[1/273] فصل
فَهَذِهِ نبذةٌ من أحوالِ هَؤُلَاءِ الْحفاظ ، الَّذين تتنزل الرَّحْمَة بذكرهم ، وَهِي مختصرة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا تَرَكْنَاهُ . ذكرتها لَك مَجْمُوعَة أَيهَا النَّاظر فِي هَذَا الْموضع ؛ لتعرف مَنَازِلهمْ ، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ ، وَكَيف حَالهم فِي اجتهادهم فِي هَذَا الْعلم ، والإِكباب عَلَيْهِ . فَلَعَلَّ ذَلِكَ يكون محركًا فِي المسارعة إِلَى تتبع أَثَرهم ، وَالسير إِلَيْهِ ، لَعَلَّك تصل إِلَى بعض بعض مَا وصلوا إِلَيْهِ ، أَو إِلَى كلّه ، ففضل الله وعطاؤه وَاسع ، لَا زَالَ مُنْهَلًّا لَدَيْهِ .
ثمَّ وفَّق الله الْعَظِيم - وَله المِنَّة - هَؤُلَاءِ الحفَّاظ ، الْأَئِمَّة النقَّاد إِلَى وُصُول مَا حفظوه إِلَيْنَا ، وتقريب مَا تقلَّدوه علينا ، فصنَّفوا فِي ذَلِكَ مصنفات مبتكرة ، مُطَوَّلَة ومختصرة .
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي أول من صنَّف الْكتب عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال :
أَحدهَا : عبد الْملك بن جريج .
ثَانِيهَا : الرّبيع بن صَبِيح .
ثَالِثهَا : (سعيد) بن أبي عرُوبَة .
حَكَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي "جَامع المسانيد" .
وَاخْتلف فِي ذَلِكَ مقاصدهم ، وتشعَّبت آراؤهم ، وَكلهَا مَقَاصِد حَسَنَة ، وأفعال مستحسنة .
فَمنهمْ من رَأَى أَن تدوينه عَلَى مسانيد الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أقرب إِلَى ضَبطه ، فرتَّبه كَذَلِك ، كالإِمام أَحْمد بن حَنْبَل فِي "مُسْنده" ، ونظرائه .
(قَالَ الْحَاكِم : أول من صنَّف الْمسند عَلَى [ تراجم الرِّجَال ] : [1/274] عبيد الله بن مُوسَى العَبْسي ، وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ) .
وَمِنْهُم من رَأَى أَن تدوينه عَلَى تَرْتِيب أَبْوَاب الْفِقْه أسْرع لتنَاوله ، فرتَّبه كَذَلِك .
وَقيل : أول من فعل ذَلِكَ الرّبيع بن صبِيح . وَقيل : مَالك بن أنس فِي "موطئِهِ" وَبِه جزم الإِمام الرَّافِعِيّ فِي "أَمَالِيهِ" .
ثمَّ مِنْ بعدهمْ جمع كَبِير ، وجمٌّ غفير ، كَعبد الرَّزَّاق ، وَابْن أبي شيبَة ، وَغَيرهمَا .
وهلم جرًّا إِلَى زمن الإِمامين ، الحافظين ، الناقدين : أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ ، وَأبي الْحُسَيْن مُسلم بن (الْحجَّاج) الْقشيرِي ، فصنفا كِتَابَيْهِمَا الصَّحِيحَيْنِ ، والتزما ألَّا يوردا فيهمَا إلَّا حَدِيثا صَحِيحا ، وتلقَّتهما الْأمة بِالْقبُولِ .
ثمَّ ألَّف جمَاعَة فِي زمنهما كتبا أُخر عَلَى الْأَبْوَاب ، من غير الْتِزَام فِيهَا مَا التزماه ، فَلم تلتحق بهَا ، كسنن أبي دَاوُد سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث السجسْتانِي ، وجامع أبي عِيسَى مُحَمَّد بن سَوْرة التِّرْمِذِيّ (الضَّرِير) ، وَسنَن أبي عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ ، وَسنَن أبي عبد الله بن مَاجَه الْقزْوِينِي .
وألَّف جمَاعَة أُخر كتبا كَذَلِك : فبعضهم شَرط أَن يكون مُصَنفه مُخرَّجًا عَلَى أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا ، ككتاب أبي نعيم ، [1/275] وَالْبرْقَانِي ، والإسماعيلي ، وَأبي عَوَانَة .
وَبَعْضهمْ شَرط أَن يسْتَدرك مَا أهمله الشَّيْخَانِ فِي "صَحِيحَيْهِمَا" ، كَمَا فعل الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْكتاب الَّذِي سَمَّاه ب "الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ" .
وَبَعْضهمْ شَرط فِي مُصَنفه الصِّحَّة مُطلقًا ، لَا عَلَى رأيٍ ، بل عَلَى رَأْيهمْ ، كصحيح إِمَام الْأَئِمَّة ، أبي بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة ، وصحيح أبي حَاتِم بن حبَان ، الْمُسَمَّى ب "التقاسيم والأنواع" ، وَهَذَا لم يرتبه مُصَنفه عَلَى التَّرْتِيب الْمَذْكُور ، وَإِنَّمَا رتَّبه عَلَى ترتيبٍ خَاص بديع .
(وَبَعْضهمْ لم يَشْتَرِطْ) شَرْطًا ، وإنَّما أودعا فِي تصانيفهما الصَّحِيح والضعيف ، مبينين ذَلِكَ ، ك "سنَن أبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ) ، و "السّنَن الْكَبِير" لِلْحَافِظِ أبي بكر الْبَيْهَقِيّ ، المرتَّب عَلَى تَرْتِيب "الْمَبْسُوط" الَّذِي صنَّفه عَلَى تَرْتِيب (مُخْتَصر) الْمُزنِيّ .
هَذَا كُله كَانَ (عَلَى) رَأْي السّلف الأول ، يذكرُونَ الْأَحَادِيث بِالْأَسَانِيدِ فِي هَذِه التصانيف ، إذْ عَلَيْهِ المُعَوَّل .
