[9/5] الطبقة الحادية والأربعون
سنة 401 - 410 هـ
[9/6] [9/7] بسم الله الرحمن الرحيم
(الحوادث)
سنة إحدى وأربعمائة
فيها ورد الخبر أن أبا المَنِيع قرواش بن مُقَلّد جمع أهل المَوْصِل وأظهر عندهم طاعة الحاكم ، وعرفهم بما عزم عليه من إقامة الدعوة له ، ودعاهم إلى ذلك ، فأجابوه في الظاهر ، وذلك في المحرم ، فأعطى الخطيب نسخة ما خطب به ، فكانت : " الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله ، وله الحمد الذي انجلت بنوره غَمَرات الغضب ، وانقهرت بقُدرته أركان النَّصْب ، وأطلع بنوره شمس الحق من الغرب ، الذي محا بعدله جور الظلمة ، وقصم بقُوته ظهر الفِتْنة ، فعاد الأمر إلى نصابه ، والحق إلى أربابه ، البائن بذاته المتفرد بصفاته ، الظاهر بآياته ، المتوحد بدلالاته ، لم تفنه الأوقات فتسبقه الأزمنة ، ولم يشْبه الصور فتحويه الأمكنة ، ولم تره العيون فتصفه الألسنة " إلى أن قال : بعد الصلاة على الرسول ، " وعلى أمير المؤمنين وسيد الوصيين ، أساس الفضل والرحمة ، وعماد العِلْم والحكمة ، وأصل الشجرة الكرام البررة النابتة في الأرومة المقدسة المطهرة ، وعلى أغصانه البواسق من تلك الشجرة " .
وقال في الخطبة الثانية بعد الصلاة على محمد : " اللهم صل على وليك الأكبر علي بن أبي طالب أبي الأئمة الراشدين المَهْديين ، اللهم صل على السَّبْطَيْن الطاهرين الحسن والحسين ، اللهم صل على الإمام المهدي بك والذي بلغ بأمرك وأظهر حُجتَّك ، ونهض بالعدل في بلادك هاديا لعبادك ، اللهم صلّ على القائم بأمرك ، والمنصور بنصرك اللذين بذلا نفوسهما في رضاك وجاهدا أعداءك ، وصل على المعز لدينك ، المجاهد في سبيلك ، المُظْهِر لآياتك الحقية ، والحجة الجلية ، اللهم وصل على العزيز بك ، الذي تهذبت به البلاد ، اللهم اجعل نوامي صلواتك على سيدنا ومولانا إمام الزمان وحصن الإيمان ، وصاحب الدعوة العلوية والملة النبوية ، عبدك ووليك المنصور أبي علي [9/8] الحاكم بأمر الله ، أمير المؤمنين ، كما صليت على آبائه الراشدين ، اللهم أعنه على ما وليته ، واحفظ له ما استرعيته ، وانصر جيوشه وأعلامه " .
وكان السبب أن رسل الحاكم وكتبه تكررت إلى قرواش ، فاستمالته وأفسدت نيته . ثم انحدر إلى الأنبار ، فأمر الخطيب بهذه الخطبة ، فهرب الخطيب ، فسار قرواش إلى الكوفة ، فأقام بها الدعوة في ثاني ربيع الأول ، وأقيمت بالمدائن ، وأبدى قرواش صفحة الخلاف ، وعاث ، فانزعج القادر بالله ، وكاتب بهاء الدولة ، وأرسل في الرّسْليّة أبا بكر محمد بن الطيب الباقلاني ، وحمله قولا طويلا ، فقال : إن عندنا أكثر مما عند أمير المؤمنين ، وقد كاتبنا أبا علي - يعني عميد الجيوش - وأمرنا بإطلاق مائة ألف دينار يستعين بها على نفقة العسكر ، وإن دَعَت الحاجة إلى مسيرنا سِرنْا . ثم نفذ إلى قرواش في ذلك ، فاعتذر ووثق من نفسه في إزالة ذلك ، وأعاد الخطبة للقادر ، وكان الحاكم قد وجه إلى قرواش هدايا بثلاثين ألف دينار ، فسار الرسول فتلقّاه قَطع الخطبة في الرَّقة فردَّ .
وفي ربيع الأول منها عُزِل عن إمرة دمشق منير بالقائد مظفر ، فولي أشهرا ، وعُزِل بالقائد بدر العطار ، ثم عُزِل بدر في أواخر العام أيضا ، وولي القائد منتجب الدولة لؤلؤ ، وكلهم من جهة الحاكم العُبَيْديّ . ثم قدم دمشق أبو المطاع بن حمدان متوليا عليها من مصر يوم النَّحْر .
