17856 - قَالَ مَالِكٌ : وَالَّذِي يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْهَدْيِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ ، أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ هَدْيٌ فِي غَيْرِ ذَلِكَ . فَإِنَّ هَدْيَهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَكَّةَ . كَمَا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ وَأَمَّا مَا عُدِلَ بِهِ الْهَدْيُ مِنَ الصِّيَامِ أَوِ الصَّدَقَةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِغَيْرِ مَكَّةَ حَيْثُ أَحَبَّ صَاحِبُهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فَعَلَهُ .

17857 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ، وَهُوَ [ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ ] لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ فِيهِ ذَبْحٌ وَلَا نَحْرٌ ، وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ .
17858 - فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَنَّهُ أَرَادَ الْحَرَمَ يَعْنِي مَسَاكِينَ الْحَرَمِ ، أَوْ أَرَادَ مَكَّةَ لِمَسَاكِينِهَا رِفْقًا بِجِيرَانِ بَيْتِ اللَّهِ وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ ، وَهُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ .
17859 - عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [12/322] 17860 - وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَسَنَذْكُرُ مَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
17861 - وَكَانَ مَالِكٌ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَنَّهُ عَنَى مَكَّةَ وَلَمْ يُرِدِ الْحَرَمَ .
17862 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْحَاجِّ : " مَكَّةُ وَطُرُقُهَا مَنْحَرٌ " دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَكَّةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
17863 - قَالَ مَالِكٌ : مَنْ نَحَرَ هَدْيَهُ فِي الْحَرَمِ لَمْ يُجْزِهِ أَنْ يَنْحَرَهُ إِلَّا بِمَكَّةَ .
17864 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : إِنْ نَحَرَهُ فِي الْحَرَمِ أَجْزَاهُ .
17865 - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ .
17866 - وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : يَجُوزُ نَحْرُ الْهَدْيِ حَيْثُ شَاءَ الْمُهْدِي إِلَّا هَدْيَ الْقِرَانِ وَجَزَاءَ الصَّيْدِ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْحَرُهُ إِلَّا فِي الْحَرَمِ .
17867 - وَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا نَحَرَ هَدْيَ التَّمَتُّعِ أَوِ الْهَدْيَ التَّطَوُّعَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لَمْ يُجْزِهِ .
17868 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْهَدْيِ التَّمَتُّعِ كَقَوْلِ مَالِكٍ ، وَخَالَفَهُ فِي التَّطَوُّعِ فَجَوَّزَهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ .
[12/323] 17869 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُجْزِئُ نَحْرُ الْجَمِيعِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ .
17870 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( وَأَمَّا مَا عُدِلَ بِهِ الْهَدْيُ مِنَ الصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِغَيْرِ مَكَّةَ حَيْثُ أَحَبَّ صَاحِبُهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فَعَلَهُ ) فَلَا خِلَافَ فِي الصِّيَامِ أَنْ يَصُومَ حَيْثُ شَاءَ ، لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِي ذَلِكَ لِأَهْلِ الْحَرَمِ ، وَلَا لِأَهْلِ مَكَّةَ .
17871 - وَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَلَا تَكُونُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ إِذَا كَانَتْ بَدَلًا مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ إِلَّا بِمَكَّةَ لِأَهْلِهَا حَيْثُ يَكُونُ النَّحْرُ .
17872 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّحْرَ فِي الْعُمْرَةِ بِمَكَّةَ وَفِي الْحَجِّ بِمِنًى ، وَهُمَا جَمِيعًا حَرَمٌ ، فَالْحَرَمُ كُلُّهُ مَنْحَرٌ عِنْدَهُمْ .
17873 - وَفِي " الْعُتْبِيَة " لِيَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، عَنْ وَهْبٍ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ أَنَّ الْإِطْعَامَ كَالصِّيَامِ يَجُوزُ بِغَيْرِ مَكَّةَ .
17874 - وَفِي " الْأَسَدِيَّةِ " لِابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : لَا يُطْعِمُ إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَ فِيهِ الصَّيْدَ .
17875 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا خِلَافُ الْجُمْهُورِ ، وَلَا وَجْهَ لَهُ .