باب لا يسب الرجل والديه

أي هذا باب يذكر فيه لا يسب الرجل والديه ، وهذا الإسناد مجازي لأنه صار سببا لسب والديه .
4 - حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه ، قيل : يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه ، قال : يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه .

مطابقته للترجمة تفهم من معنى الحديث ، وأحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي ، وإبراهيم بن سعد يروي عن أبيه سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، وسعد يروي عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري .
والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن قتيبة وآخرين ، وأخرجه أبو داود في الأدب عن محمد بن جعفر بن زياد وغيره ، وأخرجه الترمذي في البر عن قتيبة به .
قوله : " من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه " ولفظ الترمذي " من الكبائر أن يشتم الرجل والديه " وهذا يقتضي أن سب الرجل والديه كبيرة ، ورواية البخاري تقتضي أنه من أكبر الكبائر وبينهما فرق من حيث إن الكبائر متفاوتة وبعضها أكبر من بعض ، وهو قول العلماء ، وعد أكبر الكبائر في حديث أبي بكرة على ما يجيء ثلاثة : الإشراك بالله وعقوق الوالدين ، وقول الزور وهو شهادة الزور ، واقتصر في أكبر الكبائر على هذه الثلاثة ، وزاد في حديث بريدة ، رواه البزار : منع فضل الماء ومنع الفحل ، فصار كل ذلك خمسة ، وروى الترمذي من رواية أبي أمامة عن [22/84] عبد الله بن أنيس بلفظ : إن من أكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس ، فصار ستة ، وحديث عمرو بن حزم الطويل في المائة المنتقاة " إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة الشرك بالله وقتل النفس المؤمنة بغير حق والفرار في سبيل الله يوم الزحف وعقوق الوالدين ورمي المحصنة وتعلم السحر وأكل الربا وأكل مال اليتيم " فصارت اثني عشر ، وروى الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس مرفوعا : " الخمر أم الفواحش وأكبر الكبائر " وروى أيضا فيه موقوفا على عبد الله بن عمرو " أعظم الكبائر شرب الخمر " ومثله لا يقال من قبل الرأي ، وروى أيضا في الكبير من حديث واثلة بن الأسقع قال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : " إن من أكبر الكبائر أن يقول الرجل علي ما لم أقل " فصار المجموع أربع عشر ، وأما ما ورد في تعديد الكبائر من غير تقييد بأكبرها ، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : " اجتنبوا السبع الموبقات ، قالوا : يا رسول الله ، ما هي ؟ قال : الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " .
وروى البزار من حديث ابن عباس بإسناد حسن أن رجلا قال : يا رسول الله ، ما الكبائر ؟ قال : الشرك بالله واليأس من روح الله والقنوط من رحمة الله ، وروى الحاكم في المستدرك من رواية عبيد بن عمير ، عن أبيه أنه حدثه وكانت له صحبة : أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال في حجة الوداع ، الحديث وفيه : ويجتنب الكبائر ، فقال هي تسع ، وذكر ما في حديث أبي هريرة وزاد استحلال بيت الله الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا ، وعن ابن عباس قال : " كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة " وحكى الطبري عنه قال : " كل ذنب ختمه الله بنار أو لعنة أو غضب فهو كبيرة " وقال طاوس : "قيل لابن عباس : الكبائر سبع ، قال : هي إلى السبعين أقرب" ، وقال سعيد بن جبير : قال رجل لابن عباس : الكبائر سبع ؟ قال : هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع ، غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار .
وروى الطبراني في الكبير من حديث سهل بن أبي خيثمة قال : سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : اجتنبوا السبع الكبائر ، الحديث وفيه : والتغرب بعد الهجرة ، وروى البيهقي عن ابن عباس قال الكبائر ، فذكر أشياء منها اليمين الغموس الفاجرة والغلول ومنع الزكاة وكتمان الشهادة وترك الصلاة متعمدا وأشياء مما فرضها الله ونقض العهد ، وروى ابن أبي الدنيا في كتاب التوبة ، عن ابن عباس قال : كل ذنب أصر عليه العبد كبيرة ، وفيه الربيع بن صبيح وقد اختلف فيه ، وقال شيخنا زين الدين رحمه الله : اجتمع من مجموع هذه الأحاديث المرفوعة والموقوفة نحو أربعين من الكبائر ، ثم ذكرها فلنذكر ما لم يذكر هاهنا وهو ادعاء الرجل إلى غير أبيه ، وإراءة عينيه ، والإصرار على الصغيرة ، والانتفاء من ولد له ، وبهت المؤمن ، والحقد ، والزنا ، والسرقة ، والسعاية ببريء إلى ذي سلطان فيقتله ، والغلول ، والغيبة ، واللواطة ، ونسيان سورة أو آية من القرآن ، والنميمة ، وحكى الرافعي عن جماعة أنهم عدوا من الكبائر غصب المال ، والهروي شرط في المغصوب كونه نصابا ، وحكي عن صاحب العدة أنه أضاف إليها الإفطار في رمضان بلا عذر ، والخيانة في كيل أو وزن ، وتقديم الصلاة عن وقتها أو تأخيرها عنه بلا عذر ، وضرب مسلم بلا حق ، وسب الصحابة ، وأخذ الرشوة ، والدياثة ، والقيادة من الرجل والمرأة ، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة ، وإحراق الحيوان ، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب ، ويقال : والوقيعة في أهل العلم وحملة القرآن ، ومما عد من الكبائر أكل لحم الخنزير والميتة بلا عذر ، حكاه الرافعي ، ونقل عن الشافعي أن الوطء في الحيض كبيرة ، واختلفوا في سماع الأوتار ولبس الحرير والجلوس عليه ونحوها ، هل هو من الكبائر أو الصغائر ، فمال إمام الحرمين إلى أنه من الكبائر ، وصحح الرافعي أنه من الصغائر ، والله أعلم .
قوله : " قيل يا رسول الله ، وكيف يلعن الرجل والديه " هذا استبعاد من السائل ؛ لأن الطبع المستقيم يأبى ذلك ، فبين في الجواب أنه وإن لم يتعاطى ذلك بنفسه ولكنه يكون سببا لذلك ، وفي هذا الزمان من الناس الطغام من يسب والديه بل يضربهما ، ولقد شاهد جماعة ذلك من العققة الفجرة ، وربما [22/85] ذبح والده ، أخبرني بذلك جماعة ، وكثرت هذه المصيبة في الديار المصرية ، نسأل الله العفو والعافية .