34804 - قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِطُ عَلَى مُكَاتَبِهِ أَنَّكَ لَا تُسَافِرُ وَلَا تَنْكِحُ وَلَا تَخْرُجُ مِنْ أَرْضِي إِلَّا بِإِذْنِي ، فَإِنْ فَعَلْتَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنِي ، فَمَحْوُ كِتَابَتِكَ بِيَدِي [23/332] قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ مَحْوُ كِتَابَتِهِ بِيَدِهِ إِنْ فَعَلَ الْمُكَاتَبُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، وَلْيَرْفَعَ سَيِّدُهُ ذَلِكَ إِلَى السُّلْطَانِ ، وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَنْكِحَ وَلَا يُسَافِرَ ، وَلَا يَخْرُجَ مِنْ أَرْضِ سَيِّدِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، اشْتَرَطَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ يُكَاتِبُ عَبْدَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ ، وَلَهُ أَلْفُ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، فَيَنْطَلِقُ فَيَنْكِحُ الْمَرْأَةَ ، فَيُصْدِقَهَا الصَّدَاقَ الَّذِي يُجْحِفُ مَالَهُ ، وَيَكُونُ فِيهِ عَجْزُهُ ، فَيَرْجِعُ إِلَى سَيِّدِهِ عَبْدًا لَا مَالَ لَهُ ، أَوْ يُسَافِرُ فَتَحِلُّ نُجُومُهُ وَهُوَ غَائِبٌ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ، وَلَا عَلَى ذَلِكَ كَاتَبَهُ ، وَذَلِكَ بِيَدِ سَيِّدِهِ ، إِنْ شَاءَ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ .

34805 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ : لَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَنْكِحَ ، فَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَنْكِحَ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، وَلَا يَتَسَرَّى بِحَالٍ .
34806 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا عَلَى أَصْلِ مَذْهَبِهِمَا ; أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَتَسَرَّى بِحَالٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ، وَسَتَأْتِي مَسْأَلَةُ تَسَرِّي الْعَبْدِ ، فِي مَوْضِعِهَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
34807 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ : هَلْ يُكْتَبُ فِي كِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ ، «إنَّكَ لَا تَخْرُجُ إِلَّا بِإِذْنِي» ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : لِمَ ؟ قَالَ : لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ وَأَنْ يَبْتَغِيَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ، وَالْخُرُوجُ مِنَ الطَّلَبِ .
[23/333] قَالَ : فَهَلْ يَكْتُبُ لَهُ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ إِلَّا بِإِذْنِهِ ؟ قَالَ : إِنْ كَتَبَهُ فَحَسَنٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكْتُبْهُ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، قُلْتُ لَهُ : فَهَلْ يَقُولُ غَيْرُكَ : إِنَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : أَفَيَكْتُبُهُ إِذَا خَافَ غَيْرُكُمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
34808 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَسْمَعْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا تَرَى ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ كَثِيرًا .
34809 - وَأَمَّا السَّفَرُ لِلْمُكَاتَبِ ; فَالْأَكْثَرُ مِنَ الْعُلَمَاءِ يَسْتَحِبُّونَهُ لِلْمُكَاتَبِ ، وَلَا يُجِيزُونَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَلَّا يُسَافِرَ ، كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
34810 - وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ .
[23/334] فَفِي «الْمُدَوَّنَةِ» ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِذَا كَانَ الْمَوْضِعُ الْقَرِيبُ الَّذِي لَا يَضُرُّ سَيِّدَهُ فِي نُجُومِهِ ، فَلَهُ أَنْ يُسَافِرَ إِلَيْهِ ، وَهَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ مَا فِي «الْمُوَطَّأِ» .
34812 - وَقَالَ سَحْنُونٌ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُسَافِرَ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، فِي بَعْضِ الْأَقَاوِيلِ ، وَلَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وإن اشترطه عليه ، وللمكاتب أن يخرج فيسعى ، وكيف يسعى اذا منع [ من السفر ] ؟
34813 - وقال ابن الماجشون [ في كتابه ] : اذا كان البلد ضيق المتاجر لم يجز شرطه عليه ، ألا يسافر إلا بإذنه ؛ لِأَنَّهُ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَدَاءِ كِتَابَتِهِ .
34814 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِسَائِرِ الْعُلَمَاءِ .
34815 - أَحَدُهَا : أَنَّ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُسَافِرَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، وَبِغَيْرِ إِذْنِهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ أَنْ لَا يُسَافِرَ إِلَّا بِإِذْنِهِ .
وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا : الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ .
وَرِوَايَةٌ عَنِ الثَّوْرِيِّ .
وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيِّ .
34816 - وَالْقَوْلُ الثَّانِي قَوْلُ مَالِكٍ فِي «مُوَطَّئِهِ» .
[23/335] 34817 - وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِي أَسْفَارِهِ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ سَيِّدُهُ أَلَّا يَخْرُجَ ، فَيَلْزَمُهُ مَا أَلْزَمَهُ مِنْ ذَلِكَ .
34818 - قَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ ، وَغَيْرُهُ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الثَّوْرِيِّ .
34819 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ ، فَقَالُوا : لِلْمُكَاتَبِ وَالْمُكَاتَبَةِ ، أَنْ يَخْرُجَا حَيْثُ أَحَبَّا ، وَلَيْسَ لِمَوْلَاهُمَا أَنْ يَمْنَعَهُمَا ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا ، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ ، أَمَّا النِّكَاحُ فَلَا .
34820 - وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَسُفْيَانُ ، وَإِسْحَاقُ : لَا يَنْكِحُ إِلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ ، فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ ، أَنْ لَا يَنْكِحَ ، فَيَلْزَمُهُ .