وَأما الْمُتَأَخّرُونَ ، فاقتصروا عَلَى إِيرَاد الْأَحَادِيث فِي تصانيفهم بِدُونِ الْإِسْنَاد ، مقتصرين عَلَى الْعزو إِلَى الْأَئِمَّة الأُوَل - [ إلاّ أفرادًا ] من ذَلِكَ وآحادًا - : كأحكام عبد الْحق "الْكُبْرَى" ، و "الصُّغْرَى" و "الْوُسْطَى" . [1/276] وَعَلَى "الْوُسْطَى" اعتراضات لِلْحَافِظِ أبي الْحسن بن الْقطَّان ، وَمَا أَكثر نَفعه . وَعَن بَعْضهَا أجوبة لبَعض الْمُتَأَخِّرين .
وَأَحْكَام (الْحَافِظ) أبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد ، الْمَعْرُوف ب "الضياء الْمَقْدِسِي" ، وَلم يتمم كِتَابه ، وصل فِيهِ إِلَى أثْنَاء الْجِهَاد ، وَهُوَ أكثرها نفعا .
وَأَحْكَام الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي : "الْكُبْرَى" ، و "الصُّغْرَى" .
وَأَحْكَام الْحَافِظ مجد الدَّين عبد السَّلَام ابْن تَيْمِية ، الْمُسَمَّى ب "المُنْتَقَى" ، وَهُوَ كاسمه ، وَمَا أحْسنه ، لَوْلَا إِطْلَاقه فِي كثير من الْأَحَادِيث الْعزو إِلَى (كتب) الْأَئِمَّة دون التحسين والتضعيف ، يَقُول مثلا : (رَوَاهُ أَحْمد) ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد . وَيكون الحَدِيث ضَعِيفا ، وَأَشد من ذَلِكَ : كَون الحَدِيث فِي "جَامع التِّرْمِذِيّ" مُبَيَّنًا ضعفه ، فيعزيه إِلَيْهِ من غير بَيَان ضعفه .
وَيَنْبَغِي لِلْحَافِظِ جمع هَذِه الْمَوَاضِع ، وكتبها عَلَى حَوَاشِي هَذَا الْكتاب ، أَو جمعهَا فِي مُصَنف لتكمل فَائِدَة الْكتاب الْمَذْكُور . وَقد شَرَعْتُ فِي كَتْبِ ذَلِكَ عَلَى حَوَاشِي نُسْخَتي ، وَأَرْجُو إِتْمَامه .
وَأَحْكَام الْحَافِظ محب الدَّين الطَّبَرِيّ - نزيل مَكَّة ، شرَّفها الله تَعَالَى - وَهُوَ أبسطها وأطولها .
وَأَحْكَام بَقِيَّة الْمُجْتَهدين فِي هَذَا الْفَنّ : تَقِيّ الدَّين أبي الْفَتْح الْقشيرِي ، الْمُسَمَّى ب "الْإِلْمَام" ، وشَرَطَ فِيهِ - كَمَا قَالَ فِي خطبَته - أَن لَا [1/277] يُخرج إلَّا حَدِيثا قد صحَّحه أحدٌ من الْأَئِمَّة ، أَو زَكَّى (رُواته) واحدٌ مِنْهُم ، وإنْ كَانَ غَيره قد ضعَّفه .
وَأما كِتَابه "الإِمام" : فَهُوَ للْمُسلمين إِمَام ، وَلِهَذَا الْفَنّ زِمَام ، لَا نَظِير لَهُ ، لَو تمَّ جَاءَ فِي خَمْسَة وَعشْرين مجلدًا ، كَمَا قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ فِي كِتَابه "سير النبلاء" . وَهُوَ حقيق بذلك ؛ فقد رَأَيْت من أوَّلِه إِلَى أثْنَاء كتاب الصَّلَاة فِي الْكَلَام عَلَى رفع الْيَدَيْنِ فِي ثَلَاث مجلداتٍ ضخماتٍ ، وَنقل (الذَّهَبِيّ) فِي الْكتاب الْمَذْكُور ، عَن شَيخنَا قطب الدَّين (عبد الْكَرِيم) الْحلَبِي - رَحْمَة الله عَلَيْهِ - أنَّه كَمَّل تسويد هَذَا الْكتاب . وَكَذَلِكَ سمعته من بعض مَشَايِخنَا ، يَحْكِي عَن الهمذاني عَن المُصَنّف أَنه أكمله .
وَالْمَوْجُود بِأَيْدِينَا مِنْهُ متواليًا مَا قَدَّمْتُه ، وَقطعَة من الْحَج وَالزَّكَاة . وَلَو بُيِّض هَذَا الْكتاب ، وَخرج إِلَى النَّاس ، لاستغني بِهِ عَن كل كتاب صُنِّف فِي نَوعه ، أَو بقيت مسودته . وَيُقَال : إِن بَعضهم أَفْسَدَ قِطْعَة مِنْهُ حسدًا . فَلَا حول وَلَا قُوَّة إلَّا بِاللَّه العليّ الْعَظِيم .
هَذَا كَلَامهم فِيمَا يتَعَلَّق بمتن الحَدِيث . وَأما متعلقاته :
فَأمر غَرِيبه : [1/278] أفرده بالتصنيف : أَبُو عُبَيْدَة معمر بن المثنَّى ، وتلميذه أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام ، وَالنضْر بن شُمَيْل ، والهروي ، وَابْن الْأَثِير ، وَغَيرهم .
وَأمر أَسمَاء رُوَاته جرحا وتعديلًا :
وَأول من تكلَّم فِي ذَلِكَ : شُعْبَة ، ثمَّ تبعه يَحْيَى بن سعيد القطَّان ، ثمَّ أَحْمد بن حَنْبَل ، وَيَحْيَى بن معِين . كَمَا قَالَه صَالح بن مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ - فأفرده بالتصنيف : يَحْيَى بن معِين - وَهُوَ أول من وضع كتابا فِي ذَلِكَ - ثمَّ البُخَارِيّ ، ثمَّ أَبُو زرْعَة ، وَأَبُو حَاتِم ، وَالنَّسَائِيّ .
