[2/245] 20 - باب
الصلاة على الحصير
وصلى جابر بن عبد الله وأبو سعيد في السفينة قياما .
وقال الحسن : تصلي قائما ، ما لم تشق على أصحابك ، تدور معها ، وإلا فقاعدا


إنما افتتح هذا الباب بذكر الصلاة في السفينة ؛ لأن المصلي في السفينة لا يمكنه الصلاة على التراب ، ولا على وجه الأرض ، وإنما يصلي على خشب السفينة ، أو ما فوقه من البسط أو الحصير أو الأمتعة والأحمال التي فيها .
ولهذا المعنى - والله أعلم - روي عن مسروق ومحمد بن سيرين ، أنهما كانا يحملان معهما في السفينة لبنة أو آجرة يسجدان عليها ، والظاهر : أنهما فعلا ذلك لكراهتهما السجود على غير أجزاء الأرض ، أو أن يكون اختارا السجود على اللبنة على الإيماء ، كما اختار قوم من العلماء للمريض أن يسجد على وسادة ونحوها ولا يومئ .
وروى حماد بن زيد ، عن أنس بن سيرين ، أن أنس بن مالك صلى بهم في سفينة على بساط .
وقال حرب : قلت لأحمد في الصلاة في السفينة : يسجدون على الأحمال والثياب ونحو ذلك ؟ فسهل فيه .
قال : وقال إسحاق : يصلي فيها قائما على البسط .
وروى ابن أبي شيبة : ثنا مروان بن معاوية ، عن حميد ، عن عبد الله [2/246] بن أبي عتبة مولى أنس ، قال : سافرت مع أبي سعيد الخدري وأبي الدرداء وجابر بن عبد الله - قال حميد : وناس قد سماهم - فكان إمامنا يصلي بنا في السفينة قائما ، ونصلي خلفه قياما ولو شئنا لأرفينا وخرجنا .
ورواه الأثرم عن ابن أبي شيبة ، وذكر أن أحمد احتج به .
وقد رواه عن حميد : معاذ بن معاذ وسفيان الثوري ، وقال : أراه ذكر منهم : أبا هريرة .
وروى الأثرم : ثنا مسلم بن إبراهيم : ثنا عبد الله بن مروان ، قال : سألت الحسن ، قلت : أسافر ، فكيف الصلاة في السفينة ؟ قال : قائما ، ما لم يشق على أصحابك . قلت : إنها عواقيل ؟ قال : أدرها كما تدور ، فإذا استقبلت القبلة فصله .
وأكثر العلماء على أن المصلي في السفينة يلزمه أن يصلي قائما إذا قدر على ذلك من غير ضرر ، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأحمد .
وقالت طائفة : لا يلزمه القيام ، وله أن يصلي قاعدا بكل حال إذا كانت سائرة ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه .
وروي عن أنس ، أنه صلى بهم في السفينة قاعدا .
وعن مجاهد ، قال : كنا مع جنادة بن أبي أمية في البحر ، فكنا نصلي قعودا .
وهذه قضايا أعيان ، يحتمل أنهم فعلوا ذلك للخوف على أنفسهم ، أو لضرر يحصل لهم بالقيام .
وقد روي في هذا حديث مرفوع عن جعفر بن برقان ، عن ميمون بن مهران ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر جعفر بن أبي طالب وأصحابه أن يصلوا في السفينة قياما ، إلا أن يخافوا الغرق .
[2/247] وقد رواه عن جعفر بن برقان : عبد الله بن داود الخريبي ، ولم يسمعه منه ، بل قال : ثناه رجل من أهل الكوفة من ثقيف ، عن جعفر بن برقان .
واختلف عليه بعد ذلك في إسناده .
فقيل : عنه ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وقيل : عنه ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وقيل : عنه ، عن ابن عمر ، عن جعفر بن أبي طالب .
ورواه حسين بن علوان ، عن جعفر بن برقان ، عن ميمون ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وحسين ، متروك الحديث .
ورواه - أيضا - أبو نعيم الفضل بن دكين : ثنا جعفر بن برقان ، عن ميمون بن مهران ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
خرجه من طريقه الدارقطني والبيهقي .
وهذا منكر ، وفي صحته عن أبي نعيم نظر .
وقد خرجه الدارقطني من رواية بشر بن فافا ، عنه .
وهذا رجل لا يعرف حاله بالكلية ، وقد وصفه بالجهالة جماعة ، منهم عبد الحق الأشبيلي وابن الجوزي .
وخرجه الحاكم والبيهقي من طريق ابن أبي الحنين ، عن أبي نعيم .
[2/248] وزعم الحاكم أنه على شرط الشيخين ، وما أبعده من ذلك ، ولو كان مقاربا لشرط البخاري فضلا عن أن يكون على شرطه لذكره تعليقا ، ولم يقتصر على ما رُوي عن الصحابة خاصة .
وقال البيهقي : هو حسن . والله أعلم .

وقول الحسن : يدورون كلما دارت - يعني : أنهم يصلون إلى القبلة ، فكلما انحرفت السفينة عن القبلة داروا معها .
وهذا مع القدرة ، فإذا عجزوا عن ذلك للخوف على أنفسهم فإنه يكفيهم الاستقبال في أول الصلاة ، نص عليه مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة . والله أعلم .