12203 - أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن [14/386] مخزوم القرشية المخزومية ، أم المؤمنين ، اسمها هند
وقال أبو عمر : يقال : اسمها رملة ، وليس بشيء ، واسم أبيها حذيفة ، وقيل : سهيل ، ويلقب : زاد الراكب ؛ لأنه كان أحد الأجواد ، فكان إذا سافر لا يترك أحدا يرافقه ومعه زاد ، بل يكفي رفقته من الزاد .
وأمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن مالك الكنانية ، من بني فراس ، وكانت زوج ابن عمها أبي سلمة بن عبد الأسد بن المغيرة ، فمات عنها كما تقدم في ترجمته ، فتزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - في جمادى الآخرة سنة أربع ، وقيل : سنة ثلاث .
وكانت ممن أسلم قديما هي وزوجها ، وهاجرا إلى الحبشة ، فولدت له سلمة ، ثم قدما مكة ، وهاجرا إلى المدينة ، فولدت له عمر ودرة ، وزينب ، قاله ابن إسحاق .
وفي رواية يونس بن بكير وغيره عنه : حدثني أبي ، عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة ، عن جدته أم سلمة قالت : لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة [14/387] رحّل بعيرا له ، وحملني وحمل معي ابني سلمة ، ثم خرج يقود بعيره .
فلما رآه رجال بني المغيرة قاموا إليه ، فقالوا : هذه نفسك غلبتنا عليها ، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد ؟ ونزعوا خطام البعير من يده ، وأخذوني ، فغضب عند ذلك بنو عبد الأسد ، وأهووا إلى سلمة ، وقالوا : والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا ، فتجاذبوا ابني سلمة حتى خلعوا يده ، وانطلق به بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة .
وحبسني بنو المغيرة عندهم ، وانطلق زوجي أبو سلمة حتى لحق بالمدينة ، ففرق بيني وبين زوجي وابني ، فكنت أخرج كل غداة وأجلس بالأبطح ، فما أزال أبكي حتى أمسي سنة أو قريبها ، حتى مر بي رجل من بني عمي ، فرأى ما في وجهي ، فقال لبني المغيرة : ألا تخرجون من هذه المسكينة ؟ فرقتم بينها وبين زوجها وبين ابنها !
فقالوا : الحقي بزوجك إن شئت ، ورد عليّ بنو عبد الأسد عند ذلك ابني ، فرحلت بعيري ، ووضعت ابني في حجري ، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة ، وما معي أحد من خلق الله ، فكنت أتبلّغ من لقيت .
حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة أخا بني عبد الدار ، فقال : أين يا بنت أبي أمية ؟ قلت : أريد زوجي بالمدينة ، فقال : هل معك أحد ؟ فقلت : لا والله ، إلا الله وابني هذا ، فقال : والله ما لك من مترك .
فأخذ بخطام البعير ، فانطلق معي يقودني ، فوالله ما صحبت رجلا من العرب أراه كان أكرم منه ، [14/388] إذا نزل المنزل أناخ بي ، ثم تنحى إلى شجرة فاضطجع تحتها ، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري قدمه ورحله ، ثم استأخر عني ، وقال : اركبي ، فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقادني حتى نزلت ، فلم يزل يصنع ذلك حتى قدم بي المدينة .
فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال : إن زوجك في هذه القرية ، وكان أبو سلمة نازلا بها
.
وقيل : إنها أول امرأة خرجت مهاجرة إلى الحبشة وأول ظعينة دخلت المدينة ، ويقال : إن ليلى امرأة عامر بن ربيعة شاركتها في هذه الأولية .
وأخرج النسائي أيضا بسند صحيح عن أم سلمة قالت : لما انقضت عدة أم سلمة خطبها أبو بكر فلم تتزوجه ، فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطبها عليه ، فقالت : أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني امرأة غَيْرَى ، وأني امرأة مصبية ، وليس أحد من أوليائي شاهدا .
فقال : قل لها : أما قولك : غَيْرى . فسأدعو الله فتذهب غيرتك ، وأما قولك : إني امرأة مصبية ، فستكفين صبيانك ، وأما قولك : ليس أحد من أوليائي شاهدا ، فليس أحد من أوليائك شاهد ولا غائب يكره ذلك .
فقالت لابنها عمر : قم فزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فزوّجه
.