وَمن بعدهمْ : كالعُقَيْلي ، والأزدي ، وَابْن حبَان .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي كِتَابه "الاقتراح" : أَعْرَاض الْمُسلمين حُفْرَة من حفر النَّار ، وَقَفَ عَلَى شَفِيْرِها طَائِفَتَانِ من النَّاس : المحدثون والحكام . قَالَ : وَكَانَ شيخ شُيُوخنَا الْحَافِظ أَبُو الْحسن الْمَقْدِسِي يَقُول فِي الرجل الَّذِي يخرج عَنهُ فِي الصَّحِيح : هَذَا جَازَ القنطرة . يَعْنِي بذلك : أَنه لَا (يلْتَفت) إِلَى مَا قيل فِيهِ .
قَالَ الشَّيْخ : وَهَكَذَا (نعتقد ، و) بِهِ نقُول ، وَلَا نخرج عَنهُ إلَّا ببيانٍ (شافٍ) ، وَحجَّة ظَاهِرَة .
وَأمر صحابته أفرده بالتصنيف :
أَبُو نعيم وَأَبُو مُوسَى الأصبهانيان ، وَابْن قَانِع ، وَابْن عبد الْبر ، وَابْن الْأَثِير ، وَغَيرهم .
وَكَذَلِكَ فعلوا - قَدَّس الله أَرْوَاحهم ، ونَوَّر ضرائحهم - بباقي [1/279] أَنْوَاعه ، وفنونه الزَّائِدَة عَلَى السِّتين نوعا ، أَنْجَحَ الله قصدهم ، وَلَا خَيَّبَ سعينا وسعيهم ، فَلَقَد بذلوا جهدهمْ فِيمَا صنَّفوه ، وأتعبوا فِكْرَهُم فِيمَا وضعوه وحرَّروه ، وَلم يبْق هِمَّةُ أكثرِ الْفُضَلَاء (من) الْمُتَأَخِّرين إلَّا النّظر فِيمَا هَذَّبُوه ، والاقتباس مِمَّا قَيَّدوه وضبطوه ، ولعمري إنَّ ذَلِكَ (الْيَوْم) لمن أشرفِ المطالب ، وأعظمِ الْمَقَاصِد .
وَكنت مِمَّن أَنعمَ الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَله الْحَمد والمِنَّة - عَلَيْهِ محبَّة الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة ، خُصُوصا هَذَا الْعلم الشريف ، فَكنت أُعلِّق فَوَائده ، وأَضبط شوارده ، وأُقيِّد أوابده ، وأَسمع عاليه ونازله ، كاشفًا عَن فنونه ، باحثًا عَن علومه ، (أَعنِي) : صَحِيحه ، وَحسنه ، وضعيفه ، ومتصله ، ومرسله ، ومنقطعه ، ومعضله ، ومقلوبه ، ومشهوره ، وغريبه ، وعزيزه ، ومنكره ، و (معروفه) ، وآحاده ، ومتواتره ، وأفراده ، وشاذه ، ومعلله ، ومدرجه ، ومبينه ، ومختلفه ، وموضوعه ، إِلَى غير ذَلِكَ من معرفَة حَال أسانيده جرحا وتعديلًا ، وأنسابًا وتاريخًا ، وصدقًا وتدليسًا ، واعتبارًا ومتابعةً ، ووصلًا وإرسالًا ، ووقفًا وانقطاعًا ، وَزِيَادَة الثِّقَات ، وَمَا خُولف فِيهِ الْأَثْبَات ، وَمَعْرِفَة الصَّحَابَة وتابعيهم وتابعي التَّابِعين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أَجْمَعِينَ .
ويَسَّر الله - تَعَالَى - لنا - سُبْحَانَهُ ، وَله الْحَمد والْمنَّة - من الْكتب الَّتِي يحْتَاج إِلَيْهَا طَالب هَذَا الْفَنّ : زِيَادَة عَلَى مائَة تأليف ، كَمَا سأعدها لَك فِي آخر الْخطْبَة . وأحببت أَن أشتغل بِكِتَابَة الحَدِيث النَّبَوِيّ - عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام ، وَأعظم التَّحِيَّة والإِكرام - رَجَاء شَفَاعَته (فيَّ) [1/280] يَوْم الْقِيَامَة ، يَوْم الهول والملامة ، وثواب الله الْكَرِيم ، وفضله العميم ، وَقد قَالَ عبد الله بن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فِيمَا (روينَا عَنهُ) : " اغْدُ عَالما أَو مُتَعَلِّمًا ، وَلَا تَغْدُ الثَّالِثَة فَتَهْلِك " .
وَفِي "المعجم الْكَبِير" للطبراني من حَدِيث عَطاء بن مُسلم ، عَن خَالِد الحَذَّاء ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي [ بكرَة ] ، عَن أَبِيه ، قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : " اغْدُ عَالما ، أَو مُتَعَلِّمًا ، أَو مستمعًا ، أَو مُحِبًّا ، وَلَا تكن الْخَامِسَة فتهلك " ، قَالَ : يَعْنِي بالخامسة : المُبْغِض .
ورجاءَ وُصُول هَذَا (الْعلم) الشريف إِلَى ذهني الركود ، وقريحتي الَّتِي قَلَّ أَن تجود ، وامتثالًا لقَوْل الْعلمَاء أولي الْفضل والتفضيل : التصنيف أحد (طريقَي) التَّحْصِيل .
وَلَا شكّ وَلَا مرية أَن أهم أَنْوَاعه - قبل الْخَوْض فِي فهمه - : معرفَة صَحِيحه من سقيمه ، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي كِتَابه "الاقتراح" : نَحن نرَى أَن [ من ] أهم عُلُوم الحَدِيث : مَا يُؤَدِّي إِلَى معرفَة صَحِيح الحَدِيث . [1/281] فَبَقيت زَمنا مُتَحَيِّرًا فِيمَ أكتبه ، وَمَا أعلِّقه وأصنِّفه ، إِلَى أَن خار الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - والخيرة بِيَدِهِ ، كَمَا قَالَ فِي كِتَابه : ( مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) ، وَله الْحَمد والمنَّة - بتأليف كتاب نَفِيس ، لم أُسْبَقْ إِلَى وَضعه ، وَلم يُنسج عَلَى منواله وَجمعه ، وَأهل زَمَاننَا وَغَيرهم (شديدو) الْحَاجة إِلَيْهِ ، وكل الْمذَاهب تعتمد فِي الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ ، وَهُوَ : أَن أتكلَّم عَلَى الْأَحَادِيث (والْآثَار الْوَاقِعَة) فِي "الْفَتْح الْعَزِيز (فِي) شرح الْوَجِيز" ، وَهُوَ الشَّرْح الْكَبِير الَّذِي صنَّفه إِمَام الملَّة والدِّين ، أَبُو الْقَاسِم عبد الْكَرِيم ابْن الإِمام أبي الْفضل مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الرَّافِعِيّ ، قدَّس الله روحه ونوَّر ضريحه ، فَإِنَّهُ كتاب لم يصنف فِي الْمَذْهَب عَلَى مثل أسلوبه ، وَلم يجمع أحد سلف كجمعه ، فِي ترتيبه وتنقيحه وتهذيبه ، ومرجع فقهائنا فِي كل الأقطار - الْيَوْم - فِي الْفَتْوَى ، والتدريس ، والتصنيف إِلَيْهِ ، واعتمادهم فِي هَذِه الْأُمُور عَلَيْهِ .
