الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( كَلا إِنَّهَا لَظَى ( 15 ) نَـزَّاعَةً لِلشَّوَى ( 16 ) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ( 17 ) وَجَمَعَ فَأَوْعَى ( 18 ) [23/607]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : كَلَّا لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْءٌ . ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَمَّا أَعَدَّهُ لَهُ هُنَالِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، فَقَالَ : إِنَّهَا لَظَى وَلَظَى : اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ جَهَنَّمَ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُجْرَ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَوْضِعِهَا ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : مَوْضِعُهَا نَصْبٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْهَاءِ ، وَخَبَرُ إِنَّ : نَـزَّاعَةً ; قَالَ : وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ " لَظَى " رَفْعًا عَلَى خَبَرِ إِنَّ ، وَرَفَعْتَ نَـزَّاعَةً عَلَى الِابْتِدَاءِ ، وَقَالَ بَعْضُ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْبَعَ الظَّاهِرُ الْمُكَنَّى إِلَّا فِي الشُّذُوذِ; قَالَ : وَالِاخْتِيَارُ إِنَّهَا لَظَى نَـزَّاعَةً لِلشَّوَى " لَظَى " : الْخَبَرُ ، وَ : " نَزَّاعَةً " حَالٌ ، قَالَ : وَمَنْ رَفَعَ اسْتَأْنَفَ ، لِأَنَّهُ مَدْحٌ أَوْ ذَمٌّ ، قَالَ : وَلَا تَكُونُ ابْتِدَاءً إِلَّا كَذَلِكَ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا ، أَنَّ لَظَى الْخَبَرُ ، وَ نَـزَّاعَةً ابْتِدَاءٌ ، فَلِذَلِكَ رُفِعَ ، وَلَا يَجُوزُ النَّصْبُ فِي الْقِرَاءَةِ لِإِجْمَاعِ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى رَفْعِهَا ، وَلَا قَارِئَ قَرَأَ كَذَلِكَ بِالنَّصْبِ; وَإِنْ كَانَ لِلنَّصْبِ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَجْهٌ; وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ مِنْ قَوْلِهِ : " إِنَّهَا " عِمَادًا ، وَ : " لَظَى " مَرْفُوعَةً بِ " نَزَّاعَةً " وَ : " نَزَّاعَةً " بِ " لَظَى " كَمَا يُقَالُ : إِنَّهَا هِنْدُ قَائِمَةٌ ، وَإِنَّهُ هِنْدُ قَائِمَةٌ ، وَالْهَاءُ عِمَادٌ فِي الْوَجْهَيْنِ .
وَقَوْلُهُ : نَـزَّاعَةً لِلشَّوَى يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ لَظَى : إِنَّهَا تَنْزِعُ جِلْدَةَ الرَّأْسِ وَأَطْرَافَ الْبَدَنِ ، وَالشَّوَى : جَمْعُ شَوَاةٍ ، وَهِيَ مِنْ جَوَارِحِ الْإِنْسَانِ مَا لَمْ يَكُنْ مَقْتَلًا ، يُقَالُ : رَمَى فَأَشْوَى ، إِذَا لَمْ يُصِبْ مَقْتَلًا ، فَرُبَّمَا وَصَفَ الْوَاصِفُ بِذَلِكَ جِلْدَةَ الرَّأْسِ ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى :
قَالَتْ قُتَيْلَةُ مَا لَهُ
قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَوَاتُهُ

وَرُبَّمَا وُصِفَ بِذَلِكَ السَّاقُ ، كَقَوْلِهِمْ فِي صِفَةِ الْفَرَسِ :
عَبْلُ الشَّوَى نَهْدُ الْجُزَارَهْ
[23/608]
يَعْنِي بِذَلِكَ قَوَائِمَهُ ، وَأَصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا وَصَفْتُ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو كَدِينَةَ ، عَنْ قَابُوسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ : نَـزَّاعَةً لِلشَّوَى : قَالَ : تَنْزِعُ أُمَّ الرَّأْسِ .
