باب مناقب جعفر بن أبي طالب الهاشمي رضي الله عنه

أي هذا باب في بيان مناقب جعفر بن أبي طالب أخ علي بن أبي طالب شقيقه ، وكان أسن منه بعشر سنين ، واستشهد بمؤتة على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى سنة ثمان من الهجرة ، وكنيته أبو عبد الله الطيار ذو الجناحين ، وذو الهجرتين ، الشجاع الجواد ، كان متقدم الإسلام ، هاجر إلى الحبشة ، وكان هو سبب إسلام النجاشي ، ثم هاجر إلى المدينة ، ثم أمره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على جيش غزوة مؤتة على ما يجيء بيانه ، ولما قطعت يداه في غزوة مؤتة جعل الله له جناحين يطير بهما في الجنة مع الملائكة رضي الله تعالى عنه ، ولفظة باب هنا وفيما بعده من الأبواب كلها سقطت في رواية أبي ذر ، وثبتت في رواية الباقين .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : أشبهت خلقي وخلقي .

هذا التعليق رواه البخاري موصولا مطولا في باب عمرة القضاء من حديث البراء ، ومر الكلام في أول مناقب علي رضي الله تعالى عنه في قوله : " أنت مني وأنا منك " .
204 - حدثنا أحمد بن أبي بكر ، حدثنا محمد بن إبراهيم بن دينار أبو عبد الله الجهني ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الناس كانوا يقولون : أكثر أبو هريرة : وإني كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطني حتى لا آكل الخمير ، ولا ألبس الحبير ، ولا يخدمني فلان ولا فلانة ، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع ، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني ، وكان أخير الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب كان يقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها .

مطابقته للترجمة في قوله : وكان أخير الناس... إلى آخره ؛ لأن هذا منقبة حسنة .
وأحمد بن أبي بكر واسمه قاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف أبو مصعب القرشي الزهري ، ومحمد بن إبراهيم بن دينار يروي عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، وهؤلاء كلهم مدنيون .
والحديث أخرجه البخاري أيضا في الأطعمة عن عبد الرحمن بن أبي شيبة ، عن ابن أبي فديك .
قوله : " أكثر أبو هريرة " أي : في رواية الحديث .
قوله : " بشبع " أي : بسبب شبع بطني .
[16/220] وفي رواية الكشميهني : لشبع بطني أي : لأجل شبع بطني ، بكسر الشين ، وفتح الباء .
قوله : " حتى لا آكل " هذه رواية الكشميهني . وفي رواية غيره : حين لا آكل ، وهو الأوجه .
قوله : " الخمير " بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم ، وهو الخبز الذي خمر وجعل في عجينه الخميرة ، ويروى الخبيز بكسر الباء الموحدة وفي آخره زاي ، وهو الخبز المأدوم والخبزة بضم المعجمة وسكون الباء الموحدة وبالزاي الأدم .
قوله : " ولا ألبس الحبير " ، بفتح الحاء المهملة وكسر الباء الموحدة وبالراء في آخره الجديد والحسن ، وقيل : الثوب المحبر كالبرود اليمانية ، وقال الهروي : الحبير ثياب تصبغ باليمن ، ويروى : ولا ألبس الحرير .
قوله : " فلان وفلانة " أراد به من يخدم من الذكور والإناث .
قوله : " وكنت ألصق بطني " وفائدة إلصاق البطن بالحصباء انكسار حرارة شدة الجوع .
وقوله : " وإن كنت لاستقرئ الرجل " قال بعضهم أي : أطلب منه القرى ، فيظن أني أطلب منه القراءة . قال : ووقع بيان ذلك في رواية لأبي نعيم في الحلية عن أبي هريرة أنه وجد عمر ، فقال : أقريني فظن أنه من القراءة ، فأخذ يقرئه القرآن ، ولم يطعمه ، قال : وإنما أردت منه الطعام ، انتهى .
قلت : هذا الذي قاله غير صحيح ، ويظهر فساده من قوله : " كنت لأستقرئ الرجل " الآية هي معي أي : والحال أن تلك الآية معي ، وهي جملة اسمية ، وقعت حالا بغير واو .
قال الكرماني : أي الآية معي أي كنت أحفظها ، والحاصل أن أبا هريرة يقول لواحد من الناس : إني أطلب قراءة آية من القرآن ، والحال أنه يحفظها ، ولكن يتخيل في قصده من هذا أن يؤديه إلى بيته فيطعمه شيئا ، وهو معنى قوله : " كي ينقلب بي " أي : يرجع بي إلى منزله فيطعمني شيئا ، والدليل على هذا ما رواه الترمذي من حديث أبي هريرة : إن كنت لأسأل الرجل عن الآية ، وأنا أعلم بها منه ما أسأله إلا ليطعمني شيئا ، واستدلال هذا القائل على المعنى الذي فسره بما رواه أبو نعيم لا يفيده أصلا ؛ لأنه قضية أخرى مخصوصة بما وقع بينه وبين عمر رضي الله تعالى عنه ، والذي هنا أعم من ذلك .
قوله : " وكان أخير الناس " على وزن أفعل التفضيل ، وفي رواية الكشميهني : وكان خير الناس لغتان فصيحتان مستعملتان .
قوله : " للمساكين " . وفي رواية الكشميهني : للمسكين بالإفراد ، وهو جنس يتناول المساكين ، وكان جعفر يسمى بأبي المساكين ، وكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يكنيه بهذا .
قوله : " ما كان في بيته " في محل النصب ؛ لأنه مفعول ثان ليطعمنا .
قوله : " حتى إن كان " ، كلمة إن هذه مخففة من المثقلة .
قوله : " ليخرج " ، بضم الياء من الإخراج والعكة بالنصب مفعوله ، وهي بضم العين المهملة وتشديد الكاف وعاء السمن .
قوله : " فنلعق " بنون المتكلم مع الغير من لعق يلعق من باب علم يعلم لعقا بفتح اللام ، وهو اللحس .
فإن قلت : بين قوله : " ليس فيها شيء " وبين قوله : " فنلعق " منافاة ظاهرا .
قلت : لا منافاة ؛ لأن معنى قوله : " ليس فيها شيء " يعني يمكن إخراجه منها بغير قطعها ، ومعنى قوله : " فنلعق " يعني بعد الشق نلعق مما يبقى في جوانبها ، فافهم .