الحَدِيث الْخَامِس
أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَا أُبِيْنَ من حيٍّ ، فَهُوَ مَيِّت " .
هَذَا الحَدِيث قَاعِدَة عَظِيمَة من قَوَاعِد الْأَحْكَام ، وَهُوَ مَرْوِيّ من طُرُق ، الَّذِي يحضرنا مِنْهَا أَرْبَعَة :
أَولهَا : - وَهِي أقرب إِلَى لفظ الْكتاب - عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه " أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (سُئل) عَن جِباب أسنمة الإِبل ، وأَلَيَات الْغنم ، فَقَالَ : مَا قُطِع من حَيّ ، فَهُوَ ميت " . [1/461] رَوَاهُ الْحَاكِم فِي " الْمُسْتَدْرك " فِي موضِعين مِنْهُ ، وَقَالَ فِي كتاب الذَّبَائِح - وَهُوَ الْموضع الثَّانِي - : إِنَّه حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم .
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي " علله " - وَقد سُئِلَ عَنهُ - : إنَّه رُوِيَ عَن عَطاء بن يسَار ، عَن أبي سعيد ، وَعَن عَطاء بن يسَار مُرْسلا ، و (أَن) الْمُرْسل أشبه بِالصَّوَابِ .
الطَّرِيق الثَّانِي : عَن أبي وَاقد ، الْحَارِث بن عَوْف - وَقيل عَكسه - اللَّيْثِيّ ، (البدري) ، قَالَ : " قدم رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَة ، وهم يجبونَ أسنمة الإِبل ، ويقطعون أَلَيَات الْغنم ، فَقَالَ : مَا يُقْطَعُ من الْبَهِيمَة وَهِي حَيَّة ، فَهُوَ ميتَة " .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِهَذَا اللَّفْظ ، وَكَذَا الدَّارمِيّ فِي "مُسْنده" وَأَبُو دَاوُد وَلَفظه : أنَّ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَا قُطِعَ من الْبَهِيمَة وَهِي حَيَّة ، فَهُوَ ميت " .
وَالْحَاكِم فِي "الْمُسْتَدْرك" وَلَفظه : " كَانَ [ النَّاس ] فِي الْجَاهِلِيَّة قبل الإِسلام يَجُبُّون أسنمة الإِبل ، [ ويقطعون أليات الْغنم فيأكلونها ] ، ويحملون مِنْهَا الودك ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلُوهُ عَن ذَلِك ، فَقَالَ : "مَا قُطع من الْبَهِيمَة وَهِي حَيَّة ، فَهُوَ ميت " . [1/462] وَأخرجه أَيْضا أَحْمد فِي "مُسْنده" وَلَفظه : " قدم رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَة ، وَبهَا نَاس يَعْمِدُونَ إِلَى أَلَيات الْغنم ، وَأَسْنِمَة الإِبل ، (فيجبونها) ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا قُطع من الْبَهِيمَة وَهِي حَيَّة فَهُوَ ميتَة " .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَهَذَا حَدِيث حسن غَرِيب ، لَا نعرفه إلاَّ من حَدِيث زيد بن أسلم . قَالَ ابْن القطَّان : وإنَّما لم يصحِّحه التِّرْمِذِيّ ، لِأَنَّهُ من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن دِينَار ، وَهُوَ يُضَعَّف ، وإنَّ كَانَ البُخَارِيّ قد أخرج لَهُ .
قلت : لَكِن الْحَاكِم رَحِمَهُ اللَّهُ لم يَعْبَأْ بِهَذَا التَّضْعِيف ، فَأخْرجهُ فِي "الْمُسْتَدْرك" كَمَا تقدَّم ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الإِسناد . قلت : أَي عَلَى شَرط البُخَارِيّ . وَخَالف أَبُو زرْعَة ، فَقَالَ - عَلَى مَا نَقله ابْن أبي حَاتِم فِي " علله " - : إنَّ هَذَا الحَدِيث وهمٌ ، وَأَن الصَّحِيح : حَدِيث زيد بن أسلم عَن ابْن عمر . يَعْنِي الْآتِي إِثْر هَذَا ، وَفِي ذَلِك نظر . قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَالْعَمَل عَلَى هَذَا الحَدِيث عِنْد أهل الْعلم .
