|
باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين .
أي هذا باب فيه ذكر من قتل له قتيل ، أي القتيل بهذا القتل لا بقتل سابق ، لأن قتل القتيل محال ، وقال الكرماني : ومثله يذكر في علم الكلام على سبيل المغالطة ، قالوا : لا يمكن إيجاد موجود لأن الموجد إما أن يوجده في حال وجوده فهو تحصيل الحاصل ، وإما في حال العدم فهو جمع بين النقيضين ، فيجاب باختيار الشق الأول إذ ليس إيجادا للموجود بوجود سابق ليكون تحصيل الحاصل بل إيجاد له بهذا الوجود ، وكذا حديث من قتل قتيلا فله سلبه ، قوله : "فهو" أي ولي القتيل بخير النظرين أي الدية أو القصاص . 19 - حدثنا أبو نعيم ، حدثنا شيبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن خزاعة قتلوا رجلا ، وقال عبد الله بن رجاء ، حدثنا حرب ، عن يحيى ، حدثنا أبو سلمة ، حدثنا أبو هريرة أنه عام فتح مكة قتلت خزاعة رجلا من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله حبس عن مكة الفيل ، وسلط عليهم رسوله والمؤمنين ، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، ألا وإنما أحلت لي ساعة من نهار ، ألا وإنها ساعتي هذه حرام لا يختلى شوكها ، ولا يعضد شجرها ، ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد ، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين ، إما يودى ، وإما يقاد ، فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه : فقال : اكتب لي يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتبوا لأبي شاه ، ثم قام رجل من قريش فقال : يا رسول الله ، إلا الإذخر ، فإنما نجعله في بيوتنا ، وقبورنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الإذخر .
مطابقته للترجمة من حيث إن الترجمة من لفظ الحديث . وأخرجه من طريقين أحدهما عن أبي نعيم بضم النون الفضل بن دكين ، عن شيبان بن عبد الرحمن النحوي أصله بصري سكن الكوفة ، عن يحيى بن أبي كثير اليمامي الطائي ، واسم أبي كثير صالح بن المتوكل ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبي هريرة ، ومضى هذا في العلم في باب كتابة العلم ، فإنه أخرجه هناك ، عن أبي نعيم ، عن شيبان ، إلخ نحوه ، وفيه بعض الزيادة والنقصان ، والطريق الآخر أخرجه عن عبد الله بن رجاء بن المثنى البصري في صورة التعليق ، وهو أيضا شيخه ، روى عنه في غير موضع ، وروى عن محمد غير منسوب عنه [24/43] عن حرب بن شداد ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، ووصله البيهقي من طريق هشام بن علي السيرافي ، عنه ، وساق البخاري الحديث هنا على لفظ حرب ، وساق الطريق الأول على لفظ شيبان ، كما في كتاب العلم ، ومراده من الطريق الثاني تبيين عدم تدليس يحيى بن أبي كثير ، وتقدم في اللقطة من طريق الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن أبي سلمة مصرحا بالتحديث في جميع السند . قوله : "أنه" أي الشأن ، قوله : "خزاعة" بضم الخاء المعجمة وبالزاي وهي قبيلة كانوا غلبوا على مكة ، وحكموا فيها ، ثم أخرجوا منها ، فصاروا في ظاهرها ، وكانت بينهم وبين بني بكر عداوة ظاهرة في الجاهلية ، وكانت خزاعة حلفاء بني هاشم بن عبد مناف إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت بنو بكر حلفاء قريش ، قوله : "رجلا من بني ليث" واسم الرجل القاتل من خزاعة خراش بالخاء والشين المعجمتين ابن أمية الخزاعي ، واسم المقتول منهم في الجاهلية أحمر ، واسم المقتول من بني ليث قبيلة ، لم يدر اسمه ، وبنو ليث قبيلة مشهورة ينسبون إلى ليث بن بكر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ، قوله : "حبس عن مكة الفيل" أشار به إلى قصة الحبشة ، وهي مشهورة ، قوله : "ألا" بفتح الهمزة واللام المخففة وهي كلمة تنبيه تدل على تحقق ما بعدها ، وتأتي لمعان أخر ، قوله : "ولا يختلى" بالخاء المعجمة أي لا يجز شوكها ، قوله : "ولا يعضد" أي لا يقطع ، قوله : "ولا يلتقط" بفتح الياء من الالتقاط وفاعله هو قوله : "إلا منشد" بالرفع وهو المعرف يعني لا يجوز لقطتها إلا للتعريف ، قوله : "فهو" أي ولي القتيل بخير النظرين وهما الدية والقصاص ، قوله : "إما يودى" بضم الياء على صيغة المجهول ، ويروى : إما أن يؤدى ، أي إما أن يعطى الدية وإما أن يقاد أي يقتص من القود ، وهو القصاص واختلف العلماء في أخذ الدية من قاتل العمد فروي عن سعيد بن المسيب ، والحسن ، وعطاء أن ولي المقتول بالخيار بين القصاص وأخذ الدية ، وبه قال الليث ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وقال الثوري ، والكوفيون : ليس له إذا كان عمدا إلا القصاص ، ولا يأخذ الدية إلا إذا رضي القاتل ، وبه قال مالك في المشهور عنه ، قوله : "أبو شاه" بالهاء لا غير على المشهور ، وقيل بالتاء ، قوله : "ثم قام رجل من قريش" هو العباس بن عبد المطلب وقد مر الكلام فيه مبسوطا في كتاب العلم ، وكتاب الحج ، و"الإذخر" بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الخاء المعجمة وبالراء وهي حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها البيوت فوق الخشب ، وهمزتها زائدة . وتابعه عبيد الله عن شيبان في الفيل .
أي تابع حرب بن شداد عبيد الله بن موسى بن باذام الكوفي ، وهو شيخ البخاري أيضا في روايته عن شيبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة بلفظ الفيل بالفاء وهو الحيوان المشهور ، وقد مر في كتاب العلم : حبس مكة عن القتل أو الفيل بالشك . قال بعضهم : عن أبي نعيم القتل .
أراد بالبعض محمد بن يحيى الذهلي ، فإنه روى عن أبي نعيم الفضل بن دكين "القتل" بالقاف والتاء المثناة من فوق ، وقد مر في العلم وجعلوه على الشك كذا قال أبو نعيم : الفيل أو القتل ، وغيره يقول : الفيل يعني بالفاء . وقال عبيد الله : إما أن يقاد أهل القتيل .
هو عبيد الله بن موسى المذكور شيخ البخاري أي قال في روايته الحديث المذكور عن شيبان بعد قوله : "إما أن يؤدى وإما أن يقاد أهل القتيل" يعني زاد هذه اللفظة وهي في روايته : إما أن يعطى الدية وإما أن يقاد أهل القتيل ، ومعناه يؤخذ لأهل القتيل بثأرهم هكذا يفسر حتى لا يبقى الإشكال وقد استشكله الكرماني ، ثم أجاب بقوله : هو مفعول ما لم يسم فاعله ليودى له ، وأما مفعول يقاد ضمير عائد إلى القتيل ، وبالتفسير الذي فسرناه يزول الإشكال فلا يحتاج إلى التكلف . 20 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن مجاهد ، عن ابن عباس رضي [24/44] الله عنهما قال : كانت في بني إسرائيل قصاص ، ولم تكن فيهم الدية ، فقال الله لهذه الأمة : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى إلى هذه الآية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ قال ابن عباس : فالعفو أن يقبل الدية في العمد ، قال : فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ أن يطلب بمعروف ويؤدي بإحسان .
مطابقته للترجمة من حيث إن لولي القتيل ترك القصاص والرضا بالدية وإن الاختيار في أخذ الدية ، أو الاقتصاص راجع إلى ولي القتيل ، ولا يشترط في ذلك رضا القاتل ، وكذا كان قصد البخاري من الترجمة المذكورة . وسفيان هو ابن عيينة ، وعمرو بفتح العين ابن دينار ، وقد تقدم في سورة البقرة عن الحميدي ، عن سفيان حدثنا عمرو ، سمعت مجاهدا ، عن ابن عباس هكذا وصله ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، وهو أثبت الناس في عمرو ، ورواه ورقاء بن عمر ، عن عمرو ، فلم يذكر فيه ابن عباس أخرجه النسائي . قوله : "كانت في بني إسرائيل قصاص" كذا هنا كانت بالتأنيث ، وفي رواية الحميدي ، عن سفيان : "كان" وهو أوجه ، ولكنه أنث هنا باعتبار معنى المقاصة ، ولم يكن في دين عيسى عليه السلام القصاص ، فكل واحد منهما واقع في الطرف ، وهذا الدين الإسلامي هو الواقع وسطا ، قوله : "فقال الله إلى قوله : فمن عفي له من أخيه شيء" كذا وقع في رواية قتيبة ، وكذا وقع في رواية أبي ذر ، والأكثرين ، ووقع في رواية النسفي ، والقابسي إلى قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ووقع في رواية ابن أبي عمر في مسنده إلى قوله : في هذه الآية ، وبهذا يظهر المراد ، وإلا فالأول يوهم أن قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ في آية تلي الآية المبدأ بها ، وليس كذلك ، قوله : "فالعفو أن يقبل" أي ولي القتيل أن يقبل الدية "في العمد" يعني يترك له دمه ، ويرضى منه بالدية ، قوله : " فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ " أي في المطالبة بالدية من القاتل ، وعلى القاتل إذ ذاك أداء إليه بإحسان وهو معنى قوله : "ويؤدي بإحسان" أي القاتل كما ذكرنا .
|