الحَدِيث الثَّانِي وَالْعشْرُونَ
عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي اللهُ عَنْهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِذا وَلَغَ الكلبُ فِي إناءِ أحدكُم فَلْيُرِقْه ، وليغسله سبعا ، أولَاهُنَّ - أَو إِحْدَاهُنَّ - بِالتُّرَابِ " .
هَذَا الحَدِيث أصل من الْأُصُول الْمُعْتَمد عَلَيْهَا ، وَهُوَ مَشْهُور ، فلنذكره من جَمِيع طرقه ، فَنَقُول : رَوَى البُخَارِيّ ، وَمُسلم ، عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي اللهُ عَنْهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِذا شرب الْكَلْب فِي إِنَاء أحدكُم ، فليغسله سبع مَرَّات " . [1/545] وَرَوَاهُ كَذَلِك قبلهمَا (مَالك) فِي "الْمُوَطَّأ" .
قَالَ ابْن عبد الْبر : كَذَا قَالَ مَالك فِي هَذَا الحَدِيث : "إِذا شرب" وَغَيره من الروَاة يَقُولُونَ : "إِذا ولغَ" . وَهُوَ الَّذِي يعرفهُ أهل اللُّغَة .
وَكَذَا استغربَ هَذِه اللَّفْظَة الحافظان ، أَبُو بكر الإِسماعيلي فِي "صَحِيحه" ، والحافظ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه
.
وَقد تَابع مَالِكًا عَلَى لَفظه : "إِذا شرب" : الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن وورقاء بن عمر ، عَن أبي الزِّنَاد ؛ رَوَى الطَّرِيق الأول أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ ، وَالثَّانِي أَبُو بكر الجوزقي فِي "كِتَابه" .
وَرَوَاهُ أَيْضا هِشَام بن حسان ، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وَفِيه أَيْضا "إِذا شرب" .
وَقد اختُلف عَلَى مَالك فِي لفظ "الشّرْب" ، و "الولوغ" وَالْمَشْهُور (عَنهُ) ، مَا قَالَ أَبُو عمر . أَفَادَ ذَلِك الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الإِمام " .
وَفِي رِوَايَة لمُسلم : " إِذا ولغَ الْكَلْب فِي إِنَاء أحدكُم فليرقه ، ثمَّ ليغسله سبع (مرارٍ) " .
قَالَ ابْن مَنْدَه : وَهَذِه الزِّيَادَة - وَهِي : "فليرقه" - تَفَرَّد بهَا عَلّي بن مسْهر ، وَلَا تُعْرف عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَجْه من الْوَجْه إلاَّ من هَذِه الرِّوَايَة
.
قُلْتُ : وَلَا يضرّ تفرُّده بهَا ، فإنَّ عَلّي بن مسْهر إِمَام حَافظ ، متَّفق [1/546] عَلَى عَدَالَته والاحتجاج بِهِ ، وَلِهَذَا (قَالَ) - بعد تَخْرِيجه لَهَا - الدَّارَقُطْنِيّ : إسنادها حسن ، ورواتها ثِقَات .
وأخرجها إِمَام الْأَئِمَّة مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة فِي "صَحِيحه" ، وَلَفظه : "فليهرقه" .
وَفِي رِوَايَة "لمُسلم " : " طهُور إِنَاء أحدكُم إِذا ولغَ فِيهِ الْكَلْب ، أَن يغسلهُ سبع مَرَّات ، أولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ " .
وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد : " إِذا ولغَ الْكَلْب فِي الإِناء ، فاغسلوه سبع مَرَّات ، السَّابِعَة بِالتُّرَابِ " . ورجالها ثِقَات . كَمَا قَالَه صَاحب "الإِمام" .
وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة للشَّافِعِيّ ، ( وَالْبَيْهَقِيّ ) : "أُولاهن - أَو أُخراهن - بِالتُّرَابِ " . [1/547] وَفِي رِوَايَة لِلتِّرْمِذِي : "أُولاهن - أَو قَالَ : أولهنَّ - بِالتُّرَابِ" ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح .
وَفِي رِوَايَة للبزار : " إِذا ولغَ الْكَلْب فِي الإِناء ، يُغسل سبع مَرَّات ، آخِره بِالتُّرَابِ " .
وَفِي رِوَايَة للدارقطني وَغَيره عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا فِي الْكَلْب يلغ فِي الْإِنَاء : "أَنه يُغسل ثَلَاثًا ، أَو خمْسا ، أَو سبعا " .
