باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع أو مجاوزة الحد الذي أمر به

أي هذا باب في بيان ما يحذر إلى آخره ، وهذه الترجمة بعينها رواية الأصيلي وكريمة . قوله : " أو مجاوزة الحد " ، أي : في بيان مجاوزة الحد الذي أمر به . وفي رواية ابن شبويه " أو يجاوز الحد " .
وفي رواية النسفي ، وأبي ذر : " أو جاوز الحد " والمراد بالحد الذي شرع سواء كان واجبا أو سنة أو ندبا .
2 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : حدثنا عبد الله بن سالم الحمصي قال : حدثنا محمد بن زياد الألهاني ، عن أبي أمامة الباهلي ، قال : ورأى سكة وشيئا من آلة الحرث ، فقال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الذل .

مطابقته للترجمة في قوله : " لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الذل " ، فإذا كان كذلك ينبغي الحذر من عواقب الاشتغال به ؛ لأن كل ما كان عاقبته ذلا يحذر عنه ، ولما ذكر فضل الزرع والغرس في الباب السابق أراد الجمع بينه وبين حديث هذا الباب ؛ لأن بينهما منافاة بحسب الظاهر ، وأشار إلى كيفية الجمع بشيئين أحدهما هو قوله " ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع " وذلك إذا اشتغل به ، فضيع بسببه ما أمر به ، والآخر هو قوله " أو مجاوزة الحد " وذلك فيما إذا لم يضيع ولكنه جاوز الحد فيه . وقال الداودي : هذا لمن يقرب من العدو ، فإنه إذا اشتغل بالحرث لا يشتغل بالفروسية ويتأسد عليه العدو ، وأما غيرهم ، فالحرث [12/157] محمود لهم . وقال عز وجل : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ الآية ، ولا يقوم إلا بالزراعة ومن هو بالثغور المتقاربة للعدو لا يشتغل بالحرث ، فعلى المسلمين أن يمدوهم بما يحتاجون إليه .
وعبد الله بن يوسف التنيسي أبو محمد من أفراد البخاري وعبد الله بن سالم أبو يوسف الأشعري ، مات سنة تسع وسبعين ومائة ، ومحمد بن زياد الألهاني بفتح الهمزة وسكون اللام نسبة إلى ألهان أخو همدان بن مالك بن زيد هذا في كهلان ، وألهان أيضا في حمير ، وهو ألهان بن جشم بن عبد شمس ونسبة محمد بن زياد إلى ألهان هذا قال ابن دريد : ألهان من قولهم لهنوا ضيوفهم ، أي : أطعموهم ما يتعلل به قبل الغذاء ، وكان ألهان جمع لهن واسم ما يأكله الضيف لهنة ، وليس لعبد الله بن سالم ولمحمد بن زياد في الصحيح غير هذا الحديث .
وقال بعضهم : ورجال الإسناد كلهم شاميون وكلهم حمصيون إلا شيخ البخاري . ( قلت ) : شيخ البخاري أيضا أصله من دمشق .
وهذا الحديث من أفراد البخاري
.
قوله " عن أبي أمامة " . وفي رواية أبي نعيم في المستخرج : سمعت أبا أمامة . قوله : " ورأى سكة " الواو فيه للحال ، والسكة بكسر السين المهملة ، وتشديد الكاف هي الحديدة التي يحرث بها . قوله : " إلا أدخله الذال " .
وفي رواية الكشميهني " إلا دخله الذل " .
وفي رواية أبي نعيم المذكورة : " إلا أدخلوا على أنفسهم ذلا لا يخرج إلى يوم القيامة " ووجه الذل ما يلزم الزارع من حقوق الأرض ، فيطالبهم السلطان بذلك . وقيل : إن المسلمين إذا أقبلوا على الزراعة شغلوا عن العدو ، وفي ترك الجهاد نوع ذل .
وفي الحديث علامة النبوة ، قال ابن بطال : وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - علم أن من يأتي آخر الزمان يجورون في أخذ الصدقات والعشور ويأخذون في ذلك أكثر مما يجب لهم ؛ لأنه ذل لمن أخذ منه بغير الحق ، انتهى . ( قلت ) : قوة الذل وكثرته في الزراعين في أراضي مصر ، فإن أصحاب الإقطاعات يتسلطون عليهم ويأخذون منهم فوق ما عليهم بضرب وحبس وتهديد بالغ ، ويجعلونهم كالعبيد المشترين ، فلا يتخلصون منهم ، فإذا مات واحد منهم يقيمون ولده عوضه بالغصب والظلم ، ويأخذون غالب ما تركه ويحرمون ورثته .
قوله : " قال محمد " هو محمد بن الزياد الراوي واسم أبي أمامة الذي روى عنه صدي بضم الصاد وفتح الدال المهملتين ، وتشديد الياء ابن عجلان بن وهب الباهلي نزل بحمص ، ومات في قرية يقال لها : دقوة ، على عشرة أميال من حمص سنة إحدى وثمانين وعمره إحدى وتسعون سنة ، وقد قيل إنه آخر من مات بالشام من الصحابة ، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث وحديث آخر في الأطعمة وآخر في الجهاد من قوله : " يدخل في حكم المرفوع ، وفي بعض النسخ : قال أبو عبد الله : هو البخاري نفسه ، وهذا وقع للمستملي وحده .