الطَّرِيق الثَّالِث : عَن زيد بن أسلم ، عَن عبد الله بن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَا قُطِعَ من الْبَهِيمَة وَهِي حَيَّة ، فَهُوَ ميت " .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي "سنَنه" ، وَالْبَزَّار فِي "مُسْنده" وَضَعفه الْحَافِظ [1/463] عبد الْحق فِي " أَحْكَامه الْكُبْرَى " فَقَالَ - عَلَى مَا نَقله ابْن القَطَّان فِي " علله " عَنهُ - : فِي إِسْنَاده هِشَام بن سعد ، وَهُوَ ضَعِيف .
(قلت : قد أخرجه ابْن مَاجَه فِي "سنَنه" ، وَلَيْسَ فِي إِسْنَاده هَذَا الرجل ، بل فِيهِ : يَعْقُوب بن حميد بن كاسب الْمدنِي ، وَقد تكلَّم فِيهِ النَّسَائِيّ والرازي . وَاخْتلف قَول يَحْيَى فِيهِ ، فَمرَّة ضَعَّفه ، وَمرَّة وثَّقه . وَقَالَ الْحَاكِم فِي كتاب التَّفْسِير من " الْمُسْتَدْرك " : مَا تَكَلَّم فِيهِ أحدٌ بِحجَّة . وَقَالَ ابْن طَاهِر فِي "أَخْبَار الشهَاب" : [ أخرج ] عَنهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه .
قلت : صَرِيحًا لَا ، فَالَّذِي فِيهِ : نَا يَعْقُوب ، نَا إِبْرَاهِيم بن سعد . وَالظَّاهِر أَنه هُوَ
) .
أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي "أَوسط معاجمه" بِدُونِهِ ، فَرَوَاهُ من حَدِيث عبد الله بن نَافِع الصَّائِغ ، عَن عَاصِم بن عمر ، عَن عبد الله بن دِينَار ، عَن ابْن عمر ، مَرْفُوعا : " مَا قُطِع من الْبَهِيمَة وَهِي حَيَّة ، فَالَّذِي قُطع من لَحمهَا فَلَا يَأْكُلهُ أحد " .
قَالَ الطَّبَرَانِيّ : لم يَرْوِه عَن عَاصِم بن عمر إلاَّ عبد الله بن نَافِع .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الإِمام " : عبد الله بن نَافِع من كبار [1/464] أَصْحَاب مَالك ، مفتي بِالْمَدِينَةِ ، وَيَحْيَى بن الْمُغيرَة ، الرَّاوِي عَنهُ : قَالَ أَبُو حَاتِم فِيهِ : صَدُوق ، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين : وَهَذَا الطَّرِيق أَجود من الطَّرِيق الْآتِيَة بعْدهَا .
قلت : من غير شكّ فِي ذَلِك ، وَلَا مرية ، وَقد أخرجهَا ابْن السكن فِي "سنَنه الصِّحَاح المأثورة" ، لَكِن ذكر ابْن أبي حَاتِم فِي " علله " هَذِه الطَّرِيق ، وَقَالَ : سَأَلت أبي عَنْهَا فَقَالَ : هَذَا حَدِيث مُنكر .
الطَّرِيق الرَّابِع : عَن تَمِيم الدَّارِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " يكون فِي آخر الزَّمَان قوم ، يجبونَ أسنمة الإِبل ، ويقطعون أَلَيات الْغنم ، فَمَا قُطِع من حَيّ فَهُوَ ميت " .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي "سنَنه" كَذَلِك ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" بِلَفْظ : " قيل للنَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (: إِن قوما يجبونَ أسنمة الإِبل ، ويقطعون أَذْنَاب الْغنم ؟ قَالَ : "(كلُ مَا) قُطِعَ من الحيِّ فَهُوَ ميت " .
وَفِي رِوَايَة لَهُ : " قَالُوا : يَا رَسُول الله ، ( إِن نَاسا) يجبونَ أسنمة الإِبل ، وأذناب الْغنم وَهِي أَحيَاء ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا قُطع من الْبَهِيمَة وَهِي حَيَّة ، فَهُوَ ميت " . [1/465] (وَفِي إِسْنَاده واهٍ و) مُخْتَلف فِيهِ ، أما الأول : فَهُوَ أَبُو بكر الْهُذلِيّ ، واسْمه : سُلْمى - بِالضَّمِّ - قَالَ غنْدر : كَذَّاب . وَقَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ عَلّي : ضَعِيف لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ النَّسَائِيّ وَعلي بن الْجُنَيْد : مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : (مُنكر ومتروك) .
