7229 - محمد بن علي بن محمد الحاتمي الطائي الأندلسي : صاحب " فصوص الحكم " . مات سنة ثمان وثلاثين ، ورأيته قد حدث عن أبي الحسن بن هذيل بالإجازة ، وفي النفس من ذلك ، سمع منه " التيسير " لأبي عمرو الداني شيخنا محمد بن أبي الذكر الصقلي المطرز ، بسماعه من أبي بكر بن أبي جمرة ، وبإجازته من ابن هذيل ، وروى الحديث عن جماعة .
ونقل رفيقنا أبو الفتح اليعمري - وكان متثبتًا - قال : سمعت الإمام تقي الدين بن دقيق العيد ، سمعت شيخنا أبا محمد بن عبد السلام : وجرى ذكر أبي عبد الله بن العربي الطائي ، فقال : هو شيخ سوء كذاب ، فقلت له : وكذاب [7/392] أيضًا ؟ قال : نعم ، تذاكرنا بدمشق التزويج بالجن ، فقال : هذا محال ؛ لأن الإنس جسم كثيف والجن روح لطيف ، ولن يعلو الجسم الكثيف الروح اللطيف . ثم بعد قليل رأيته وبه شجة فقال : تزوجت جنية ، ورزقت منها ثلاثة أولاد ، فاتفق يومًا أني أغضبتها فضربتني بعظم ، حصلت منه هذه الشجة ، وانصرفت فلم أرها بعد ، هذا أو معناه . نقله لي بحروفه ابن رافع من خط أبي الفتح .
وما عندي أن المحيي يتعمد كذبًا ، لكن أثرت فيه تلك الخلوات والجوع فساد خيال وطرف جنون .
وصنف التصانيف في تصوف الفلاسفة وأهل الوحدة ، فقال أشياء منكرة ، عدها طائفة من العلماء مروقًا وزندقة ، وعدها طائفة من العلماء من إشارات العارفين ورموز السالكين ، وعدها طائفة من متشابه القول ، وأن ظاهرها كفر وضلال ، وباطنها حق وعرفان ، وأنه صحيح في نفسه كبير القدر .
وآخرون يقولون : قد قال هذا الباطل والضلال ، فمن قال : إنه مات عليه ؟ فالظاهر عندهم من حاله أنه رجع وأناب إلى الله ، فإنه كان عالمًا بالآثار والسنن قوي المشاركة في العلوم .
وقولي أنا فيه : إنه يجوز أن يكون من أولياء الله الذين اجتذبهم الحق إلى جنابه عند الموت ، وختم له بالحسنى ، فأما كلامه فمن فهمه وعرفه على قواعد الاتحادية ، وعلم محط القوم ، وجمع بين أطراف عباراتهم : تبين له الحق في خلاف قولهم .
وكذلك من أمعن النظر في " فصوص الحكم " أو أنعم التأمل لاح له العجب ، فإن الذكي إذا تأمل من ذلك الأقوال والنظائر والأشباه ، فهو أحد رجلين : إما من الاتحادية في الباطن ، وإما من المؤمنين بالله الذين يعدون أن هذه النِّحلة من أكفر الكفر .
[7/393] نسأل الله العافية ، وأن يكتب الإيمان في قلوبنا ، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة .
فوالله ، لأن يعيش المسلم جاهلًا خلف البقر ، لا يعرف من العلم شيئًا سوى سور من القرآن يصلي بها الصلوات ، ويؤمن بالله واليوم الآخر ، خير له بكثير من هذا العرفان ، وهذه الحقائق ، ولو قرأ مائة كتاب ، أو عمل مائة خلوة ، انتهى .
