‎( 18 ) بَابٌ
الإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ
51 - [ 41 ] عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، قَالَ : أَشَارَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - نَحْو الْيَمَنِ ، فَقَالَ : أَلاَ إِنَّ الإِْيمَانَ هاهُنَا ، وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِْبِلِ ، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ .


( 18 ) وَمِنْ بَابِ الإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ
( قوله : " أَشَارَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - نَحْو الْيَمَنِ ، وَقَالَ : أَلاَ إِنَّ الإِْيمَانَ هاهُنَا " ) قيل : إنَّ [1/237] هذه الإشارة صدَرَتْ عنه - عليه الصلاة والسلام - وهو بتَبُوكَ ، وبينه وبين اليمن مكةُ والمدينة ؛ ويؤيِّد هذا قولُهُ في حديث جابر : الإِْيمَانُ فِي أهل الْحِجَازِ ، فعلى هذا : يكونُ المرادُ بأهلِ اليمن : أهلَ المدينة ومَنْ يليهم إلى أوائلِ اليمن .
وقيل : كان بالمدينة ؛ ويؤيِّده أنَّ كونَهُ بالمدينة كان غالبَ أحوالِهِ ؛ وعلى هذا : فتكونُ الإشارة إلى سُبَّاقِ اليمن ، أو إلى القبائل اليمنيَّة الذين وَفَدُوا على أبي بكر لفتحِ الشامِ وأوائلِ العراق ؛ وإليهم الإشارةُ بقوله - عليه الصلاة والسلام - : إنِّي لأَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمنِ مِنْ قِبَلِ اليَمَنِ ، أي : نَصْرَهُ في حياتِهِ وتنفيسَه عنه فيها ، وبعد مماته ، والله تعالى أعلم . وسُمِّيَ اليَمَنُ يَمَنًا ؛ لأنَّه عن يمين الكعبة ، وسُمِّيَ الشامُ شامًا ؛ لأنَّه عن يسارِ الكعبة ، مأخوذٌ من اليدِ الشُؤْمَى ، وهي اليُسْرَى .
و ( قوله : " إِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِْبِلِ " ) الْقَسْوَةُ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ : اسمان لمسمًّى واحدٍ ، وهو نحو قولِهِ : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ، والبَثُّ : هو الحُزْن .
قال المؤلِّف : وَيَحْتَمِلُ أن يقال : إِنَّ القسوةَ يرادُ بها : أنَّ تلك القلوبَ لا تَلِينُ لموعظة ولا تخشَعُ لِتَذْكار ، وغلظها : ألا تَفْهَمَ ولا تَعْقِل ، وهذا أولى من الأوَّل .
والفَدَّادون مشدَّد الدال : جمعُ فَدَّاد ؛ قال أبو عُبَيْدٍ : هم المُكْثِرون من الإبل ، وهم جُفَاةٌ أهلُ خُيَلاَءَ ، واحدهم : فدَّاد ، وهو الذي يملكُ من المائتين إلى الألف . وقال أبو العبَّاس : هم الجَمَّالون والبَقَّارون ، والحَمَّارون والرُّعْيان . وقال الأصمعيُّ : [1/238] هم الذين تعلو أصواتُهُمْ في حروثهم وأموالهم ومواشيهم ، قال : والفديدُ : الصوت ، وقد فَدَّ الرجلُ يَفِدُّ فديدًا ؛ وأنشد :
أَعَاذِلُ مَا يُدْرِيكَ أَنْ رُبَّ هَجْمَةٍ
لأَِخْفَافِهَا فَوْقَ المِتَانِ فَدِيدُ
ورجلٌ فدَّاد : شديدُ الصوت . وأمَّا الفَدَادون بتخفيف الدال : فهي البَقَرُ التي تحرُثُ ، واحدها : فَدَّانُ بالتشديد ، عن أبي عمرو الشَّيْبانيِّ .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : وأمَّا الحديثُ فليس فيه إلاَّ روايةُ التشديد ، وهو الصحيحُ على ما قاله الأصمعيُّ وغيره .