وَأما الثَّانِي : فَهُوَ شهر بن حَوْشَب ، وَهُوَ من عُلَمَاء التَّابِعين ، وَفِيه مقَال ، وثَّقه أَحْمد ، وَيَحْيَى بن معِين ، وَيَعْقُوب بن شيبَة ، (وَقَالَ أَبُو حَاتِم : مَا هُوَ بِدُونِ أبي الزبير) ، وَقَالَ أَبُو زرْعَة : لَا بَأْس بِهِ . وَأخرج لَهُ مُسلم مَقْرُونا (بآخر) ، وَأخرج التِّرْمِذِيّ حَدِيثه عَن أم سَلمَة : أَنه - عَلَيْهِ السَّلَام - جَلَّل الْحسن ، وَالْحُسَيْن ، و [ عليا ] ، وَفَاطِمَة بكساء . ." الحَدِيث ، ثمَّ قَالَ : حسن صَحِيح .
وَأخرج لَهُ الْحَاكِم فِي كتاب (الْقرَاءَات) من "مُسْتَدْركه" [1/466] حَدِيثا ، (وَقَالَ : لم أخرج لَهُ فِي كتابي غَيره) .
(وَقَالَ ابْن القَطَّان : لم أسمع (لمضعفيه) حجَّة ، وَمَا ذَكرُوهُ إمَّا لَا يَصح ، وإمَّا خَارج عَلَى مخرج لَا يضرّهُ ، وَأخذ الخريطة : كذبٌ عَلَيْهِ ، وتَقَوُّل شَاعِر أَرَادَ عَيبه) .
وَقَالَ النَّسَائِيّ ، وَغَيره : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ ابْن حبَان : يروي عَن الثِّقَات المعضلات ، [ وَعَن الْأَثْبَات المقلوبات ] عَادَلَ عباد بن مَنْصُور فِي الْحَج ، فَسرق عيبته ، فَهُوَ [ الَّذِي يَقُول فِيهِ ] الْقَائِل :
لَقَدْ بَاعَ شهرٌ دينه بخريطةٍ فَمَنْ يَأْمَن الْقُرَّاء بعْدك يَا شهرُ
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ : وَالَّذِي رَأينَا فِي التَّارِيخ : (أَنه) أَخذ تِلْكَ الخريطة من بَيت المَال - وَكَانَ عَاملا عَلَيْهِ - وَذَلِكَ أَمر قريب . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فقد قَالَ يَحْيَى بن أبي بكر الكِرماني ، عَن أَبِيه : كَانَ شهر بن حَوْشَب عَلَى بَيت المَال ، فَأخذ خريطة فِيهَا دَرَاهِم ، فَقَالَ الْقَائِل : لقد بَاعَ شهر . . الْبَيْت . [1/467] وَقَالَ مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ : قَالَ عَلّي بن مُحَمَّد : قَالَ أَبُو بكر الْبَاهِلِيّ : كَانَ شهر بن حَوْشَب عَلَى خَزَائِن يزِيد بن الْمُهلب ، فَرفعُوا عَلَيْهِ أَنه أَخذ خريطة ، فَسَأَلَهُ يزِيد عَنْهَا ، (فَأَتَى) بهَا ، فَدَعَا يزِيد الَّذِي رفع إِلَيْهِ فشتمه ، وَقَالَ لشهر : هِيَ لَك . قَالَ : لَا حَاجَة لي فِيهَا .
فَقَالَ الْقطَامِي الْكَلْبِيّ - وَيُقَال : سِنَان بن مكبل النميري - :
لَقَدْ بَاعَ شهرٌ دينَه بخريطةٍ فَمَنْ يَأْمَن الْقُرَّاء بعْدك يَا شهرُ
(أخذت بهَا) شَيْئا طفيفًا وبعته من ابْن جرير إِن هَذَا هُوَ الغدرُ
وَنقل النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" - قبيل الْكَلَام عَلَى غسل الْوَجْه - عَن الْأَكْثَرين توثيقه ، وَأَن الْجرْح كَانَ مُسْتَندا إِلَى مَا لَيْسَ بجارح
.