وأول كلامه لا يتحصل منه شيء ينفرد به ، وينظر في قوله : " أمعن النظر وأنعم التأمل " ما الفرق بينهما ؟
وقد اغتر بالمحيي بن عربي أهل عصره ، فذكره ابن النجار في " ذيل تاريخ بغداد " وابن نقطة في " تكملة الإكمال " ، وابن العديم في " تاريخ حلب " والزكي المنذري في " الوفيات " وما رأيت في كلامهم تعريجًا على الطعن في نحلته ، كأنهم ما عرفوها ، أو ما اشتهر كتابه " الفصوص " ، نعم قال ابن نقطة : لا يعجبني شعره ، وأنشد له قصيدة منها :
لقد صار قلبي قابلًا كل صورةٍ فمرعى لغزلان ، وديرًا لرهبان وبيتًا لأصنام ، وكعبة طائفٍ وألواح توراة ، ومصحف قرآن وهذا على قاعدته في الوحدة .
وقد كتب بخطه في إجازته للملك المظفر غازي بن العادل : أنه قرأ القرآن بالسبع على أبي بكر محمد بن خلف بن صاف اللخمي ، وأخذ عنه " الكفاية " لمحمد بن شريح ، وحدثه به عن شريح بن محمد ، عن أبيه ، وقرأ أيضًا على عبد الرحمن بن غالب الشراط القرطبي ، وسمع على أبي عبد الله التاذفي قاضي فاس " التبصرة في القراءات " لمكي ، وحدثه به عن أبي بحر بن العاص ، وسمع " التيسير " على أبي بكر بن أبي جمرة ، عن أبيه عن المؤلف .
[7/394] وأنه سمع على محمد بن سعيد بن زرقون ، وعبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي ، وأنه سمع أيضًا على ابن الحرستاني ، ويونس بن يحيى الهاشمي ونصر بن أبي الفتوح ، وجمع كثير ، وأنه أجاز له السلفي وابن عساكر وابن الجوزي .
وأنه صنف كتبًا كثيرة منها ما هو كراسة واحدة ، ومنها ما هو مائة مجلدة وما بينهما . وذكر منها : " التفصيل في أسرار معاني التنزيل " ، فرغ منه إلى قصة موسى في سورة الكهف ، أربعة وستون سفرًا ، وسرد منها شيئا كثير جدًّا .
وقال ابن الأبار : هو من إشبيلية ، وأصله من سبتة ، وأخذ عن مشيخة بلدته ، ومال إلى الآداب ، وكتب لبعض الولاة ، ثم ترك ذلك ، ورحل إلى المشرق حاجًا ، ولم يعد ، وكان يحدث بالإجازة العامة عن السلفي ، ويقول بها ، وبرع في علم التصوف .
وقال المنذري : ذكر أنه سمع بقرطبة من ابن بشكوال ، وأنه سمع بمكة ، وبغداد ، والموصل وغيرها ، وسكن الروم ، وجمع مجاميع .
وقال ابن النجار : كانت رحلته إلى المشرق سنة ثمان وتسعين .
وقال أبو جعفر بن الزبير : جال في المشرق ، وألف في التصوف ، وفي التفسير ، وغير ذلك تواليف لا يأخذها الحصر ، وله شعر وتصرف في الفنون من العلم ، وتقدم في الكلام والتصوف .
وقال ابن الدبيثي : قدم بغداد سنة ثمان وستمائة ، فكان يومَى إليه بالفضل والمعرفة ، والغالب عليه طريق أهل الحقيقة ، وله قدم في الرياضة والمجاهدة ، وكلام على لسان القوم ، ورأيت جماعة يصفونه بالتقدم والمكانة عند أهل هذا الشأن بالبلاد ، وله أتباع ، ووقفت له على مجموع من تآليفه فيه [7/395] منامات حدث بها عن من رأى النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنامات حدث بها عن رؤيته هو النبي صلى الله عليه وسلم ، وكتب عني شيئًا من ذلك وسمعت منه منامين .
