باب المبشرات

أي هذا باب في بيان المبشرات ، وهي بكسر الشين جمع مبشرة ، قال بعضهم : وهي البشرى .
قلت : ليس كذلك ؛ لأن البشرى اسم بمعنى البشارة ، والمبشرة اسم فاعل للمؤنث من التبشير ، وهو إدخال السرور والفرح على المبشر بفتح الشين ، والمراد بالمبشرة هنا الرؤيا الصالحة ، وقد ورد في قوله تعالى : لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا هي الرؤيا الصالحة ، أخرجه الترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم من رواية أبي سلمة ، عن عبد الرحمن ، عن عبادة بن الصامت .
9 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، حدثني سعيد بن المسيب ، أن أبا هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لم يبق من النبوة إلا المبشرات ، قالوا : وما المبشرات ؟ قال : الرؤيا الصالحة .

مطابقته للترجمة ظاهرة وأبو اليمان الحكم بن نافع ، والحديث من أفراده .
قوله ( لم يبق ) قال الكرماني : قوله ( لم يبق ) فإن قلت : هو في معنى الماضي لكن المراد منه الاستقبال إذ قبل زمانه وحال زمانه كان غيرها باقيا منها ، فالمراد بعده ؟! قلت : صدق في زمانه أنه لم يبق لأحد غيره نبوة .
فإن قلت : هل يقال لصاحب الرؤيا الصالحة له شيء من النبوة ؟ قلت : جزء النبوة ليس بنبوة ، إذ جزء الشيء غيره ، أو لا هو ولا غيره ، فلا نبوة له .
فإن قلت : الرؤيا الصالحة أعم لاحتمال أن تكون منذرة ، إذا الصلاح قد يكون باعتبار تأويلها ؟ قلت : فيرجع إلى المبشر ، نعم يخرج منها ما لا صلاح لها ، لا صورة ولا تأويلا .
وقال ابن التين : معنى الحديث أن الوحي ينقطع بموتي ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا ، فإن قيل : يرد عليه الإلهام ؛ لأن [24/135] فيه إخبارا بما سيكون وهو للأنبياء بالنسبة للوحي كالرؤيا ويقع في غير الأنبياء كما تقدم في مناقب عمر رضي الله تعالى عنه : قد كان فيمن مضى من الأمم محدثون ، وفسر المحدث بفتح الدال بالملهم بفتح الهاء ، وقد أخبر كثير من الأولياء عن أمور مغيبة فكانت كما أخبروا ، وأجيب بأن الحصر في المنام لكونه يشمل آحاد المؤمنين بخلاف الإلهام ، فإنه مختص بالبعض ومع كونه مختصا فإنه نادر .
وقال المهلب ما حاصله : إن التعبير بالمبشرات خرج للأغلب ، فإن من الرؤيا ما تكون منذرة ، وهي صادقة يريها الله للمؤمن رفقا به ليستعد لما يقع قبل وقوعه .