الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( 9 )
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ [23/361] ، يَعْنِي بِبَيَانِ الْحَقِّ وَدِينِ الْحَقِّ . يَعْنِي : وَبِدِينِ اللَّهِ ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ .
وَقَوْلُهُ : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ يَقُولُ : لِيُظْهِرَ دِينَهُ الْحَقَّ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ رَسُولَهُ عَلَى كُلِّ دِينٍ سِوَاهُ ، وَذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، وَحِينَ تَصِيرُ الْمِلَّةُ وَاحِدَةً ، فَلَا يَكُونُ دِينٌ غَيْرَ الْإِسْلَامِ .
كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي الْمِقْدَامِ ثَابِتِ بْنِ هُرْمُزَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) قَالَ : خُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ بِعِلَلِهِ فِيمَا مَضَى ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَقَدْ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : ثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : " لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى " فَقَالَتْ عَائِشَةُ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ . . . الْآيَةَ ، أَنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ تَامًّا ، فَقَالَ : " إِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً ، فَيَتَوَّفَّى مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ ، فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ ، فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِمْ " .