176 - حدّثنا محمد بن يحيى ، ثنا عمرو بن الحصين ، ثنا محمد بن عبد الله بن عُلاثة ، عن عبد الكريم الجزري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : " الأذنان من الرأس " .

هذا حديث ، قال أبو محمد الإشبيلي : لا يصح ، ولم يبيّن لم ذلك ، وهو حديث معلل بأمرين :
الأول : عمرو بن الحصين البصري العقيلي ، قال ابن أبي حاتم : سمع منه أبي .
وقال : تركت الرواية عنه ، ولم يُحدّثنا بحديثه .
وقال : هو ذاهب الحديث ليس بشيء ، أخرج أوّل الشيء أحاديث مشبهة حسانا ، ثم أخرج بعد لابن عُلاثة أحاديث موضوعة فأفسد علينا ما كتبنا عنه ، فترك حديثه ، وسئل أبو زرعة عنه عندما امتنع عن التحديث عنه ، فقال : ليس هو في موضع من يحدث عنه ، هو واهي الحديث .
وقال أبو الفتح الأزدي : ضعيف جدا ، يتكلّمون فيه ، وقال ابن عدي : حدث عن الثقات بغير حديث منكر ، وهو متروك الحديث .
وقال الدارقطني : متروك .
وقال في السنن لما ذكر الحديث : عمرو وابن عُلاثة [1/450] ضعيفان . ثم ذكره من رواية جماعة عن أبي هريرة وضعفها كلّها وأغفل ذكره الحافظ المقدسي في كماله ولا ينبغي له ذلك .
الثاني : أبو اليُسير محمد بن عبد الله بن عُلاثة العقيلي ، قاضي بغداد لمحمد بن أبي جعفر ، ويُعرف بقاضي الجن ، وإن كان ابن معين وثقه .
وقال ابن سعد : كان ثقة إن شاء الله تعالى .
وقال أبو زرعة : صالح ، فقد قال أبو حاتم الرازي : يكتب حديثه ولا يحتج به .
وقال البخاري : في حديثه نظر .
وقال أبو الفتح الأزدي : لست أقنع من البخاري بهذا ، حديثه يدل على كذبه ، وكان أحد العُضل في التزيد ، وفي موضع آخر : كان واهي الحديث لا يحل كتب حديثه عن الأوزاعي ، وحديثه يدل على كذبه .
قال أبو بكر الخطيب : قد أفرط الموصلي في الميل على ابن علاثة ، وأحسبه وقعت إليه روايات لعمرو بن الحصين ، عن ابن علاثة ، فنسبه إلى الكذب لأجلها ، والعلة في تلك من جهة عمرو ؛ فإنّه كان كذابا .
وأمّا ابن عُلاثة فقد وصفه ابن معين بالثقة ، ولم أحفظ لأحد من الأئمة فيه خلاف ما وصفه به يحيى . انتهى كلامه .
وما ذكرناه من كلام الأئمة يرد قوله .
وقال ابن عدي : ابن عُلَاثة حسن ، وأرجو أنه لا بأس به .
وقال الدارقطني : عمرو بن الحصين وابن علاثة ضعيفان متروكان .
وقال ابن حبان : يروي الموضوعات عن الثقات ، لا يحل ذكره إلا على جهة القدح فيه ، ورّد به ابن القطّان حديثًا
، وكذلك ابن طاهر ، وردّ حديث : " ما عظمت نعمة الله على عبد " بقوله : ليس بحجة .
ولما ذكر أبو عيسى حديث شَهْر قال : وفي الباب عن أنس لم يزد شيئًا ، وقد تقدّم حديث عبد الله بن زيد وأبي هريرة ، وفيهما رّد لما ذكره .
وكذا حديث عبد الله بن عباس القائل فيه عبد الحق : [1/451] هو ضعيف ، وأنكر ذلك أبو الحسن ، فقال : ليس هو عندي كذلك ، بل إما صحيح وإما حسن ، وبيانه هو ما ذكره الدارقطني ، ثنا محمد بن عبد الله بن زكريا النيسابوري بمصر ، ثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق ، ثنا أبو كامل ، ثنا غندر ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : " الأذنان من الرأس " . حدّثني به أبي قال : ثنا الباغندي ، ثنا أبو كامل بهذا مثله . هذا الإِسناد صحيح بثقة رواته واتصاله ، وإنما أعلّه الدارقطني بالاضطراب في إسناده ، فتبعه أبو محمد على ذلك ، وهو ليس بعلة فيه ، والذي قال فيه الدارقطني : هو أن أبا كامل تفرّد به من غندر ، ووهم فيه عليه ، هذا ما قال ، ولم يؤيّده بشيء ولا عضده بحجة ، غير أنّه ذكر أنّ ابن جريج الذي دار الحديث عليه يُروى عنه عن سليمان بن موسى ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلًا ، وما أدري ما الذي يمنع أن يكون عنده في ذلك حديثان مسند ومرسل . انتهى كلامه .
وفي قول ابن القطان ، وحدث به عن غندر أبو كامل والمعمري ، ففي قوله : والمعمري - رّد لما قاله الدارقطني من تفرّد أبي كامل به ، عن غندر
.
ورواه أيضًا من جهة محمد بن زياد الطحان ، عن ميمون بن مهران ، عن [1/452] ابن عباس : " سئل - عليه السلام - عن الأذنين .. " الحديث ، وحديث سلمة بن قيس الأشجعي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : " إذا توضأت فانثر ، وإذا استجمرت فأوتر ، والأذنان من الرأس " .
ذكره أبو بكر الحافظ في كتاب المدرج من الأحاديث من حديث خيثمة بن سليمان ، عن وزير بن القاسم الجبيلي ، عن آدم ، عن شعبة ، عن منصور ، عن هلال بن يساف عنه ، قال : قوله في هذا الحديث " الأذنان من الرأس " - خطأ فظيع ووهم شنيع ، وذلك أنّ المتن المرفوع آخره " فأوتر " ، حسب لا زيادة عليه ، والوهم في هذا الحديث من وزير ، وهمه على آدم أو من خيثمة ، وهمه على وزير .
والحديث في كتاب آدم عن شعبة ، آخره : فأوتر ، وبعده في إثره ، بإسناد آخر عن عبد الله بن عمر : " الأذنان من الرأس " . فأسقط الناقل لحديث سلمة ما بعده من إسناد حديث ابن عمر ، ووصل منه بلفظ حديث سلمة ، وقد روى معمر والثوري وزائدة وموسى بن مطير وقيس بن الربيع هذا الحديث ، فلم يزيدوا على ما قلت لك .
وكذا رواه أبو الوليد ، عن شعبة ، عن منصور ، وروى إبراهيم بن الهيثم البلوي ، عن آدم ، عن شعبة حديث سلمة هذا ، وأتبعه بحديث ابن عمر ، وميّز كل واحد منهما عن صاحبه ، وحديث عبد الله بن عمر ذكره ابن عدي الحافظ من رواية زيد العمي ، عن نافع عنه ، وعن زيد : محمد بن الفضل بن عطية ، قال : ولعلّ البلاء منه ، فإنّه أضعف من زيد ، وذكره أيضا في ترجمة إسماعيل بن عياش ، عن يحيى بن سعيد ، عن نافع عنه ، قال : وهذا الحديث لم يحدث به عن إسماعيل غير ضمرة ، ولا عن يحيى غير إسماعيل .
وقال الدارقطني : رفعه وهم ، والصواب موقوف
، وحديث أبي [1/453] موسى الأشعري ، ذكره أبو القاسم في " الأوسط " من حديث علي بن سعيد الرازي ، ثنا الأحمر . وقال : لم يروه عن الأشعث إلا علي بن مسهر ، تفرّد به علي بن زياد ، ولا يروى عن أبي موسى إلا بهذا الإِسناد .
وقال ابن أبي حاتم في كتاب " العلل " : سمعت أبي وذكر حديث علي بن جعفر الأحمر ، عن عبد الرحيم بن سليمان ، عن أشعث ، عن الحسن عن أبي موسى مرفوعا : " الأذنان من الرأس " ، فقال أبي : ذاكرت أبا زرعة بهذا الحديث ، فقال : حدّثنا إبراهيم بن موسى ، عن عبد الرحيم ، فقال : عن أبي موسى موقوف .
ولما ذكره ابن عدي قال : لا أعلم أحدا رفعه عن عبد الرحيم غير علي الأحمر
.
وحديث عائشة قال فيه الدارقطني : إرساله أصح ، وحديث علي ذكره الدبوسي في الأسرار ، وحديث جابر بن عبد الله وسمرة بن جندب ذكرهما البيهقي في كتاب الخلافيات ، وأعلهما ، وعمم أبو محمد بن حزم بضعف سائر الأحاديث الّتي في الباب ، ووهاها ، وفيه نظر لما أسلفناه .
قال أبو عمر في كتاب التمهيد : قال مالك فيما روى عنه ابن وهب وابن القاسم وأشهب وغيرهم : " الأذنان من الرأس " ، إلا أنه قال : يستأنف لهما ماء جديدا سوى الماء الذي مسح به الرأس ، فوافق الشافعي في هذا ؛ لأن الشافعي قال : يمسح الأذنين بماء جديد كما قال مالك ، ولكنه قال : هما سنة على حيالهما لا من الوجه ولا من الرأس ، واحتج بحديث ابن جدعان : أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ لهما ماء جديدا ، وكذلك روى : [1/454] " أنه - عليه السلام - مسح ، ومسك مسبحتيه لأذنيه " ذكر ذلك أبو زيد ، وفي حديث عبد الله بن زيد المصحح إسناده عند البيهقي دلالة واضحة للشّافعي ، وهو : وأخذ لأذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذ لرأسه .
وذكره أبو عبد الله بن البيع في النوع الخامس والعشرين من علوم الحديث بسند صحيح ، أنبأنا بذلك المسند المعمر أبو النون الدبوسي بقراءتي عليه ، عن ابن المقرئ ، أنبأنا الحافظ محمد بن ناصر السلامي عن ابن خلف أنا الحاكم قراءة عليه ، قال : أنا أبو علي الحافظ ، ثنا أبو الطاهر المديني بمصر ، ثنا حرملة بن يحيى ، ثنا ابن وهب ، ثنا عمرو بن الحارث ، عن حبان بن واسع ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زيد ، فذكره ، وقال : هذه سنة غريبة تفرد بها أهل مصر ، ولم يشركهم فيها أحد
.
ورواه الترمذي بهذا الإسناد بلفظ : " مسح رأسه بماء غير فضل يديه " وقال : حسن صحيح . كذا قالَ : مسح رأسه ولم يذكر الأذنين .
وكذا حديث مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر : " أنه كان إذا توضأ يعيد إصبعيه في الماء فيمسح بهما أذنيه " .
وقال عبد الحق : روى هذا ابن جارية ، عن أبيه ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- : " تجديد الماء للأذنين " ، وهو ضعيف ، وزعم ابن القطان أنه حديث لا وجود له أصلًا .
وقال أبو عمر : وقول أبي ثور في ذلك كقوله سواء . وقال أحمد بن حنبل كقول مالك . وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه : " الأذنان من الرأس يمسحان مع الرأس بماء واحد " .
وروي عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين مثل هذا القول . وقال ابن شهاب : الأذنان من الوجه . وقال الشعبي : ما أقبل منهما من الوجه ، وظاهرهما من الرأس ، وبه قال الحسن بن حي وابن راهويه .
وحكى ابن راهويه [1/455] هذا القول عن الشافعي ، والمشهور ما تقدّم ذكره ، رواه عنه المزني والربيع والبويطي والزعفراني وغيرهم ، وقد روي عن أحمد مثل قول الشعبي وإسحاق .
وقال داود : إن مسح أذنيه فحسن ، وإن لم يمسح فلا شيء عليه ، وأهل العلم يكرهون للمتوضئ ترك مسح أذنيه ، ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يوجبون عليه إعادة إلا إسحاق ، فإنّه قال : إن ترك مسح أذنيه عمدا لم يجزه .
وقال أحمد : إنّ تركهما عمدًا أحببت أن يعيد ، وقد كان علي بن زياد صاحب مالك ، يقول : من ترك سنة من سنن الوضوء أو الصلاة عامدًا أعاد ، وهذا عند الفقهاء ضعيف ، وليس لقائله سلف ولا له حظ من النظر ، ولو كان ذلك كذلك لم يُعرف الفرض الواجب من غيره .
واحتج مالك والشافعي في أخذهما للأذنين ماء جديدا ؛ بأنّ ابن عمر كان يفعل ذلك ، وحجة أبي حنيفة حديث زيد بن أسلم ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كذلك فعل ، وحديث الصنابحي حيث قال - عليه السلام - : " فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من أذنيه " ، كما قال في الوجه : " من أشفار عينيه " ، وفي اليدين : " من تحت أظفاره " .
ومن المعلوم أن العمل في ذلك واحد بماء واحد ، واحتجوا أيضا بما رواه أبو داود ، عن ابن عباس ، ومسح برأسه مسحة واحدة ، وأكثر الآثار على هذا ، وحجة من قال : يغسل ظاهرهما مع الوجه ، ويمسح باطنهما مع الرأس أن الله عز وجل قد أمر بغسل الوجه ، وهو مأخوذ من المواجهة ، فكل ما وقع عليه اسم وجه وجب غسله ، وأمر عز وجل بمسح الرأس وما لم يواجهك من الأذنين فمن الرأس ؛ لأنهما في الرأس فوجب المسح على ما لم يواجه منهما مع الرأس ، وهو قول ترده الآثار الثابتة ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- : " أنه كان يمسح ظهور أذنيه وبطونهما " من حديث علي وابن عباس وغيرهما .
وحجة ابن شهاب أنهما من الوجه ؛ لأنه ما لم ينبت عليه الشعر فهو من الوجه ، لا من الرأس إذا أدركته المواجهة ، ولمن يكن قفا ، والله تعالى قد أمر بغسل الوجه أمرًا مطلقًا .
وفي حديث عثمان : " فأخذ ماء فمسح برأسه [1/456] وأذنيه ، يغسل ظاهرهما وباطنهما " .
ومن الحجة له أيضًا ما صح عنه - عليه السلام - : " أنّه كان يقول في سجوده : سجد وجهي للذي خلقه فشق سمعه وبصره " ، فأضاف السمع إلى الوجه .
وحجة الشافعي في قوله : إن مسحهما سنة على حيالهما -إجماع العلماء على أنّ الذي يجب عليه حلق رأسه في الحج ليس عليه أن يأخذ ما على أذنيه من الشعر .
قال أبو محمد : ولا يختلف أحد في أنّ البياض الذي بين منابت الشّعر من الرأس وبين الأذنين ليس هو من الرأس في حكم الوضوء . فمن المحال أن يكون بين أجزاء رأس الحي عضو ليس من الرأس ، وأن يكون بعض رأس الحي مباينًا لسائر رأسه ، وأيضًا لو كانا من الرأس لأجزأ أن يمسحا عن مسح الرأس ، وهذا لا يقوله أحد .
وحكى الخطابي أن قوله - عليه السلام - : " الأذنان من الرأس " - له تأويلان : أحدهما : يمسحان مع الرأس تبعًا له ، والآخر : أنهما يمسحان كما يمسح الرأس ولا يُغسلان كالوجه ، وإضافتهما إلى الرأس إضافة تشبيه وتقريب ، لا إضافة تحقيق ، وإنما هو في معنى دون معنى ، كقوله : مولى القوم منهم ، أي في حكم النصرة والموالاة دون حكم النسب واستحقاق الإرث ، ولو أوصى رجل لبني هاشم لم يعط مواليهم ، ومولى اليهودي لا يؤخذ بَالجزية ، وفائدة الكلام ومعناه عندهم إبانة الأذن عن الوجه في حكم الغسل ، وقطع الشبه فيها لما بينهما من الشبه في الصورة ، وذلك أنهما وجدتا في أصل الخلقة بلا الشعر ، وجُعلتا محلا لحاسة من الحواس ، ومعظم الحواس محلها الوجه ، فقيل : الأذنان من الرأس ؛ ليعلم أنهما ليسا من الوجه .