتَّكَأَتْ عَلَى مِرْفَقِهَا ، وَقَدِ ارْتَفَقَ الرَّجُلُ : إِذَا بَاتَ عَلَى مِرْفَقِهِ لَا يَأْتِيهِ نَوْمٌ ، وَهُوَ مُرْتَفِقٌ ، كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ :
| نَامَ الْخَلِيُّ وَبِتُّ اللَّيْلَ مُرْتَفِقًا | | كَأَنَّ عَيْنِيَّ فِيهَا الصَّابُ مَذْبُوحُ |
وَأَمَّا مِنَ الرِّفْقِ فَإِنَّهُ يُقَالُ : قَدِ ارْتَفَقْتُ بِكَ مُرْتَفَقًا ، وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ : وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا يَعْنِي الْمُجْتَمَعَ . ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ( مُرْتَفَقًا ) : أَيْ مُجْتَمَعًا . حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، قَالَ : ثَنَا مُعْتَمِرٌ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا قَالَ : مُجْتَمَعًا . [18/16] حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلُهُ ، وَلَسْتُ أَعْرِفُ الِارْتِفَاقَ بِمَعْنَى الِاجْتِمَاعِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَإِنَّمَا الِارْتِفَاقُ : افْتِعَالٌ ، إِمَّا مِنَ الْمِرْفَقِ ، وَإِمَّا مِنَ الرِّفْقِ .
|
|
|