383- محمد بن عمر بن يوسف ، أبو عبد الله ابن الفخار القرطبي المالكي الحافظ عالم الأندلس في عصره .
روى عن أبي عيسى الليثي ، وأبي محمد الباجي ، وأبي جعفر بن عون الله ، وجماعة . وحج وجاور بالمدينة وأفتى بها ، فكان يفخر بذلك . تفقه بأبي محمد الأصيلي ، وأبي عمر بن المكوي . وسمع بمصر .
وكان إماما بارعا زاهدا ورعا متقشفا ، من أهل العلم والذكاء والحفظ ، عارفا [9/313] بمذاهب الأئمة وأقوال العلماء . يحفظ " المدونة " حفظا جيدا ، و" النوادر " لابن أبي زيد ، وقد أريد على الرُّسلية إلى البربر فأبى ، وقال : إني في جفاء وأخاف أن أؤذى . فقال الوزير : رجل صالح يخاف الموت ! قال : إن أخفه فقد خافه أنبياء الله ؛ هذا موسى حكى الله عنه أنه قال : " فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ " .
قال ابن حيان : توفي الفقيه المشاور ، الحافظ المستبحر الرواية البعيد الأثر ، الطويل الهجرة في طلب العلم ، الناسك المتقشف أبو عبد الله ابن الفخار بمدينة بلنسية في عاشر ربيع الأول ، فكان الحفل في جنازته عظيما ، وعاين الناس فيها آية من طيور أشباه الخطاف ، وما هي بها ، تخللت الجمع رافةً فوق النعش جانحةً إليه مشفةً ، لم تفارق نعشه إلى أن ووري فتفرقت . عاين الناس منها عجبا تحدثوا به وقتا ، ومكث مدة ببلنسيةُ مُطاعا عظيم القدر عند السلطان والعامة ، وكان ذا منزلة عظيمة في الفقه والنسك ، صاحب أنباء بديعة رحمه الله .
وقال جُماهر بن عبد الرحمن : صلى على ابن الفخار الشيخ خليل التاجر ورفرفت عليه الطير إلى أن تمت مواراته .
وكذا ذكر الحسن بن محمد القُبُّشي من خبر الطيور ، وزاد : كان عمره نحو الثمانين سنة ، وكان يقال إنه مجاب الدعوة ، واختبرت دعوته في أشياء .
وقال أبو عمرو الداني : توفي في سابع ربيع الأول عن ست وسبعين سنة ، وهو آخر الفقهاء الحفاظ الراسخين العالمين بالكتاب والسنة بالأندلس رحمه الله .
وقد ذكره عياض القاضي فقال : أحفظ الناس ، وأحضرهم علما ، وأسرعهم جوابا ، وأوقفهم على اختلاف الفقهاء وترجيح المذاهب ، حافظا للأثر ، مائلا إلى الحجة والنظر . فر عن قرطبة إذ نذرت البربر دمه عند غلبتهم على قرطبة .
[9/314] فأما أبو عبد الله بن الفخار المالقي الحافظ ، فيأتي سنة تسعين وخمسمائة .