لكنه - أَجْزَل الله مثوبته - مَشَى فِي هَذَا الشَّرْح الْمَذْكُور عَلَى طَريقَة الْفُقَهَاء الخُلَّص ، فِي ذكر الْأَحَادِيث الضعيفة والموضوعات ، والمنكرة والواهيات ، وَالَّتِي لَا تعرف أصلا فِي كتاب حَدِيث ، لَا قديم وَلَا حَدِيث ، فِي معرض الِاسْتِدْلَال ، من غير بَيَان ضَعِيف من صَحِيح ، وسليم من جريح .
وَهُوَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إِمَام فِي الْفَنّ الْمَذْكُور ، وَأحد فرسانه ، كَمَا سَيَأْتِي إيضاحه فِي تَرْجَمته . فتوكلت - حينئذٍ - عَلَى الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - فِي [1/282] ذَلِكَ ، وسَأَلْتُه التوفيقَ فِي القولِ والعملِ ، والعصمة من الْخَطَأ والخَطَل .
وَكنت عزمت عَلَى أَن أرتِّب أَحَادِيث وآثار الْكتاب الْمَذْكُور عَلَى مسانيد الصَّحَابَة ، فأذكر الصَّحَابِيّ وعدة مَا رَوَى من الْأَحَادِيث ، وَمَا لَهُ من الْآثَار ، فثنيت الْعَنَان عَن ذَلِكَ ، لوَجْهَيْنِ :
أَحدهمَا : أَن الإِمام الرَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فِي كثير من المواطن لَا يذكر إلَّا نَفْس الحَدِيث ، ويحذف الرَّاوِي ، إذْ هُوَ مَوضِع الْحَاجة ، فَلَا يَهْتَدِي طَالب الحَدِيث إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يعرف مظنته .
الثَّانِي : أَن ذَلِكَ يعسر عَلَى الْفَقِيه ، فإنَّه يَسْتَدْعِي معرفَة جَمِيع الْأَحَادِيث والْآثَار الْوَاقِعَة فِي شرح الرَّافِعِيّ ، واستحضارها - وَهِي زَائِدَة عَلَى أَرْبَعَة آلَاف بمكررها - وَرُبمَا عسر ذَلِكَ عَلَيْهِم .
فرتبته عَلَى تَرْتِيب "شرح الرَّافِعِيّ" ، لَا أُغَيِّر مِنْهُ شَيْئا بِتَقْدِيم وَلَا بِتَأْخِير ، فأَذكر كل بَاب وَمَا تضمَّنه من الْأَحَادِيث والْآثَار .
فَمَتَى طلب الطَّالِب حَدِيثا أَو أثرا فِي "كتاب الطَّهَارَة" مِنْهُ ، فَزِعَ إِلَى كتاب الطَّهَارَة من هَذَا التَّأْلِيف ، أَو فِي "كتاب الصَّلَاة" فَزِعَ إِلَى كتاب الصَّلَاة مِنْهُ ، وَهَكَذَا أَولا فَأول ، عَلَى التَّرْتِيب وَالْوَلَاء ، إِلَى آخر الْكتاب - إِن شَاءَ الله تَعَالَى ذَلِكَ وقَدَّره - مُعْزِيًا إِلَى الْأُصُول الْمخْرج مِنْهَا :
فَإِن كَانَ الحَدِيث أَو الْأَثر فِي صحيحي الإِمامين : أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ وَأبي الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج القُشَيْري ، أَو أحدِهِما : اكتفيت بعزوه إِلَيْهِمَا ، أَو إِلَيْهِ ، وَلَا أُعَرِّجُ عَلَى من رَوَاهُ غَيرهمَا من بَاقِي (أَصْحَاب) الْكتب الستَّة ، وَالْمَسَانِيد ، والصحاح ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي الإِطالة بذلك - وَإِن كَانَ الْحَافِظ مجد الدَّين عبد السَّلَام [1/283] ابْن تَيْمِية اعْتمد ذَلِكَ فِي "أَحْكَامه" - لِأَن الْغَرَض الِاخْتِصَار ، وَذَلِكَ عِنْدِي - بِحَمْد الله - من أيسر شَيْء . اللَّهُمَّ إلَّا أَن يكون فِي الحَدِيث زِيَادَة (عِنْد غَيرهمَا) ، وَالْحَاجة دَاعِيَة إِلَى ذَلِكَ ، فَأُشْفِعُه (بالعزو) إِلَيْهِم .