وقال ابن النجار : صحب الصوفية ، وأرباب القلوب ، وسلك طريق الفقر ، وحج وجاور ، وصنف كتبًا في علم القوم ، وفي أخبار زهاد المغاربة . وله أشعار حسان ، وكلام مليح ، اجتمعت به بدمشق ، وكتبت عنه شيئًا من شعره ، ونعم الشيخ هو .
وقرأت بخط اليغموري : أنشدني سعد الدين محمد ابن شيخنا الإمام الراسخ محيي الدين أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن العربي الحاتمي فذكر شعرًا .
وقال ابن مسدي : كان يلقب القشيري ، لقبًا غلب عليه ؛ لما كان يشتهر به من التصوف ، وكان جميل الجملة والتفصيل ، محصلًا لفنون العلم ، وله في الأدب الشأو الذي لا يلحق .
سمع ببلده من أبي بكر بن الجد ، ومحمد بن سعيد بن زرقون ، وجابر الحضرمي ، وبسبتة من أبي محمد بن عبيد الله ، وبإشبيلية من عبد المنعم الخزرجي ، وأبي جعفر بن مضاء ، وبمرسية من أبي بكر بن أبي جمرة .
وذكر أنه لحق عبد الحق ببجاية - وفي ذلك نظر - وأن السلفي أجاز له ، وأحسبها الإجازة العامة ، وله تواليف ، وكان مقتدرًا على الكلام ، ولعله ما سلم من الكلام ، وكان ظاهري المذهب في العبادات ، باطني النظر في الاعتقادات .
ويقال : إنه لما كان ببلاد الروم ركبه الملك ذات يوم ، فقال : هذا بدعوة الأسود خدمته بمكة ، فقال لي : الله يذل لك أعز خلقه .
[7/396] وقد أطراه الكمال ابن الزملكاني فقال : هو البحر الزاخر في المعارف الإلهية ، وإنما ذكرت كلامه وكلام غيره من أهل الطريق ؛ لأنهم أعرف بحقائق المقامات من غيرهم ، لدخولهم فيها ، وتحققهم بها ذوقًا ، مخبرين عن عين اليقين .
وقال صفي الدين ابن أبي المنصور : كان من أكبر علماء الطريق ، جمع بين سائر العلوم الكسبية ما وفر له من العلوم الوهبية ، وكان غلب عليه التوحيد علمًا وخلقًا وحالًا ، لا يكترث بالوجود ، مقبلًا كان أو معرضًا ، ويحكي عنه من يتعصب له أحوالًا سنية ومعارف كثيرة ، والله أعلم .
وقرأت بخط أبي العلاء الفرضي في " المشتبه " له : كان شيخًا عالمًا جامعًا للعلوم ، صنف كتبًا كثيرة ، وهو من ذرية عبد الله بن حاتم الطائي أخي عدي بن حاتم ، وأما عدي فلم يعقب .
وقال القطب اليونيني في " ذيل المرآة " في ترجمة سعد الدين بن محيي الدين بن عربي : كان والده من كبار المشايخ العارفين . وله مصنفات عديدة ، وشعر كثير ، وله أصحاب يعتقدون فيه اعتقادًا عظيمًا مفرطًا ، يتغالون فيه ، وهو عندهم نحو درجة النبوة ، ولم يصحبه أحد إلا وتغالى فيه ، ولا يخرج عنه أبدًا ، ولا يفضل عليه غيره ، ولا يساوي به أحدًا من أهل زمانه ، وتصانيفه لا يفهم منها إلا القليل ، لكن الذي يفهم منها حسن جميل . وفي تصانيفه كلمات ينبو السمع عنها ، ويزعم أصحابه أن لها معنى ، باطنها غير الظاهر ، وبالجملة فكان كبير المقدار ، من سادات القوم ، وكانت له معرفة تامة بعلم الأسماء والحروف ، وله في ذلك أشياء غريبة ، واستنباطات عجيبة ، انتهى .
[7/397] وتقدم له ذكر في ترجمة ابن دحية عمر بن الحسن في حرف العين [5597] .