وفي صفر انقض وقت العصر كوكب من الجانب الغربي إلى سَمْتِ دار الخلافة ، لم يُرَ أعظم منه .
وفي رمضان بلغت زيادة دِجْلة إحدى وعشرين ذراعا وثُلثا ، ودخل الماء إلى أكثر الدُّور الشّاطئية وباب التِّبْن وباب الشعير وغرقت القُرى .
وفيها خرج أبو الفتح الحسن بن جعفر العلوي ، ودعا إلى نفسه ، وتلقب بالراشد بالله . وكان حاكما على مكة والحجاز وكثير من الشام ، فإن الحاكم بعث أمير الأمراء يازوخ نائبا إلى الشام ، فسار بأمواله وحُرمه ، فلقِيَهم في غزَّة مفرج بن جراح ، فحاز جميع ما معهم وقتل يازوخ ، وسار مفرج إلى الرملة [9/9] فنهبها ، وأقام بها الدعوة للراشد بالله ، وضرب السكة له ، واستحوذت العربُ على الشام من الفَرَما إلى طبرية ، وحاصروا الحصون ، ولم يحج ركْب من العراق .
وفيها توفي عميد الجيوش أبو علي الحُسين بن أبي جعفر عن إحدى وخمسين سنة ، وكان أبوه من حُجاب الملك عضد الدولة ، فجعل أبا علي برسم خدمة ابنه صمصام الدولة ، فخدمه وخدم بعده بهاء الدولة ، ثم ولاه بهاء الدولة تدبير العراق ، فقدِم في سنة اثنتين وتسعين ، والفِتَن شديدة واللصوص قد انتشروا ففتك بهم ، ثم غرق طائفة ، وأبطل ما تعمله الشيعة يوم عاشوراء وقيل : إنه أعطى غلاما له دنانير في صينية ، وقال : خذها على يدك وقال : سر من النجمي إلى المأصر الأعلى ، فإن عرض لك معترض فدعْه يأخذها ، واعرف الموضع . فجاء نصف الليل فقال : قد مشيتُ البلدَ كله ، فلم يلْقني أحد . ودخل مرة عليه الرُّخَّجي ، وأحضر مالا كثيرا ، وقال : مات نصراني مصري ولا وارث له . فقال : يترك هذا المال ، فإن حضر وارث وإلا أخذ . فقال الرُّخَّجي : فيحمل إلى خزانة مولانا إلى أن يتيقن الحال ، فقال : لا يجوز ذلك . ثم جاء أخو الميت فأخذ التركة .
وكان مع هيبته الشديدة عادلا ، ولي العراق ثماني سنين وسبعة أشهر . وتولى الشريف الرضي أمره ودفنه بمقابر قُرَيْش . وولي بعده العراق فخر الملك . وفيه يقول الببغاء الشاعر :
سألتُ زماني : بمن أستغيث ؟ فقال : استغِثْ بعميد الجيوشِ فناديتُ : ما لي من حِرْفة فجاوب حُوشِيت من ذا وحوشي رجاؤك إيُّاه يُدْنيك منه ولو كنتَ بالصين أو بالعريشِ نَبَتْ بي داري وفر العبيد وأودت ثيابي وبعت فروشي
[9/10] وكنتُ أُلَقَّبُ بالببغاء قديما وقد مزق الدهرُ ريشي وكان غذائي نقي الأرز فها أنا مقتنعٌ بالحشيش
وفيها كان القحط الشديد بخراسان لا سيما بَنْيسابور ، فهلك بنَيْسابور وضواحيها مائة ألف أو يزيدون ، وعجزوا عن غسل الأموات وتكفينهم ، وأُكِلَتْ الجيف والأرواث ولحوم الآدميين أكْلا ذريعا ، وقبض على أقوام بلا عدد كانوا يغتالون بني آدم ويأكلونهم ، وفي ذلك يقول أبو نصر الراهبي :
قد أصبح الناسُ في بلا ء وفي غلاء تداولوه من يلزم البيت مات جوعا أو يشهد الناس يأكلوه
وقد أنفق محمود بن سُبُكْتكين في هذا القحط أموالا لا تحصى حتى أحيا الناس ، وجاء الغيث .
وفيها وقبلها جرت بالأندلس فتنة عظيمة ، وبُذِلَ السيف بقُرْطُبة ، وقُتل خلقٌ كثير وتَمَّ ما لا يعبرَّ عنه ، سُقناه في تراجم الأمراء .