و ( قوله : " عِنْدَ أُُصولِ أَذْنَابِ الإِْبِلِ " ) المراد به ، والله أعلم : الملازمون للإبِلِ ، السائقون لها . ويظهر لي : أنَّ الفَدَّادين هو العاملُ في غير مكانه . قال : المصوِّتون عند أذناب الإبِلِ سَوْقًا لها ، وحَدْوًا بها .
و ( قوله : " حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ " ) هذا تعيينٌ لمواضعهم ؛ كما قال في الرواية الأخرى : رَأسُ الكُفْرِ قِبَلَ المَشْرِقِ .
واختُلِفَ في قَرْنَيِ الشيطان : فقيل : هما ناحيتا رأسِهِ العُلْيَا ، وهذا أصلُ هذا اللفظ وظاهره ؛ فإنَّ قَرْنَ الشيءِ أعلاه في اللغة ؛ فيكونُ معناه على هذا : أنَّ الشيطاَن ينتصبُ قائمًا مع طلوعِ الشمس لِمَنْ يسجد للشمس ؛ لِيُسْجَدَ له ، ويُعْبَدَ بعبادتها ، ويَفْعَلُ هذا في الوقت [1/239] الذي يسجُدُ لها الكُفَّار ؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم - : إنَّ الشمسَ تَطْلُعُ ومعها قَرْنُ الشَّيْطَان ، فإذا ارتفعَتْ فارَقَهَا ، ثُمَّ إذا استَوَتْ قارَنَهَا ، فإذا زالَتْ فارَقَهَا ، ثم إذا قارَبَتِ الغروبَ قارنَهَا ، ثم إذا غرَبَتْ فارَقَهَا .
وقيل : القَرْنُ الجماعةُ من الناس والأُمَّة ؛ ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - : خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ، ثُمَّ الذين يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الذين يَلُونَهُمْ . وعلى هذا فيكونُ معنى قَرْنَيِ الشيطان في الحديث : أنَّهما أُمَّتان عظيمتان يَعْبُدُونَ غيرَ الله ، ولعلَّهم في ذلك الوقت ربيعةُ ومُضَرُ المذكوران في الحديث ، أو أُمَّتَانِ من الفُرْسِ يعبدون الشمسَ ، ويَسْجُدُونَ لها مِنْ دون الله ؛ كما جاء في الحديث : وحينئذٍ يَسْجُدُ لها الكُفَّارُ .
وقال الخَطَّابِي : قَرْنُ الشيطانِ ضَرَبَ به المَثَلَُ فيما لا يُحْمَدُ من الأمور . وقيل : المرادُ بهذا الحديث : ما ظهَرَ بالعراق من الفتنِ العظيمة ، والحروبِ الهائلة ؛ كوقعةِ الجَمَل ، وحروبِ صِفِّين ، وحَرُورَاء ، وفِتَنِ بني أميَّة ، وخُرُوجِ الخوارج ؛ فإنَّ ذلك كان أصلُهُ ، ومنبعُهُ العراقَ ومَشْرِقَ نَجْد ، وتلك مساكنُ ربيعةَ ومُضَرَ إذْ ذاك ، والله أعلم .
52 - [ 42 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : جَاءَ أَهلُ الْيَمَنِ ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً ، وَأَضْعَفُ قُلُوبًا ، الإِْيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ ، السَّكِينَةُ فِي أهل الْغَنَمِ ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاَءُ فِي الْفَدَّادِينَ أهل الْوَبَرِ قِبَلَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ .
وَفِي رِوَايَةٍ : رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ .
53 - [ 43 ] وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : غِلَظُ الْقُلُوبِ وَالْجَفَاءُ فِي الْمَشْرِقِ ، وَالإِيمَانُ فِي أهل الْحِجَازِ
.

و ( قوله في أهل اليمن : " هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً ، وَأَضْعَفُ قُلُوبًا " ) يعني : مِنْ أهلِ المشرق ، لا مِنْ أهل الحجاز ؛ لأنَّه - عليه الصلاة والسلام - قد قال في الحديث الآخر : وَالإِْيمَانُ فِي أهل الْحِجَازِ ، واليَمَنُ من الحجاز ؛ كما سيأتي بيانُهُ إِنْ شاء الله تعالى .
