|
[1/445] بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم بَاب بَيَان النَّجَاسَات (وَالْمَاء النَّجس) ذكر فِيهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَرْبَعَة وَعشْرين حَدِيثا الأول الْخَبَر الْمَشْهُور : أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ دُعِي إِلَى دارٍ فَأجَاب ، ودعي إِلَى دَار أُخرى فَلم يجب ، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك ، فَقَالَ : "إنَّ فِي دَار فلَان كَلْبا" . فَقيل : وَفِي دَار فلَان هرَّة ، فَقَالَ : "الهرَّة لَيست بِنَجِسة" . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْأَئِمَّة : أَحْمد فِي "مُسْنده" ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي "الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ" ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي "سُنَنهمَا" ، من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْتِي دَار قوم من الْأَنْصَار ، ودونهم دَار لَا يَأْتِيهَا ، فشقَّ ذَلِك عَلَيْهِم ، فَقَالُوا : يَا رَسُول الله ! تَأتي دَار فلَان ، وَلَا تَأتي دَارنَا ؟ ! فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "إنَّ فِي (داركم) [1/446] كَلْبا" قَالُوا : فإنَّ فِي دَارهم سنورًا . فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "السنور سبع" . هَذَا لَفظهمْ ، وَإِسْنَاده صَحِيح ، كل رِجَاله ثِقَات ، إلاَّ عِيسَى بن الْمسيب ، فَفِيهِ مقَال . وَكَذَا قَالَ الشَّيْخ فِي "الإِمام " ، وَالْمُنْذِرِي فِي " كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب " : إِن إِسْنَاده صَحِيح إِلَيْهِ . وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح ، وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : وَعِيسَى بن الْمسيب تفرد بِهِ عَن أبي زرْعَة ، قَالَ : وَهُوَ صَدُوق وَلم يجرح قطّ . كَذَا قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله وَهَذَا من أعجب الْعجب ، فقد تكلم جماعات . قَالَ يَحْيَى بن معِين ، و ( النَّسَائِيّ ) : ضَعِيف . وَقَالَ يَحْيَى مرّة : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ أَبُو دَاوُد : ضَعِيف . وَقَالَ الرازيان : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ ابْن حبَان : يقلب الْأَخْبَار وَلَا يعلم ، ويخطئ وَلَا يفهم ، حتَّى خرج عَن حد الِاحْتِجَاج بِهِ . وَقَالَ الْعقيلِيّ : لَا يُتَابِعه عَلَى هَذَا الحَدِيث إِلَّا مَن هُوَ مثله ، أَو دونه . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي " علله " : سَأَلت أَبَا زرْعَة عَن هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ : لم يرفعهُ أَبُو نعيم ، وَهُوَ أصح ، وَعِيسَى لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَعَن الدَّارَقُطْنِيّ اخْتِلَاف فِيهِ ، فَنقل ابْن الْجَوْزِيّ فِي " الضُّعَفَاء " عَنهُ أَنه قَالَ : هُوَ ضَعِيف . وَنقل الْبَيْهَقِيّ ، وَالْمُنْذِرِي ، وَصَاحب "الإِمام " [1/447] عَنهُ أَنه قَالَ : صَالح الحَدِيث ، وَهُوَ مَا رَأَيْته فِي " سنَنه " عقب هَذَا الحَدِيث . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ وَالْمُنْذِرِي : قَالَ ابْن عدي : عِيسَى بن الْمسيب صَالح فِيمَا يرويهِ . وضَعَّفه ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه " الْعِلَل المتناهية فِي الْأَحَادِيث الْوَاهِيَة " بِسَبَبِهِ ، وَقَالَ : إنَّه حَدِيث لَا يَصح . وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي "شرح التِّرْمِذِيّ" : أشكل مَعْنَى هَذَا الحَدِيث - إنْ صحّ - وَقَالَ بَعضهم : سقط مِنْهُ ، وَتَمَامه : "الْهِرَّة لَيست بِسبع" . قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ : وَلَيْسَ (كَذَلِك) ، بل هِيَ سبع ، والْحَدِيث تَامّ ، وَالْمعْنَى فِيهِ : أَن الْهِرَّة سبع ذَات نَاب ، ينْتَفع بهَا ، وَالْكَلب لَا مَنْفَعَة فِيهِ . وَمن الْعَجَائِب : أَن الشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَيَّضَ لهَذَا الحَدِيث بَيَاضًا فِي "شرح الْمُهَذّب" وَلم يعزه لأحد ، وَهُوَ مَوْجُود فِي الْكتب الْمَذْكُورَة ، وَتَابعه الشَّيْخ نجم الدَّين ابْن الرّفْعَة فِي "الْمطلب" ، وَزَاد - لأجل أَنه لم يعزه - : إِنَّه غير مَشْهُور . وَاعْلَم : أَن الإِمام الرَّافِعِيّ لم يُورد هَذَا الحَدِيث كَمَا سردته لَك ، وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : الْحَيَوَانَات طَاهِرَة ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا ثَلَاثَة ، أَحدهَا : الْكَلْب ، لقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فِي الحَدِيث الْمَشْهُور : "إِنَّهَا لَيست بنجسة" . قَالَ : وَوجه الِاسْتِدْلَال مَشْهُور . فأفصحت لَك بِهِ ، وَإِيَّاك أَن تَقول : مُرَاده حَدِيث أبي قَتَادَة الْآتِي ، فَإِن الْكَلْب لَيْسَ لَهُ ذكر فِيهِ ، (فَافْهَم ذَلِك) . [1/448] وإنْ كَانَ ذَلِك وَقع فِي كتب أهل الْأُصُول فِي كَلَامهم عَلَى الْأَسْمَاء .
|