باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم .

أي هذا باب فيه : إذا أصاب قوم من رجل يعني إذا فجعوه ، قوله : "يعاقب" على بناء المجهول كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية : "يعاقبون" بصيغة الجمع ، وفي رواية : "يعاقبوا" بحذف النون ، وهي لغة ضعيفة ، وقال الكرماني : فإن قلت ما مفعول قوله : يعاقب ؟ قلت : هو من تنازع الفعلين في لفظ كلهم ، فإن قلت : ما فائدة الجمع بين المعاقبة والاقتصاص ؟ قلت : الغالب أن القصاص يستعمل في الدم ، والمعاقبة المكافأة ، والمجازاة مثل مجازاة اللد ، ونحوه ، فلعل غرضه التعميم ولهذا فسرنا الإصابة بالتفجيع [24/55] ليتناول الكل ، قوله : "أو يقتص منهم كلهم" يعني إذا قتل أو جرح جماعة شخصا واحدا هل يجب القصاص على الجميع أو يتعين واحد ليقتص منه ، ولم يذكر الجواب اكتفاء بما ذكره في الباب ، ولمكان الاختلاف فيه ، فروي عن محمد بن سيرين أنه قال في الرجل يقتله الرجلان : يقتل أحدهما ويؤخذ الدية من الآخر ، وقال الشعبي في الرجل يقتله النفر : يدفع إلى أولياء المقتول فيقتلون من شاؤوا ويعفون عمن شاؤوا ، ونحوه عن ابن المسيب ، والحسن ، وإبراهيم .
ومذهب جمهور العلماء أن جماعة إذا قتلوا واحدا قتلوا به أجمع ، وروي نحوه عن علي ، والمغيرة بن شعبة ، وعطاء ، وروي عن عبد الله بن الزبير ، ومعاذ : أن لولي القتيل أن يقتل واحدا من الجماعة ، ويأخذ بقية الدية من الباقين مثل أن يقتله عشرة أنفس ، فله أن يقتل واحدا منهم ، ويأخذ من التسعة تسعة أعشار الدية ، وبه قال ابن سيرين ، والزهري ، وقالت الظاهرية : لا قود على واحد منهم أصلا ، وعليهم الدية ، وبه قال ربيعة ، وهو خلاف ما أجمعت عليه الصحابة .
وقال مطرف ، عن الشعبي في رجلين شهدا على رجل أنه سرق فقطعه علي ثم جاءا بآخر ، وقالا : أخطأنا ، فأبطل شهادتهما ، وأخذا بدية الأول ، وقال : لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما .

مطرف بضم الميم اسم فاعل من التطريف بالطاء المهملة والراء ابن طريف بفتح الطاء وكسر الراء يروي عن عامر الشعبي .
قوله : "شهدا على رجل" كانت الشهادة عند علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بأن الرجل المذكور سرق فقطعه علي رضي الله تعالى عنه لثبوت سرقته عنده بشهادة هذين الاثنين ، قوله : "ثم جاءا بآخر" بلفظ التثنية أي ثم جاء هذان الشاهدان عند علي رضي الله تعالى عنه برجل آخر ، وقالا : أخطأنا في ذلك ، وكان السارق هذا لا ذاك ، قوله : "فأبطل" أي علي شهادتهما هذه التي وقعت على الرجل الثاني لكونهما صارا متهمين ، قوله : "وأخذا" على صيغة المجهول ، أي وأخذ الشاهدان المذكوران بدية الأول أي الرجل الأول الذي قطعت يده ، ويروى : "وأخذ" بالإفراد على صيغة المعلوم أي وأخذهما علي رضي الله تعالى عنه بدية الرجل الأول ، قوله : "وقال" أي علي "لو علمت أنكما تعمدتما" أي في شهادتكهما لقطعتكما ، لأنهما قد أقرا بالخطأ فيه ، وهذا التعليق رواه الشافعي رضي الله تعالى عنه ، عن سفيان بن عيينة أحد مشايخه ، عن مطرف المذكور ، وفي التلويح رواه الطبري ، عن بندار ، عن شعبة ، عن قتادة عنه .