وَإِن لم يكن الحَدِيث فِي وَاحِد من الصَّحِيحَيْنِ ، (عزوته) إِلَى من أخرجه من الْأَئِمَّة : كمالك فِي "موطئِهِ" ، وَالشَّافِعِيّ فِي "(الْأُم) " ، و "مُسْنده" الَّذِي جُمع من حَدِيثه ، و "سنَنه" الَّتِي رَوَاهَا الطَّحَاوِيّ عَن الْمُزنِيّ عَنهُ ، و "سنَنه" الَّتِي رَوَاهَا أَبُو عبد الله ، مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم عَنهُ ، وَأحمد فِي "مُسْنده" ، وَعبد الله بن وهب فِي "موطئِهِ" ، وَأبي دَاوُد فِي "سنَنه" ، وَأبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي "جَامعه" ، وَأبي عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ فِي "سنَنه الْكَبِير" المُسَمَّى ب "المجتنى" ، و "الصَّغِير" المُسَمَّى ب "الْمُجْتَبَى" ، وَأبي عبد الله بن مَاجَه الْقزْوِينِي فِي "سنَنه" ، وَأبي عوَانَة فِي "صَحِيحه" ، وَإِمَام الْأَئِمَّة مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة فِي الْقطعَة الَّتِي وقفتُ عَلَيْهَا من "صَحِيحه" ، وَأبي حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه الْمُسَمَّى ب "التقاسيم والأنواع" ، وَفِي كِتَابه "وصف الصَّلَاة بِالسنةِ" ، وَأبي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي "صَحِيحه" وَأبي عبد الله الْحَاكِم فِيمَا استدرك عَلَى "الصَّحِيحَيْنِ" ، وَابْن أبي شيبَة ، والحُمَيْدِي ، والدَّارِمِي ، و (أبي) دَاوُد الطَّيَالِسي ، وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه ، وَأبي يَعْلَى ، والبَزَّار ، والْحَارث بن أبي أُسَامَة ، فِي "مسانيدهم" ، وَابْن الْجَارُود فِي "المُنْتَقى" ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي [1/284] "سنَنه" ، وَأبي بكر الْبَيْهَقِيّ فِي "السّنَن الْكَبِير" ، وانْتَقَد عَلَيْهِ بعض شُيُوخنَا مواضعَ يُمكن الْجَواب عَنْهَا ، و "معرفَة السّنَن والْآثَار" ، و "شعب الإِيمان" والمعاجم الثَّلَاثَة للطبراني ، والْكَبِير سِتُّونَ ألف حديثٍ ، كَمَا قَالَه ابْن دحْيَة فِي كتاب "الْآيَات الْبَينَات" . قَالَ فِي (مَوضِع آخر) مِنْهُ : وَقيل : ثَمَانُون ألفا . وَجمع الْقَوْلَيْنِ فِي كِتَابه "خَصَائِص أَعْضَاء رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " . قَالَ : وعاش مائَة سنة . وَقَالَ صَاحب "مُسْند الفردوس" : وَيُقَال : إِن الْأَوْسَط ثَلَاثُونَ ألف حَدِيث . و "الطّهُور" لأبي عبيد الْقَاسِم بن سَلَّام ، و "سنَن" اللالكائي ، و "سنَن" أبي عَلّي بن السَّكن ، المسمَّى ب "(السّنَن) الصِّحَاح المأثورة" .
نَاظرا عَلَى ذَلِك من كتب الصَّحَابَة :
مَا صنَّفه أَبُو نعيم وَأَبُو مُوسَى الأصبهانيان ، وَابْن عبد الْبر ، وَابْن قَانِع فِي "مُعْجَمه" ، و (عبد الْكَرِيم الْجَزرِي) فِي كِتَابه "(أَسد) الغابة" ، وَمَا زَاده الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ (من) "طَبَقَات ابْن سعد" وَغَيره ، فِي اختصاره للْكتاب الْمَذْكُور وَمَا أهمله .
وَمن كتب الْأَسْمَاء جرحا وتعديلًا وَغير ذَلِك :
تواريخ البُخَارِيّ ، و "الضُّعَفَاء" لَهُ ، و "الضُّعَفَاء" للنسائي ، و "الْجرْح [1/285] وَالتَّعْدِيل" لِابْنِ أبي حَاتِم ، و "الضُّعَفَاء" للعقيلي ، و "الْكَامِل" لِابْنِ عدي ، و "الضُّعَفَاء" لِابْنِ حبَان ، و "الثِّقَات" لَهُ ، و "الثِّقَات" لِابْنِ شاهين ، و "المُخْتَلَف فيهم" (لَهُ) ، و "الضُّعَفَاء" (لأبي الْعَرَب) ، و "الضُّعَفَاء" لأبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ ، وَمَا جمعه الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ فِي كِتَابه الْمُسَمَّى ب "الْمُغنِي فِي الضُّعَفَاء" ، وَمَا ذيَّل عَلَيْهِ ، وَمَا جمعه آخرا وسَمَّاه ب "ميزَان الِاعْتِدَال فِي نقد الرِّجَال" ، وَهُوَ من أنفس كتبه .
و "رجال الصَّحِيحَيْنِ" لِابْنِ طَاهِر ، غير مُعْتَمِدٍ عَلَيْهِ ، و "الكُنى" للنسائي ، و "الكُنى" للدولابي ، و "الكُنى" لِلْحَافِظِ أبي أَحْمد الْحَاكِم ، وَهُوَ (أكبرها) .
و "الْمدْخل إِلَى الصَّحِيحَيْنِ" للْحَاكِم أبي عبد الله ، و "التذهيب" لِلْحَافِظِ أبي عبد الله الذَّهَبِيّ ، وَأَصله المسمَّى ب "تَهْذِيب الْكَمَال" لِلْحَافِظِ جمال الدَّين المزيِّ ، وَمَا (نُقد) عَلَيْهِ . "والكمال" ، و "الكاشف" ، و "الذبّ عَن الثِّقَات" ، و "من تُكُلِّمَ فِيهِ وَهُوَ موثق" لِلْحَافِظِ أبي عبد الله الذَّهَبِيّ ، و "الْأَسْمَاء المفردة" لِلْحَافِظِ أبي بكر البرديجي ، و "أَسمَاء رُوَاة الْكتب" لأبي عبد الله بن نقطة ، و "كشف النقاب عَن الْأَسْمَاء والألقاب" لأبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ ، و "الْأَنْسَاب" لِابْنِ طَاهِر ، و "إِيضَاح [1/286] [ الْإِشْكَال ] " لِلْحَافِظِ عبد الْغَنِيّ الْمصْرِيّ ، و "غُنْيَة الملتمس فِي إِيضَاح الملتبس" للخطيب الْبَغْدَادِيّ ، و "مُوَضِّح أَوْهَام الْجمع والتفريق" لَهُ ، وَهُوَ كتاب نَفِيس ، وَقع لي بِخَطِّهِ .
