[24/306] [24/307] [24/308] [24/309] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ( 1 ) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ( 2 ) وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ ( 3 ) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ( 4 ) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ( 5 ) .
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِذَا السَّمَاءُ تَصَدَّعَتْ وَتَقَطَّعَتْ فَكَانَتْ أَبْوَابًا .
وَقَوْلُهُ : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ يَقُولُ : وَسَمِعَتِ السَّمَاوَاتُ فِي تَصَدُّعِهَا وَتَشَقُّقِهَا لِرَبِّهَا وَأَطَاعَتْ لَهُ فِي أَمْرِهِ إِيَّاهَا ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ : أَذِنَ لَكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ أُذُنًا بِمَعْنَى : اسْتَمَعَ لَكَ ، وَمِنْهُ الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَأَذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ " يَعْنِي بِذَلِكَ : مَا اسْتَمَعَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَاسْتِمَاعِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
صُمٌّ إِذَا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ
وَإِنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا

وَأَصْلُ قَوْلِهِمْ فِي الطَّاعَةِ سَمِعَ لَهُ مِنَ الِاسْتِمَاعِ ، يُقَالُ مِنْهُ : سَمِعْتُ لَكَ ، بِمَعْنَى سَمِعْتُ قَوْلَكَ ، وَأَطَعْتُ فِيمَا قُلْتَ وَأَمَرْتَ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ [24/310] ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ قَالَ : سَمِعَتْ لِرَبِّهَا .
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ قَالَ : سَمِعَتْ وَأَطَاعَتْ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ قَالَ : سَمِعَتْ .
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ قَالَ : سَمِعَتْ وَأَطَاعَتْ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ أَيْ : سَمِعَتْ وَأَطَاعَتْ .
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : ثَنَا عُبَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ قَالَ : سَمِعَتْ وَأَطَاعَتْ .
وَقَوْلُهُ : ( وَحُقَّتْ ) يَقُولُ : وَحَقَّقَ اللَّهُ عَلَيْهَا الِاسْتِمَاعَ بِالِانْشِقَاقِ وَالِانْتِهَاءِ إِلَى طَاعَتِهِ فِي ذَلِكَ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : ( وَحُقَّتْ ) قَالَ : حُقِّقَتْ لِطَاعَةِ رَبِّهَا .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ( وَحُقَّتْ ) وَحُقَّ لَهَا .
وَقَوْلُهُ : وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَإِذَا الْأَرْضُ بُسِطَتْ ، فَزِيدَتْ فِي سَعَتِهَا .
كَالَّذِي حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَدَّ اللَّهُ [24/311] الْأَرْضَ حَتَّى لَا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُدْعَى ، وَجِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَاللَّهِ مَا رَآهُ قَبْلَهَا ، فَأَقُولُ : يَا رَبُّ إِنَّ هَذَا أَخْبَرَنِي أَنَّكَ أَرْسَلْتَهُ إِلَيَّ ، فَيَقُولُ : صَدَقَ ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَأَقُولُ : يَا رَبِّ عِبَادُكَ عَبَدُوكَ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ . - قَالَ - : وَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ " .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : ( مُدَّتْ ) قَالَ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَقَوْلُهُ : وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَأَلْقَتِ الْأَرْضُ مَا فِي بَطْنِهَا مِنَ الْمَوْتَى إِلَى ظَهْرِهَا وَتَخَلَّتْ مِنْهُمْ إِلَى اللَّهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ قَالَ : أَخْرَجَتْ مَا فِيهَا مِنَ الْمَوْتَى .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ قَالَ : أَخْرَجَتْ أَثْقَالَهَا وَمَا فِيهَا .
وَقَوْلُهُ : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ يَقُولُ : وَسَمِعَتِ الْأَرْضُ فِي إِلْقَائِهَا مَا فِي بَطْنِهَا مِنَ الْمَوْتَى إِلَى ظَهْرِهَا أَحْيَاءً أَمْرَ رَبِّهَا وَأَطَاعَتْ ( وَحُقَّتْ ) يَقُولُ : وَحَقَّقَهَا اللَّهُ لِلِاسْتِمَاعِ لِأَمْرِهِ فِي ذَلِكَ ، وَالِانْتِهَاءِ إِلَى طَاعَتِهِ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَوْقَعِ جَوَابِ قَوْلِهِ : إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ، وَقَوْلِهُ : وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْبَصْرَةِ : إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ، عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ .
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْكُوفَةِ : قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ : جَوَابُ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ قَوْلُهُ : ( وَأَذِنَتْ ) قَالَ : وَنَرَى أَنَّهُ رَأْيٌ ارْتَآهُ الْمُفَسِّرُ ، وَشَبَّهَهُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا لِأَنَّا لَمْ نَسْمَعْ جَوَابًا بِالْوَاوِ فِي إِذَا مُبْتَدَأَةً ، وَلَا كَلَامَ قَبْلَهَا ، [24/312] وَلَا فِي إِذَا ، إِذَا ابْتُدِئَتْ . قَالَ : وَإِنَّمَا تُجِيبُ الْعَرَبُ بِالْوَاوِ فِي قَوْلِهِ : حَتَّى إِذَا كَانَ ، وَفَلَمَّا أَنْ كَانَ ، لَمْ يُجَاوِزُوا ذَلِكَ ; قَالَ : وَالْجَوَابُ فِي إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَفِي وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ كَالْمَتْرُوكِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى مَعْرُوفٌ قَدْ تَرَدَّدَ فِي الْقُرْآنِ مَعْنَاهُ ، فَعُرِفَ وَإِنْ شِئْتَ كَانَ جَوَابُهُ : يَأَيُّهَا الْإِنْسَانُ ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : إِذَا كَانَ كَذَا وَكَذَا ، فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ تَرَوْنَ مَا عَمِلْتُمْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ، تَجْعَلُ يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ هُوَ الْجَوَابَ ، وَتُضْمِرُ فِيهِ الْفَاءَ ، وَقَدْ فُسِّرَ جَوَابُ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ فِيمَا يَلْقَى الْإِنْسَانُ مِنْ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ ، فَكَأَنَّ الْمَعْنَى : تَرَى الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا : أَنَّ جَوَابَهُ مَحْذُوفٌ تُرِكَ اسْتِغْنَاءً بِمَعْرِفَةِ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ بِمَعْنَاهُ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ رَأَى الْإِنْسَانُ مَا قَدَّمَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ : يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ وَالْآيَاتُ بَعْدَهَا .