وَهِي ضَعِيفَة
، بَيَّن الْبَيْهَقِيّ ضعفها (وَاضحا) فِي " سنَنه " ، و " خلافياته " .
وَفِي أَفْرَاد مُسلم من حَدِيث عبد الله بن مُغفل مَرْفُوعا : " إِذا وَلَغَ الْكَلْب فِي إِنَاء أحدكُم ، فاغسلوه سبعا ، وعَفِّرُوه الثَّامِنَة بِالتُّرَابِ " .
وَقَالَ ابْن مَنْدَه : إِسْنَاده مُجْمَع عَلَى صحَّته .
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي "التَّحْقِيق" : انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ . وَهُوَ سبق قلم مِنْهُ قطعا ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَن يكْتب : انْفَرد بِهِ مُسلم ، فَسبق الْقَلَم إِلَى البُخَارِيّ ، فليصلح .
وَرَدَّ الْبَيْهَقِيّ هَذِه الرِّوَايَة (بِأَن) قَالَ : أَبُو هُرَيْرَة أَحْفَظ من رَوَى [1/548] الحَدِيث فِي دهره ، فروايته أَولى .
وَأما الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا المُصَنّف - وَهِي : "أُولاهن أَو إِحْدَاهُنَّ" - بِالْحَاء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ - فَغَرِيبَة .
وَقد أخرجهَا كَذَلِك - (عَلَى [ مَا ] وجدته خطا) - أَبُو عبيد فِي كِتَابه "الطّهُور" عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم ، عَن أَيُّوب ، عَن ابْن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِذا وَلَغَ الْكَلْب فِي الإِناء ، غُسل سبع مَرَّات ، أُولاهن أَو (إِحْدَاهُنَّ) بِالتُّرَابِ " .
وَهَذِه الرِّوَايَة سندها كسند الشَّافِعِي فِي رِوَايَة : "أُولاهن أَو أُخراهن" ، فإنَّ الشَّافِعِي أخرجهَا فِي "مُسْنده" عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن أَيُّوب (بِهِ) . فَيتَوَقَّف حينئذٍ فِي لفظ : "إِحْدَاهُنَّ" بِالْحَاء الْمُهْملَة ، وَيُقَال : لَعَلَّهَا "أُخراهن" بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ، لِأَن السَّنَد وَاحِد ، وَقد يقُال : لَا يلْزم ذَلِك ؛ لِأَن التِّرْمِذِيّ أخرج بِهَذَا السَّنَد - أَعنِي طَرِيق أَيُّوب - رِوَايَته (السالفة) : "أُولاهن ، أَو قَالَ : أولهنَّ" ، فابحث عَن ذَلِك .
نعم ، رِوَايَة : "إِحْدَاهُنَّ" - من غير شكّ - (مَشْهُورَة) ، مَوْجُودَة من ثَلَاث طرق - وَقد ذكرهَا الرَّافِعِيّ بعد هَذَا وَحدهَا - :
الأول : (رَوَى) الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" من حَدِيث مَحْمُود [1/549] ابن مُحَمَّد الْمروزِي ، نَا الْخضر بن (أَصْرَم) ، نَا الْجَارُود ، عَن إِسْرَائِيل ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن هُبَيْرَة بن يريم ، عَن عَلّي بن أبي طَالب رَضِي اللهُ عَنْهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "( إِذا) وَلَغَ الْكَلْب فِي إِنَاء أحدكُم ، فليغسله سبع مَرَّات ، إِحْدَاهُنَّ بالبطحاء " .
قَالَ النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" : هَذِه الرِّوَايَة (لَيست) فِي الصَّحِيح وَلَا فِي الْكتب الْمُعْتَمدَة ، رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيّ ، وَهِي غَرِيبَة .
قُلْتُ : وَمَعَ غرابتها ، فَفِي إسنادها جمَاعَة يجب معرفَة حَالهم :
أحدهم : الْخضر بن أَصْرَم ، لَا أعرفهُ ، وَلم أره فِي (كتاب) (ابْن) أبي حَاتِم ، وَلَا غَيره .
الثَّانِي : الْجَارُود ، وَهُوَ ابْن يزِيد ، أَبُو عَلّي النَّيْسَابُورِي ، مَتْرُوك الحَدِيث بإجماعهم .