و "تَلْخِيص الْمُتَشَابه فِي الرَّسْم ، وحماية مَا أشكل (مِنْهُ) عَن (بَوَادِر) التَّصْحِيف وَالوهم" لَهُ أَيْضا ، و "أَسمَاء من رَوَى عَن مَالك" لَهُ ، وَكتاب : "الْفَصْل للوصل المدرج فِي النَّقْل" (لَهُ) ، و "التَّهْذِيب" للشَّيْخ محيي الدَّين النواوي .
وَمن كتب الْعِلَل :
مَا أودعهُ أَحْمد ، وَابْن الْمَدِينِيّ ، وَابْن أبي حَاتِم ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَابْن القَطَّان ، وَابْن الْجَوْزِيّ : فِي عللهم .
قَالَ ابْن مهْدي الْحَافِظ : لِأَن أَعْرِف عِلَّة حَدِيث هُوَ عِنْدِي ، أحبّ إليَّ من أَن أَكتبَ عشْرين حَدِيثا لَيْسَ عِنْدِي .
وَمن كتب الْمَرَاسِيل :
مَا أودعهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْن أبي حَاتِم ، وَابْن بدر الْموصِلِي ، وَشَيخنَا صَلَاح الدَّين العلائي ، حَافظ زَمَانه - أبْقَاه الله فِي خير وعافية - فِي مراسيلهم .
وَمن كتب الموضوعات : مَا أودعهُ ابْن طَاهِر ، والجَوْرَقَاني ، وَابْن الْجَوْزِيّ ، والصَّغَانيّ ، وَابْن بدر الْموصِلِي : فِي موضوعاتهم . [1/287] وَمن كتب الْأَطْرَاف :
أَطْرَاف الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي ، حَافظ الْوَقْت ، الْمُسَمَّاة ب "تحفة الْأَشْرَاف بِمَعْرِِفَة الْأَطْرَاف" . اقْتَصَرْتُ عَلَيْهَا ؛ لكَونه هَذَّبَ الْأَطْرَاف المتقدِّمة قبله ، (مَعَ جمعهَا لَهَا) ك "أَطْرَاف" خلف ، وَأبي مَسْعُود ، وَابْن عَسَاكِر ، وَابْن طَاهِر ، واستدرك جملَة عَلَيْهِم .
وأطراف خلف أقلُّ وهما وَخطأ من أَطْرَاف أبي مَسْعُود ، وأطراف ابْن طَاهِر كَثِيرَة الْوَهم ، كَمَا شهد بذلك حَافظ الشَّام ابْن عَسَاكِر .
وَمن كتب الْأَحْكَام :
أَحْكَام عبد الْحق "الْوُسْطَى" ، و "الصُّغْرَى" ، و "أَحْكَام" الضياء الْمَقْدِسِي ، و "الْأَحْكَام الْكُبْرَى" لعبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي ، وَأَحْكَام أبي عبد الله مُحَمَّد (بن فرج) الْمَعْرُوف ب "الطَلَّاع" ، و "الْمُنْتَقَى" لمجد الدَّين ابْن تَيْمِية ، و "الإِلمام" للشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ، وَالْمَوْجُود من "الإِمام" (لَهُ) ، و "الْخُلَاصَة" للشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ ، وَهِي مفيدة ، وَلم يُكَمِّلها .
وَمَا ذكره الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ فِي كتاب "اخْتِصَار سنَن أبي دَاوُد" ، من اعتراضات وفوائد .
وَمن كتب الخلافيات الحديثية :
"خلافيات" الْحَافِظ أبي بكر الْبَيْهَقِيّ ، وَلم أرَ مثلهَا ، بل وَلَا صُنِّف . وخلافيات الْحَافِظ جمال الدَّين أبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ ، الْمُسَمَّاة ب "التَّحْقِيق فِي أَحَادِيث التَّعْلِيق" ، وَهِي مفيدة ، وَمَا نقب عَلَيْهَا . [1/288] وَمن كتب الأمالي :
"(أمالي") ابْن السَّمْعَانِيّ ، "أمالي" ابْن مَنْدَه ، "أمالي" ابْن عَسَاكِر ، أمالي إِمَام الْملَّة وَالدّين أبي الْقَاسِم الرَّافِعِيّ - الَّذِي تصدينا لإِخراج أَحَادِيث "شَرحه الْكَبِير" - وَهِي مفيدة جدًّا لم أرَ أحدا مَشَى عَلَى مِنْوَالِها ، فإنَّه أملاها فِي ثَلَاثِينَ مَجْلِسا ، ذكر فِي أول كل مجلسٍ مِنْهَا حَدِيثا بِإِسْنَادِهِ ، عَلَى طَريقَة أهل الْفَنّ ، ثمَّ تكلم (عَلَيْهِ) بِمَا يتَعَلَّق بِإِسْنَادِهِ ، وحالِ رواتِه ، وغريبِه ، وعربيته ، وفقههِ ، ودقائقه ، ثمَّ يختمه بفوائد ، (وأشعار) ، وحكايات ، ورتبها ترتيبًا بديعًا عَلَى نظم كَلِمَات الْفَاتِحَة ، بإرداف كلمة "آمين" لِأَنَّهَا بهَا ثَلَاثُونَ كلمة ، فَاشْتَمَلَ الحَدِيث الأول عَلَى كلمة "الِاسْم" ، وَالثَّانِي عَلَى اسْم الله الْعَظِيم ، وَالثَّالِث عَلَى "الرَّحْمَن" ، وهلم جرًّا إِلَى آخرهَا .
وَهَذَا تَرْتِيب بديع ، وسمَّاها : "الأمالي الشارحة لمفردات الْفَاتِحَة" ، ومَنْ نَظَر فِي الْكتاب الْمَذْكُور عَرَفَ قدر هَذَا الإِمام ، وَحكم لَهُ بتقدمه فِي (هَذَا) الْعلم خُصُوصا .
وَمن كتب النَّاسِخ والمنسوخ :
مَا أودعهُ الإِمام الشَّافِعِي فِي "اخْتِلَاف الحَدِيث" ، والأثرم ، والحازمي ، وَابْن شاهين ، وَابْن الْجَوْزِيّ : فِي تواليفهم .
وَمن كتب المبهمات فِي الحَدِيث :
(مَا) أودعهُ الْحَافِظ الْخَطِيب أَبُو بكر الْبَغْدَادِيّ ، وَابْن بشكوال ، [1/289] وَابْن طَاهِر : فِي تواليفهم .
وَمَا زَاده الشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ فِي اختصاره لكَلَام الْخَطِيب ، والحافظ : أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي آخر كِتَابه الْمُسَمَّى ب "تلقيح فهوم [ أهل ] الْأَثر فِي الْمَغَازِي وَالسير" .
وَمن كتب شُرُوح الحَدِيث والغريب :
مَا ذكره القَاضِي عِيَاض ، والمازري قبله ، وَالنَّوَوِيّ ، والقرطبي : فِي شروحهم لـ "مُسلم" .
وَمَا شرحهُ الْخطابِيّ من : "سنَن أبي دَاوُد" ، و "البُخَارِيّ" المسمَّى بـ "الْأَعْلَام" .
وَمَا شرَحه (النَّوَوِيّ) من : "البُخَارِيّ" ، و "سنَن أبي دَاوُد" وَلم يكملهما .
وَمَا شرَحه الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين من أَوَائِل "الإِلمام" .
وَمَا شَرحه شَيخنَا ، حَافظ مصر فتح الدَّين ابْن سيد النَّاس من "جَامع التِّرْمِذِيّ" ، وَلَو كَمُلَ كَانَ فِي غَايَة الْحسن .
و "شرح مُسْند الإِمَام الشَّافِعِي" لِابْنِ الْأَثِير ، وللإِمام أبي الْقَاسِم الرَّافِعِيّ أَيْضا ، وَهُوَ من جملَة مَا يُعْرَفُ بِهِ قدره فِي هَذَا الْفَنّ .
وَمَا أودعهُ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلَّام فِي "غَرِيبه" (الَّذِي) جمعه فِي أَرْبَعِينَ سنة ، وَكَانَ خُلَاصَة عمره . والحَرْبيّ - صَاحب الإِمام أَحْمد - فِي "غَرِيبه الْكَبِير" ، والزَّمَخْشَرِيّ فِي "فَائِقِه" ، وَابْن قُرْقُول فِي "مطالعه" ،
[1/290] والهَرَوِيّ فِي "غَرِيبه" ، وَابْن الْأَثِير فِي "نهايته" .
وَمَا ذكره فِي "جَامع الْأُصُول" .
وَمَا ذكره القَلْعِي ، وَابْن بَاطِيْش ، وَابْن مَعْن : فِي كَلَامهم عَلَى (الْمُهَذّب) .
والخَطَّابي فِي كِتَابه : "تصاحيف الْمُحدثين" ، والصولي فِيهِ أَيْضا ، والعَسْكري فِيهِ أَيْضا . والمُطَرِّزِيّ فِي "مغربه" ، وَمَا أَكثر فَوَائده .
وَمن كتب أَسمَاء الْأَمَاكِن :
مَا أودعهُ الْوَزير أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي "مُعْجم مَا استعجم من الْبلدَانِ" ، (والحافظ أَبُو بكر الْحَازِمِي) فِي تأليفه الْمُسَمَّى بـ "الْمُخْتَلف والمؤتلف فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن" وهما غَايَة فِي بابهما .
وَمن كتب أُخرى حَدِيثِيَّةٌ :
كمعجم أبي (يعْلى) الْموصِلِي ، و "جَامع المسانيد بألخص الْأَسَانِيد" لأبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ ، وَهُوَ تَلْخِيص مُسْند الإِمام أَحْمد بن حَنْبَل ، و "نقي النَّقْل" لَهُ ، وَكتاب "تَحْرِيم الْوَطْء فِي الدبر" لَهُ ، و "بَيَان خَطَأِ من أَخْطَأَ عَلَى الشَّافِعِي فِي الحَدِيث" للبيهقي ، و "فِي اللُّغَة" لَهُ أَيْضا ، و "حَيَاة الْأَنْبِيَاء فِي قُبُورهم" لَهُ أَيْضا ، وَكتاب "الْأَشْرِبَة" للإِمام أَحْمد ، و "الْحِلْية" لأبي نعيم ، و "أَمْثَال الحَدِيث" للرَّامَهُرْمُزِيّ ، و "الْأَوَائِل" للطبراني ، و "عُلُوم الحَدِيث" للْحَاكِم أبي عبد الله ، وَابْن الصّلاح .
و "الدَّعْوَات الكافية فِي الْأَدْوِيَة الشافية" لِابْنِ الْقُسْطَلَانِيّ ، [1/291] و "الْأَدْعِيَة" لِلْحَافِظِ أبي الْفضل الْمَقْدِسِي ، و "الصَّوْم" لَهُ ، و "الصّيام من السّنَن المأثورة" للْقَاضِي يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِسْمَاعِيل .
و "كَلَام الحافظِ أبي الْفضل بن طَاهِر عَلَى حَدِيث معَاذ" ، و "أَحَادِيث الشهَاب" .
و "المُحَلَّى شرح المُجَلَّى" لأبي مُحَمَّد بن حزم .
وَمَا رَدَّه عَلَيْهِ ابْن عبد الْحق ، وَابْن مُفَوِّز ، وَشَيخنَا قطب الدَّين عبد الْكَرِيم الْحلَبِي ، الْحَافِظ ، فِي جُزْء جيد ، وَمَا أَكثر فَوَائده .
و "رسائل ابْن حزم فِي الْقيَاس" ، و "فَضَائِل الْجِهَاد" لبهاء الدَّين بن عَسَاكِر ، ابْن الْحَافِظ الْمَشْهُور .
وَمن مصنفات أبي الْخطاب بن دِحْيَة : "الْآيَات البَيِّنات فِي أَعْضَائِهِ لله" ، و "مرج الْبَحْرين فِي فَوَائِد المشرقين والمغربين" ، و "العَلَم الْمَشْهُور فِي فَضَائِل الْأَيَّام والشهور" ، و "(خَصَائِص) الْأَعْضَاء" ، و "(التَّنْوِير) [1/292] فِي مولد السراج الْمُنِير" وَغَيرهَا من مؤلفاته المفيدة .
وَمن كتب أُخْرَى مُتَعَلقَة بالفقه :
كـ "تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب" للشَّيْخ زكي (الدَّين) عبد الْعَظِيم الْمُنْذِرِيّ ، رَأَيْت مِنْهُ إِلَى أَوَاخِر الْحَج ، وشأنه إِيرَاد الْأَحَادِيث بأسانيده . وَكَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ عَلَى "الْوَسِيط" ، و "الْمُهَذّب" ، وَكَلَام الإِمام الرَّافِعِيّ فِي "التذنيب" الَّذِي لَهُ عَلَى "الْوَجِيز" .
وَكَلَام الشَّيْخ نجم الدَّين بن الرِّفْعَة ، فِي شرحي "الْوَسِيط" ، و "التَّنْبِيه" ، وَغير ذَلِك .
هَذَا مَا حضرني الْآن من الْكتب الَّتِي نظرتها ، واعتمدت عَلَيْهَا فِي هَذَا التصنيف وانتخبتها .
وَأما الْأَجْزَاء الحديثية ، والمصنفات اللطيفة ، والفوائد المنتخبة من الخبايا والزوايا فَلَا ينْحَصر مصنفاتها ، وكل نقولاتها فِي الْكتاب معزوة إِلَى (قَائِلهَا) وناقلها ، فإنْ كَانَ فِي المظنة أطلقته ، وإنْ لم يكن (فِيهَا) قَيَّدتهُ بِبَابِهِ .
وَعَدَدْتُ هَذِه الْكتب هَا هُنَا لفائدتين :
إِحْدَاهمَا : أَن النَّاظر قد يُشْكِل عَلَيْهِ شَيْء مِمَّا ذَكرْنَاهُ عَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة ، فيراجعه من تواليفهم .
(الثَّانِيَة) : ليعرف مِقْدَار هَذَا الْكتاب ، وبذل جهد الطَّاقَة والوسع فِيهِ . [1/293] فإنْ كَمُلَ مَا رُمْنَاهُ ، وَحصل مَا قَصَدْنَاه حصل عنْدك أَيهَا الطَّالِب خزانَة من أَنْوَاع الْعُلُوم الْمَذْكُورَة فِيهِ ، وكملت فَائِدَة شرح الرَّافِعِيّ ، لِأَن محصلهما حينئذٍ يكون جَامعا للفنين - أَعنِي عِلْمَي : الْفِقْه والْحَدِيث - (وحائِزًا (للمنقبتين) ، ويلتحق بِمن إِذا ذكرُوا فِي الْقَدِيم والْحَدِيث) ، يُقَال فِي حَقهم : الجامعون بَين الْفِقْه والْحَدِيث .
وأتوسط فِي الْعبارَة فِيمَا أُورده من علل الحَدِيث ، ومتعلقاته ، وَإِذا توارد عَلَى التَّعْلِيل - أَو غَيره من الْفُنُون الْمُتَعَلّقَة بِهِ - (أَقْوَال) أَئِمَّة ذكرتُ قَول أشهرهم لَئِلَّا يطول الْكتاب .
وأُنَبِّه - مَعَ ذَلِكَ - عَلَى مَا أَظهره الله عَلَى يَدي مِمَّا وَقع للْمُتَقَدِّمين والمتأخرين من وهم ، أَو غلط ، أَو اعْتِرَاض ، أَو (اسْتِدْرَاك) ، قَاصِدا بذلك النَّصِيحَة للْمُسلمين ، حاشا الظُّهُور أَو التنقيص ، معَاذ الله من ذَلِكَ ، فَهَل الْفضل إلَّا للمتقدم ، وغالب ذَلِكَ إِنَّمَا يَقع (من) التَّقْلِيد ، وَنحن (برَاء مِنْهُ) بِحَمْد الله وَمَنِّه .
وأُتْبعُ الْكَلَام غَالِبا - بعد بَيَان صِحَة الحَدِيث ، وَضَعفه ، وغرابته ، إِلَى غير ذَلِكَ من فنونه - بِمَا وَقع فِيهِ من ضبط ألفاظٍ ، وَأَسْمَاء ، وفوائدَ ، وإشكالات .
وَهَذَا النَّوْع - وَإِن كَانَ كتَابنَا هَذَا غير مَوْضُوع لَهُ - فبه تكمل الْفَائِدَة ، وتتم العائدة ، إلَّا أَنَّا نَتَحَرَّى الِاخْتِصَار فِي إِيرَاده ، ونقتصر فِي إبرازه ، حَذَرَ السَّآمَة (والملل) . [1/294] ووسمته ب "الْبَدْر الْمُنِير فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الشَّرْح الْكَبِير" .
وقدمت فِي أَوله فصولًا ، تكونُ لِمُحَصِّله وَغَيره قَوَاعِد يَرْجِع إِلَيْهَا ، وأصولًا فِي شُرُوط الْكتب السِّتَّة ، وَغَيرهَا من الْكتب المصنَّفة المتقدِّمة ، ليعتمد عَلَى شَرطهَا من أول الْكتاب إِلَى آخِره .
وَفِي آخرهَا فصلا فِي حَال الإِمام (الرَّافِعِيّ) ومولده ، ووفاته ، وشيوخه ، ومصنفاته ، فإنَّه فِي الإِسلام بِمحل خطير ، وَبِكُل فَضِيلَة جدير ، ليُعْرَف قدره ، وَيرد عَلَى (كل) من جَهِلَ حَاله وفضله .
وَبَيَان حَال وَالِده ، ووالدته ، فإنَّهما من الَّذين تتنزَّل الرَّحْمَة بذكرهم ، ويُبْتَهل إِلَى الله ببركتهم .
جَعَلَه الله مُقَرِّبًا من رضوانه ، مُبْعِدًا من سخطه وحرمانه ، نَافِعًا لكَاتبه ، وسامعه ، نفعا شَامِلًا فِي الْحَال والمآل ، إنَّه لِمَا يَشَاء فَعَّال ، لَا رب سواهُ ، وَلَا مَرْجُوًّا إلَّا إيَّاه .
اللَّهُمَّ انفعني بِهِ يَوْم الْقِيَامَة ، يَوْم الْحَسْرَة والندامة ، ووالدي ، ومشايخي ، وأحبائي ، وَالْمُسْلِمين أَجْمَعِينَ ، إِنَّه عَلَى مَا يَشَاء قدير ، وَبِكُل مأمول جدير .