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّوَّافُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَشْقَرُ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ مُهَلَّبٍ أَبُو كَدِينَةَ ، عَنْ قَابُوسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : نَـزَّاعَةً لِلشَّوَى قَالَ : تَنْزِعُ الرَّأْسَ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : نَـزَّاعَةً لِلشَّوَى : يَعْنِي الْجُلُودَ وَالْهَامَ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : نَـزَّاعَةً لِلشَّوَى قَالَ : لِجُلُودِ الرَّأْسِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ ، قَالَ : [23/609] سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ قَوْلِهِ : نَـزَّاعَةً لِلشَّوَى فَلَمْ يُخْبِرْ ، فَسَأَلْتُ عَنْهَا مُجَاهِدًا ، فَقُلْتُ : اللَّحْمُ دُونَ الْعَظْمِ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ نَـزَّاعَةً لِلشَّوَى قَالَ : لَحْمُ السَّاقِ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الْأَسَدِيُّ ، قَالَ : ثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ السُّوائِّيُّ ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ : نَـزَّاعَةً لِلشَّوَى قَالَ : نَزَّاعَةً لِلَحْمِ السَّاقَيْنِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ خَارِجَةَ ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ نَـزَّاعَةً لِلشَّوَى قَالَ : لِلْهَامِ تَحْرِقُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ ، وَيَبْقَى فُؤَادُهُ نَضِيجًا .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَامِرٍ ، قَالَ : ثَنَا قُرَّةُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِهِ : نَـزَّاعَةً لِلشَّوَى ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : نَـزَّاعَةً لِلشَّوَى : أَيْ نَزَّاعَةً لِهَامَتِهِ وَمَكَارِمِ خَلْقِهِ وَأَطْرَافِهِ .
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : نَـزَّاعَةً لِلشَّوَى : تَبْرِي اللَّحْمَ وَالْجِلْدَ عَنِ الْعَظْمِ حَتَّى لَا تَتْرُكَ مِنْهُ شَيْئًا .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : نَـزَّاعَةً لِلشَّوَى قَالَ : الشَّوَى : الْآرَابُ الْعِظَامُ ، ذَاكَ الشَّوَى .
وَقَوْلُهُ : نَـزَّاعَةً قَالَ : تَقْطَعُ عِظَامَهُمْ كَمَا تَرَى ، ثُمَّ يُجَدَّدُ خَلْقُهُمْ ، وَتُبَدَّلُ جُلُودُهُمْ .
وَقَوْلُهُ : تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى يَقُولُ : تَدْعُو " لَظَى " إِلَى نَفْسِهَا مَنْ أَدْبَرَ فِي الدُّنْيَا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَتَوَلَّى عَنِ الْإِيمَانِ بِكِتَابِهِ وَرُسُلِهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى قَالَ : عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ ، ( وَتَوَلَّى ) قَالَ : عَنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَعَنْ حَقِّهِ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى قَالَ : عَنِ الْحَقِّ . [23/610]
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى قَالَ : لَيْسَ لَهَا سُلْطَانٌ إِلَّا عَلَى هَوَانِ مَنْ كَفَرَ وَتَوَلَّى وَأَدْبَرَ عَنِ اللَّهِ ، فَأَمَّا مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَلَيْسَ لَهَا عَلَيْهِ سُلْطَانٌ .
وَقَوْلُهُ : وَجَمَعَ فَأَوْعَى يَقُولُ : وَجَمَعَ مَالًا فَجَعَلَهُ فِي وِعَاءٍ ، وَمَنَعَ حَقَّ اللَّهِ مِنْهُ ، فَلَمْ يُزَكِّ وَلَمْ يُنْفِقْ فِيمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِنْفَاقَهُ فِيهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَجَمَعَ فَأَوْعَى قَالَ : جَمَعَ الْمَالَ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو قَطَنٍ ، قَالَ : ثَنَا الْمَسْعُودِيُّ ، عَنِ الْحَكَمِ ، قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ ، لَا يَرْبِطُ كِيسَهُ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ : وَجَمَعَ فَأَوْعَى .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَجَمَعَ فَأَوْعَى كَانَ جَمُوعًا قَمُومًا لِلْخَبِيثِ .