الثَّالِث : هُبَيْرَة بن يريم ، قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : هُبَيْرَة هَذَا شَبيه بالمجهولين . وَقَالَ ابْن حزم فِي " محلاه " فِي كتاب الْحَضَانَة : مَجْهُول . وَقَالَ ابْن سعد : لَيْسَ بِذَاكَ . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ ابْن خرَاش : ضَعِيف . وَقَالَ الْحَافِظ ضِيَاء الدَّين الْمَقْدِسِي فِي "أَحْكَامه" - مُعْتَرضًا عَلَى أبي حَاتِم الرَّازِيّ فِي قَوْله السالف - : [1/550] قد صَحَّح التِّرْمِذِيّ (حديثين) من طَرِيقه ، ووثَّقه ابْن حبَان . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فإنَّه ذكره فِي " ثقاته " وَقَالَ : رَوَى عَنهُ أَبُو إِسْحَاق السبيعِي . وَقَالَ الْحَافِظ جمال (الدَّين) الْمزي : رَوَى عَنهُ أَيْضا أَبُو فَاخِتَة . قَالَ الذَّهَبِيّ : وَلم يَرْوِ عَنهُ غَيرهمَا . وَقَالَ أَحْمد : لَا بَأْس بِهِ ، هُوَ أحبّ إِلَيْنَا (من) الْحَارِث .
فَإِذن ارْتَفَعت عَنهُ جَهَالَة الْعين وَالْحَال ، فلولا مَا مَضَى ، (لَكَانَ حسنا
) .
أما [ مَحْمُود بن مُحَمَّد ] الْمروزِي (السَّابِق) : فقد ذكره الْخَطِيب فِي " تَارِيخه " وحَسَّن حَاله .
الطَّرِيق الثَّانِي : رَوَاهُ أَبُو بكر الْبَزَّار فِي "مُسْنده" من حَدِيث أبي هِلَال الرَّاسِبِي ، وَيزِيد بن إِبْرَاهِيم ، عَن مُحَمَّد ، عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِذا ولغَ الْكَلْب فِي إِنَاء أحدكُم ، ليغسله سبع مَرَّات ، إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ " .
وَأَبُو هِلَال الرَّاسِبِي اسْمه مُحَمَّد بن سليم ، بَصرِي ، وَلم يكن من بني راسب ، وإنَّما نزل فيهم ، رَوَى لَهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة ، وَفِيه مقَال ، كَانَ يَحْيَى بن سعيد لَا يعبأ بِهِ ، وَقَالَ يزِيد بن زُرَيْع : عَدَلت عَنهُ [1/551] عمدا . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . ووثَّقه ( أَبُو دَاوُد ) . وَقَالَ ابْن معِين : صَدُوق .
الطَّرِيق الثَّالِث : رَوَاهُ الْبَزَّار أَيْضا (فِي "مُسْنده") ، عَن عباد بن يَعْقُوب ، عَن الْوَلِيد بن أبي ثَوْر ، عَن السُّدي ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِذا وَلَغ الْكَلْب فِي إِنَاء أحدكُم ، فليغسله سبع مَرَّات - أَحْسبهُ قَالَ - : إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ " .
وعَبَّاد بن يَعْقُوب هَذَا هُوَ الراوجني ، أخرج لَهُ البُخَارِيّ مَقْرُونا ، وَقَالَ ابْن حبَان : هُوَ رَافِضِي دَاعِيَة . والوليد بن أبي ثَوْر ضَعَّفه النَّسَائِيّ وَغَيره . والسُّدي هُوَ إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن ، مُخْتَلَف فِيهِ ، وثَّقه أَحْمد ، وضعَّفه ابْن معِين ، ورُمي بالتشيع ، وَهُوَ السُّدي الْكَبِير ، صَاحب التَّفْسِير ، وَأما السُّدي الصَّغِير فَهُوَ مُحَمَّد بن مَرْوَان ، يروي عَن الْأَعْمَش ، وَهُوَ مُتَّهم هَالك . ووالده : لَا أعرف حَاله ، وَقد أخرج لَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ .
(ثمَّ) اعْلَم أَن مُقْتَضَى كَلَام النَّوَوِيّ (فِي "شرح الْمُهَذّب") - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمسَائِل المنثورة ثُبُوت هَذِه اللَّفْظَة - أَعنِي لَفْظَة : "إِحْدَاهُنَّ" - وَقد عرفت حَاله ، وَكَلَامه فِيهَا فِي "شرح الْمُهَذّب" كَمَا سلف
.