وعنده أيضا بسند صحيح ، من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن أم سلمة أخبرته أنها لما قدمت المدينة أخبرتهم أنها بنت أبي أمية بن المغيرة ، فقالوا : [14/389] ما أكذب الغرائب ، حتى أنشأ ناس منهم الحج ، فقالوا : أتكتبين إلى أهلك ؟ فكتبت معهم ، فرجعوا يصدقونها ، وازدادت عليهم كرامة .
فلما وضعت زينب جاءني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخطبني ، فقالت : ما مثلي ينكح ، أما أنا فلا يولد لي ، وأنا غيور ذات عيال ، فقال : أنا أكبر منك ، وأما الغيرة فيذهبها الله ، وأما العيال فإلى الله ورسوله .
فتزوجها ، فجعل يأتيها فيقول : أين زناب ؟ حتى جاء عمار بن ياسر فاختلجها ، وكانت ترضعها ، فقال : هذه تمنع رسول الله حاجته ، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : أين زناب ؟ فقالت قريبة بنت أبي أمية - ووافقها عندها - : أخذها عمار بن ياسر ؛ فقال : إني آتيكم الليلة .
الحديث .
ويجمع بين الروايتين بأنها خاطبت النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك على لسان عمر .
ويقال : إن الذي زوجها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابنها سلمة . ذكره ابن إسحاق ، وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمة سلمة .
وأخرج ابن سعد ، من طريق عروة ، عن عائشة بسند فيه الواقدي قالت : لما تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم سلمة حزنت حزنا شديدا ؛ لما ذكر لنا من جمالها ، فتلطفت حتى رأيتها ، فرأيت والله أضعاف ما وصفت ، فذكرت ذلك لحفصة ، فقالت : ما هي [14/390] كما يقال . فتلطفت لها حفصة حتى رأتها ؛ فقالت : قد رأيتها ، ولا والله ما هي كما تقولين ولا قريب ، وإنها لجميلة . قالت : فرأيتها بعد ذلك ، فكانت كما قالت حفصة ، ولكني كنت غَيْرَى .
وكانت أم سلمة موصوفة بالجمال البارع ، والعقل البالغ ، والرأي الصائب ، وإشارتها على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية تدل على وفور عقلها ، وصواب رأيها .
روت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أبي سلمة ، وفاطمة الزهراء .
روى عنها ابناها عمر وزينب ، وأخوها عامر ، وابن أخيها مصعب بن عبد الله ، ومكاتبها نبهان ، ومواليها : عبد الله بن رافع ، ونافع ، وسفينة ، وابنه ، وأبو كثير ، وخيرة والدة الحسن .
وممن يعد في الصحابة : صفية بنت شيبة ، وهند بنت الحارث الفراسية ، وقبيصة بن ذؤيب ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام .
ومن كبار التابعين : أبو عثمان النهدي ، وأبو وائل ، وسعيد بن المسيب ، وأبو سلمة وحميد ولدا عبد الرحمن بن عوف ، وعروة ، وأبو بكر بن عبد الرحمن ، وسليمان بن يسار ، وآخرون .
قال الواقدي : ماتت في شوال سنة تسع وخمسين ، وصلى عليها أبو هريرة .
وقال ابن حبان : ماتت في آخر سنة إحدى وستين بعدما جاءها نعي الحسين بن علي .
وقال ابن أبي خيثمة : توفيت في خلافة يزيد بن معاوية .
[14/391] قلت : وكانت خلافته في أواخر سنة ستين .
وقال أبو نعيم : ماتت سنة اثنين وستين ، وهي من آخر أمهات المؤمنين موتا .
قلت : بل هي آخرهن موتا ، فقد ثبت في صحيح مسلم أن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة ، وعبد الله بن صفوان دخلا على أم سلمة في خلافة يزيد بن معاوية ، فسألا عن الجيش الذي يخسف به ، وكان ذلك حين جهز يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة بعسكر الشام إلى المدينة ، فكانت وقعة الحرة سنة ثلاث وستين ، وهذا كله يدفع قول الواقدي .
وكذا ما حكى ابن عبد البر أن أم سلمة أوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد ، فإن سعيدا مات سنة خمسين ، أو سنة إحدى أو اثنين ، فيلزم منه أن تكون ماتت قبل ذلك ، وليس كذلك اتفاقا ، ويمكن تأويله بأنها مرضت فأوصت بذلك ، ثم عوفيت ، فمات سعيد قبلها ، والله أعلم .