وقد وصَفَ أهلَ اليمنِ في هذا الحديث بضدِّ ما وصَفَ به أهلَ العراق ؛ فإنَّه قابَلَ وصفَي القسوةِ والغِلَظِ بوصفَيِ الرِّقَّةِ والضعف ؛ والرقَّةُ في مقابلة القسوة ، [1/240] والضعفُ يقابلُ الغِلَظَ ، فمعنى أَرَقُّ : أخشَعُ ، ومعنى أضعَفُ : أسرَعُ فَهمًا وانفعالاً للخير .
والأفئدة : جمعُ فؤاد ، وهو القلبُ ، وقيل : الفؤادُ داخلُ القلب ، أي : اللطيفةُ القابلةُ للمعاني مِنَ العلومِ وغيرها .
وقوله : الإِْيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ ، قد تقدَّم القولُ في الإيمان . والحِكْمَةُ عند العرب : ما منَعَ من الجهل والجفاء ، والحكيم : مَنْ منعهُ عقلُهُ وحِلْمُهُ من الجهل ؛ حكاه ابنُ عَرَفة ، وهو مأخوذٌ من حَكَمَةِ الدابَّة ، وهي الحديدةُ التي في اللجام ، سُمِّيَتْ بذلك ؛ لأنّها تمنعها .
وهذه الأحرف " ح ك م " حيثما تَصَرَّفَتْ فيها معنى المَنْع ، قال الشاعر :
أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِموا سُفَهَاءَكُمْ
إِنِّي خَشِيتُ عَلَيْكُمْ أن أَغْضَبَا
وقيل في قوله تعالى : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ : إنَّها الإصابةُ في القولِ والفهم ؛ قال مالك : الحِكْمةُ الفِقْهُ في الدين .
و ( قوله : " وَالسَّكِينَةُ فِي أهل الْغَنَمِ " ) أي : السكونُ والوَقَارُ والتواضع . والفَخْرُ : التفاخرُ بالآباءِ الأشراف وكثرةِ الأموال والخَوَل والجاه ، وغير [1/241] ذلك مِنْ مراتب أهل الدنيا . والخُيَلاَء : ممدودة وزنُهُ عند سيبويه : فُعَلاَء ، وهي التكبُّرُ والتعاظم ؛ يقال : خالَ الرجلُ يَخُولُ ، فهو خَالٌ وذو خَالٍ ومَخِيلَةٍ ؛ ومنه قولُ طلحةَ لِعُمَرَ : إنَّا لاَ نَخُولُ عليك ، أي : لا نتكبَّر عليك ، ويقالُ : اختالَ يختالُ فهو مختالٌ ؛ ومنه قولُهُ تعالى : وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ . وأهلُ الوَبَر ، يعني به : أهلَ ذات الوبر ، وهي الإبلُ ، والوَبَرُ للإبل كالصوفِ للغَنَمِ ، والشَّعْرِ للمَعْز ؛ ولذلك قال الله تعالى : وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ . وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - إخبارٌ عن أكثرِ حالِ أهلِ الغنم ، وأهلِ الإبلِ وأغلبه . ورَأْسُ الْكُفْرِ : معظمُهُ ويريدُ : أنَّ كثرةَ أهلِهِ ورياستَهُمْ هناك . والحجاز سُمِّيَ بذلك ؛ لِحَجْزه بين نَجْدٍ وتِهَامَةَ ؛ قاله القتبي ، وقال ابنُ دُرَيْد : لحجزه بين نجد والسَّرَاة ، قال الأصْمعي : إذا انحدَرْتَ من ثنايا ذاتِ عِرْق ، فقد أَتْهَمْتَ إلى البحر ، فإذا استَقْبَلَكَ الحِرَارُ ، فذلك الحجاز ، سمِّيت بذلك ؛ لأنَّها حُجِزَتْ بالحِرَارِ الخَمْس ، وقيل : حَدُّ الحجاز مِنْ جهة الشام : شَعبٌ ، ومما يلي تِهَامَةَ : بَدْرٌ وعُكَاظ . قال بعضُ علمائنا : يجوزُ أن يكون المرادُ بالحجاز في هذا الحديث : المدينةَ فقطْ ؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - قال : إِنَّ الإِْيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ .