91 - يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم ، الإمام أبو عمر النمري القرطبي العلم الحافظ ، محدث قرطبة .
روى عن الحافظ خلف بن القاسم ، وعبد الوارث بن سفيان ، وسعيد بن [10/200] نصر ، وعبد الله بن محمد بن عبد المؤمن ، وعبد الله بن محمد بن أسد الجهني ، وأحمد بن فتح الرسان ، والحسين بن يعقوب البجاني ، وأبي الوليد عبد الله بن محمد ابن الفرضي ، ومحمد بن عبد الملك بن ضيفون ، والقاسم بن عسلون الفراء ، ويعيش بن محمد الوراق ، وأبي عمر بن الجسور ، وأبي القاسم سلمة بن سعيد ، ويحيى بن مسعود بن وجه الجنة ، وأبي عمر الطلمنكي ، وأبي المطرف القنازعي ، ويونس بن عبد الله القاضي ، وآخرين . وأجاز له أبو القاسم بن عبيد الله السقطي ، وغيره من مكة ، وأبو الفتح بن سيبخت ، والحافظ عبد الغني بن سعيد ، وأبو محمد النحاس من مصر .
قال طاهر بن مفوز : سمعته يقول : ولدت يوم الجمعة والإمام يخطب لخمس بقين من ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة .
قلت : وطلب الحديث سنة بضع وثمانين ، قبل أن يولد الحافظ أبو بكر الخطيب بأعوام .
قال أبو الوليد الباجي : لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر بن عبد البر في الحديث .
وقال أبو محمد بن حزم في رسالته في " فضائل الأندلس " : ومنها - يعني المصنفات - كتاب " التمهيد " لصاحبنا أبي عمر يوسف بن عبد البر ، وهو الآن بعد في الحياة لم يبلغ سن الشيخوخة . قال : وهو كتاب لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلاً ، فكيف أحسن منه؟ . ومنها كتاب " الاستذكار " ، وهو اختصار " التمهيد " المذكور . ولصاحبنا أبي عمر تواليف لا مثل لها في جميع معانيها ، منها كتابه المسمى " بالكافي في الفقه " ، على مذهب مالك خمسة عشر كتاباً ، مغن عن المصنفات الطوال في معناه ، ومنها كتابه في الصحابة ، يعني " الاستيعاب " ، ليس لأحد من المتقدمين قبله مثله ، على كثرة ما صنفوا في ذلك ، ومنها كتاب " الاكتفاء في قراءة نافع وأبي عمرو " ، ومنها كتاب " بهجة [10/201] المجالس وأنس المجالس " نوادر وأبيات ، ومنها كتاب " جامع بيان العلم وفضله " .
وقال القاضي عياض : صنف أبو عمر بن عبد البر كتاب " التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد " في عشرين مجلداً ، وكتاب " الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار لما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار " ، وكتاب " التقصي لحديث الموطأ " ، وكتاب " الاستيعاب لأسماء الصحابة " ، وكتاب " العلم " ، وكتاب " الإنباه عن قبائل الرواة " وكتاب " الانتقاء لمذاهب الثلاثة علماء؛ مالك وأبي حنيفة والشافعي " ، وكتاب " البيان في تلاوة القرآن " ، وكتاب " الأجوبة الموعبة " ، وكتاب " بهجة المجالس " ، وكتاب " المعروفين بالكنى " ، وكتاب " الكافي في الفقه " ، وكتاب " الدرر في اختصار المغازي والسير " ، وكتاب " القصد والأمم في أنساب العرب والعجم وأول من نطق بالعربية من الأمم " ، وكتاب " الشواهد في إثبات خبر الواحد " ، وكتاب " الاكتفاء في القراءات " ، وكتاب " الإنصاف فيما في اسم الله من الخلاف " ، وكتاب " الفرائض " ، وأشياء من الكتب الصغار .
قال أبو علي بن سكرة : سمعت أبا الوليد الباجي ، وجرى ذكر ابن عبد البر ، فقال : هو أحفظ أهل المغرب .
وقال الحافظ أبو علي الغساني : سمعت أبا عمر بن عبد البر يقول : لم يكن أحد ببلدنا مثل قاسم بن محمد ، وأحمد بن خالد الجباب . قال الغساني : وأنا أقول إن شاء الله : إن أبا عمر لم يكن بدونهما ، ولا متخلفاً عنهما .
وكان من النمر بن قاسط ، طلب وتفقه ولزم أبا عمر أحمد بن عبد الملك الإشبيلي الفقيه ، فكتب بين يديه ، ولزم ابن الفرضي ، وعنه أخذ كثيرا من علم الحديث . ودأب أبو عمر في طلب الحديث ، وافتن به ، وبرع براعة فاق بها من تقدمه من رجال الأندلس .
وكان مع تقدمه في علم الأثر ، وبصره بالفقه والمعاني ، له بسطة كبيرة في علم النسب والخبر . جلا عن وطنه ومنشئه قرطبة ، فكان في الغرب مدة ، [10/202] ثم تحول إلى شرق الأندلس ، وسكن دانية ، وبلنسية ، وشاطبة وبها توفي
.
وذكر غير واحد أن أبا عمر ولي القضاء بأشبولة في دولة المظفر بن الأفطس مدة .
وقد سمع " سنن أبي داود " عالياً من ابن عبد المؤمن ، بسماعه من ابن داسة . وسمع منه فوائد عن إسماعيل الصفار ، وغيره . وقرأ كتاب الزعفراني على ابن ضيفون ، بسماعه من ابن الأعرابي ، عنه . وسمع ابن عبد البر من جماعة حدثوه ، عن قاسم بن أصبغ .
وكان مع إمامته وجلالته أعلى أهل الأندلس إسناداً في وقته .
روى عنه أبو العباس الدلائي ، وأبو محمد بن أبي قحافة ، وأبو الحسن بن مفوز ، وأبو عبد الله الحميدي ، وأبو علي الغساني ، وأبو بحر سفيان بن العاص ، ومحمد بن فتوح الأنصاري ، وطائفة سواهم ، وأبو داود سليمان بن نجاح المقرئ وقال : توفي ليلة الجمعة سلخ ربيع الآخر ، ودفن يوم الجمعة بعد العصر .
قلت : استكمل رحمه الله خمساً وتسعين سنة وخمسة أيام .
وقال شيخنا أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح ، ومن خطه نقلت : كان أبو عمر بن عبد البر أعلم من بالأندلس في السنن والآثار واختلاف علماء الأمصار . وكان في أول زمانه ظاهري المذهب مدة طويلة ، ثم رجع عن ذلك إلى القول بالقياس من غير تقليد أحد ، إلا أنه كان كثيراً ما يميل إلى مذهب الشافعي .
قلت : وجميع شيوخه الذين حمل عنهم لا يبلغون سبعين نفساً ، ولا رحل في الحديث ، ومع هذا فما هو بدون الخطيب ، ولا البيهقي ولا ابن حزم في كثرة الاطلاع ، بل قد يكون عنده ما ليس عندهم مع الصدق والديانة والتثبت وحسن الاعتقاد .
قال الحميدي : أبو عمر فقيه حافظ مكثر ، عالم بالقراءات وبالخلاف ، وبعلوم الحديث والرجال ، قديم السماع ، لم يخرج من الأندلس ، وكان يميل في الفقه إلى أقوال الشافعي .
قلت : وكان سلفي الاعتقاد ، متين الديانة .