59 - عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ
الزَّاهِدُ ، الْقُدْوَةُ ، شَيْخُ الْعُبَّادِ أَبُو عُبَيْدَةَ الْبَصْرِيُّ .
حَدَّثَ عَنِ : الْحَسَنِ ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَاشِدٍ ، وَعُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ ، وَعِدَّةٍ .
وَعَنْهُ : مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَاكِ ، وَوَكِيعٌ ، وَزَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ ، وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَآخَرُونَ . وَحَدِيثُهُ مِنْ قَبِيلِ الْوَاهِي عِنْدَهُمْ .
قَالَ الْبُخَارِيُّ : تَرَكُوهُ . وَقَالَ النَّسَائِيُّ : مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ . وَقَالَ ابْنُ [7/179] حِبَّانَ : كَانَ مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْعِبَادَةُ ، حَتَّى غَفَلَ عَنِ الْإِتْقَانِ ، فَكَثُرَتِ الْمَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ .
قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ : قَالَ لِي أَبُو سُلَيْمَانَ : أَصَابَ عَبْدَ الْوَاحِدِ الْفَالِجُ ، فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَهُ فِي وَقْتِ الْوُضُوءِ ، فَكَانَ إِذَا أَرَادَ الْوُضُوءَ انْطَلَقَ ، وَإِذَا رَجَعَ إِلَى سَرِيرِهِ فُلِجَ .
وَعَنْهُ قَالَ : عَلَيْكُمْ بِالْخُبْزِ وَالْمِلْحِ ، فَإِنَّهُ يُذِيبُ شَحْمَ الْكُلَى ، وَيَزِيدُ فِي الْيَقِينِ . قَالَ مُعَاذُ بْنُ زِيَادٍ : سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ زَيْدٍ غَيْرَ مَرَّةٍ يَقُولُ : مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي جَمِيعَ مَا حَوَتْهُ الْبَصْرَةُ بِفَلْسَيْنِ .
وَعَنْ رَجُلٍ قَالَ : وَعَظَ عَبْدُ الْوَاحِدِ ، فَنَادَى رَجُلٌ : كُفَّ ، فَقَدْ كَشَفْتَ قِنَاعَ قَلْبِي . فَمَا الْتَفَتَ ، وَمَرَّ فِي الْمَوْعِظَةِ ، فَحَشْرَجَ الرَّجُلُ وَمَاتَ ، فَشَهِدْتُ جِنَازَتَهُ .
وَقَالَ مِسْمَعُ بْنُ عَاصِمٍ : شَهِدْتُ عَبْدَ الْوَاحِدِ يَعِظُ ، فَمَاتَ فِي الْمَجْلِسِ أَرْبَعَةٌ .
وَعَنْ حُصَيْنٍ الْوَزَّانِ قَالَ : لَوْ قُسِّمَ بَثُّ عَبْدِ الْوَاحِدِ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَوَسِعَهُمْ . وَكَانَ يَقُومُ إِلَى مِحْرَابِهِ كَأَنَّهُ رَجُلٌ مُخَاطَبٌ .
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيِّ قَالَ : صَلَّى عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ الصُّبْحَ بِوُضُوءِ الْعَتَمَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً .
قُلْتُ : فَارَقَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ لِاعْتِزَالِهِ ، وَقَالَ بِصِحَّةِ الِاكْتِسَابِ ، وَقَدْ نُسِبَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْقَدَرِ ، وَلَمْ يُشْهَرْ ; بَلْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلْكَلَامِ فِي مَذَاهِبِ [7/180] النُّسَّاكِ ، وَتَبِعَهُ خَلْقٌ . وَقَدْ كَانَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ يَعِظَانِ أَيْضًا ، وَلَكِنَّهُمَا كَانَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ .
وَكَانَ عَبْدُ الْوَاحِدِ صَاحِبَ فُنُونٍ ، دَاخِلًا فِي مَعَانِي الْمَحَبَّةِ وَالْخُصُوصِ ، قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ رُؤْيَةِ الِاكْتِسَابِ ، وَفِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ الْقَدَرِ ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ : لَا نَجَاةَ إِلَّا بِعَمَلٍ . فَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَيَحُضُّونَ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي الْعَمَلِ ، وَلَيْسَ بِهِ النَّجَاةُ وَحْدَهُ دُونَ رَحْمَةِ اللَّهِ .
وَكَانَ عَبْدُ الْوَاحِدِ لَا يُطْلِقُ : إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ الْعِبَادَ ، تَنْزِيهًا لَهُ . وَهَذِهِ بِدْعَةٌ . وَفِي الْجُمْلَةِ ، عَبْدُ الْوَاحِدِ مِنْ كِبَارِ الْعُبَّادِ ، وَالْكَمَالُ عَزِيزٌ . وَقَدْ سُقْتُ مِنْ أَخْبَارِهِ فِي " تَارِيخِ الْإِسْلَامِ " وَلَكِنَّ ابْنَ عَوْنٍ وَمِسْعَر وَهَؤُلَاءِ أَرْفَعُ وَأَجَلُّ . مَاتَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ وَمِائَةٍ وَيُقَالُ : بَقِيَ إِلَى سَنَةِ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ ، وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا ، وَإِنَّمَا الْمُتَأَخِّرُ إِلَى هَذَا التَّارِيخِ الْحَافِظُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ .