بسم الله الرحمن الرحيم
باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء .


أي : هذا باب في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى آخره ، هذه الترجمة حديث أخرجه أحمد وابن أبي شيبة والبزار من حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - أن عمر - رضي الله تعالى عنه - أتى بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه فغضب فقال : لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبوا به ، أو بباطل فتصدقوا به ، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني ، ورجاله ثقات ، إلا أن في مجالد ضعفا .
قوله : " لا تسألوا أهل الكتاب " أي : اليهود والنصارى . قوله : " عن شيء " أي : مما يتعلق بالشرائع ؛ لأن شرعنا مكتف ، ولا يدخل في النهي سؤالهم عن الأخبار المصدقة لشرعنا ، وعن الأخبار عن الأمم السالفة ، وأما قوله تعالى : فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ فالمراد به من آمن منهم ، والنهي إنما هو عن سؤال من لم يؤمن منهم .
وقال أبو اليمان : أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني حميد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة ، وذكر كعب الأحبار فقال : إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب ، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب .

مطابقته للترجمة في ذكر كعب الأحبار الذي كان يتحدث من الكتب القديمة ويسأل عنه من أخبارهم .
وكعب هو ابن ماتع بكسر التاء المثناة من فوق بعدها عين مهملة ابن عمرو بن قيس من آل ذي رعين ، وقيل : ذي الكلاع الحميري ، وقيل غير ذلك في اسم جده ، ويكنى أبا إسحاق ، كان في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا ، وكان يهوديا عالما بكتبهم حتى كان يقال له كعب الحبر وكعب الأحبار ، أسلم في عهد عمر - رضي الله تعالى عنه - وقيل : في خلافة أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - وقيل : أسلم في عهد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وتأخرت هجرته ، والأول أشهر ، وغزا الروم في خلافة عمر ، ثم تحول في خلافة عثمان - رضي الله تعالى عنه - إلى الشام إلى أن مات بحمص ، وقال الواقدي وغيره : مات سنة اثنتين وثلاثين ، وقال ابن سعد : ذكروه لأبي الدرداء فقال : إن عند ابن الحميرية لعلما كثيرا ، وأخرج ابن سعد من طريق عبد الرحمن بن جبير بن نفير قال : قال معاوية : ألا إن كعب الأحبار أحد العلماء ، إن كان عنده لعلم كالبحار وإن كنا مفرطين ، وروى عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - مرسلا وعن عمر بن الخطاب وعائشة وآخرين من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - وروى عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير ومعاوية - رضي الله تعالى عنهم - وروى له البخاري والأربعة ابن ماجه في التفسير .
وشيخ البخاري أبو اليمان الحكم بن نافع ، وشعيب بن أبي حمزة ، والزهري محمد بن مسلم ، وحميد بالضم ابن عبد الرحمن بن عوف ، ومعاوية بن أبي سفيان .
قوله : " سمع معاوية " أي : أنه سمع معاوية ، وحذف أنه يقع كثيرا . قوله : " بالمدينة " يعني لما حج في خلافته . قوله : " وذكر " على صيغة المجهول . قوله : " إن كان " كلمة إن مخففة من المثقلة . قوله : " من أصدق هؤلاء المحدثين " ويروى : لمن أصدق هؤلاء المحدثين بزيادة لام التأكيد . قوله : " الكتاب " يشمل التوراة والإنجيل والصحف . قوله : " وإن كنا مع ذلك " أي : مع كونه أصدق المحدثين ، أراد بالمحدثين أنظار كعب ممن كان من أهل الكتاب " لنبلو " أي : لنختبر عليه الكذب ، يعني يقع بعض ما يخبرنا عنه بخلاف ما يخبرنا به ، وقال ابن حبان في كتاب الثقات : أراد معاوية أنه يخطئ أحيانا فيما يخبر به ، ولم يرد أنه كان كذابا ، وقال غيره : الضمير في قوله : " لنبلو عليه الكذب " [25/75] للكتاب لا لكعب ، وإنما يقع في كتابهم الكذب لكونهم بدلوه وحرفوه ، وقال ابن الجوزي : المعنى الذي يخبر به كعب عن أهل الكتاب يكون كذبا ، لا أنه يتعمد الكذب ، وإلا فقد كان كعب من أخيار الأحبار .
130 - حدثني محمد بن بشار ، حدثنا عثمان بن عمر ، أخبرنا علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْـزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ الآية .

مطابقته للترجمة من حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بعدم التصديق وعدم التكذيب ، فيقتضي ترك السؤال عنهم .
ومحمد بن بشار بفتح الباء الموحدة وتشديد الشين المعجمة ، وعثمان بن عمر بن فارس البصري ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف .
والحديث بعينه سندا ومتنا مضى في تفسير سورة البقرة في باب قوله : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ الآية ، ومضى الكلام فيه .