الحَدِيث الرَّابِع وَالْعشْرُونَ
( أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصْغِي للهرة الإِناء ) .
هَذَا الحَدِيث لَهُ طَرِيقَانِ ، (أَحدهمَا) : من طَرِيق جَابر ، وَالثَّانِي : من طَرِيق عَائِشَة . [1/565] أما الأول : فَرَوَاهُ ابْن شاهين فِي "(تَارِيخه" و) "ناسخه ومنسوخه" ، من حَدِيث ابْن إِسْحَاق ، عَن صَالح ، عَن جَابر ، قَالَ : " كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (يضع) الإِناء للسنور ، فيلغ فِيهِ ، ثمَّ يتَوَضَّأ من فَضْلِه " .
وَابْن إِسْحَاق عَقَدتُ لَهُ فصلا فِي "كتاب الصَّلَاة" فليُنْظَر مِنْهُ .
وَأما الطَّرِيق الثَّانِي : فلهَا أَربع طرق :
أَجودهَا : رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" وَالْبَيْهَقِيّ فِي "خلافياته" وَابْن شاهين فِي "ناسخه ومنسوخه" ، من حَدِيث يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الْأنْصَارِيّ ، عَن عبد ربه بن سعيد ، عَن أَبِيه ، عَن عُرْوَة بن الزبير ، عَن عَائِشَة رَضِي اللهُ عَنْهُا قَالَت : " كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يمر بالهرة ، فيصغي لَهَا الإِناء ، فَتَشرب ثمَّ يتَوَضَّأ بفضلها" .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : قَالَ أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي : يَعْقُوب هَذَا هُوَ أَبُو يُوسُف القَاضِي ، وَعبد ربه هُوَ عبد الله بن سعيد المَقْبُري ، وَهُوَ ضَعِيف عِنْدهم بِمرَّة .
وَمَعْنى "يُصْغِي" : يمِيل تسهيلًا للشُّرْب عَلَيْهَا ، وَمِنْه : ( فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) ، أَي : مالتا عَن الْحق . [1/566] الطَّرِيق الثَّانِي : رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن مُحَمَّد بن عمر ، عَن عبد الحميد (بن) عمرَان بن أبي أنس ، عَن أَبِيه ، عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة : " أنَّ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يصغي إِلَى الْهِرَّة الإِناء ، حتَّى تشرب مِنْهُ ، ثمَّ يتَوَضَّأ بفضلها" .
مُحَمَّد بن (عمر) هُوَ الْوَاقِدِيّ ، وَقد أَكثر القَوْل فِيهِ ، وأفظع فِيهِ النَّسَائِيّ ، فنسبه إِلَى وضع الحَدِيث .
الطَّرِيق الثَّالِث : عَن عبد الله بن سعيد ، عَن أَبِيه ، عَن أبي سَلمَة ، عَن عَائِشَة ، قَالَت : "رُبمَا رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكْفِئ الإِناء للسِنَّور حتَّى يشرب ، ثمَّ يتَوَضَّأ مِنْهُ " .
ذكره الشَّيْخ فِي "الإِمام" بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ .
الطَّرِيق الرَّابِع : عَن أبي حنيفَة ، عَن حَمَّاد ، عَن إِبْرَاهِيم ، عَن الشّعبِيّ ، عَن عَائِشَة : " أنَّ رَسُول الله توضَّأ ذَات يَوْم ، فَجَاءَت الْهِرَّة فَشَرِبت من المَاء ، فتوضَّأ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (مِنْهُ) (وَشرب) (مِنْهُ) مَا بَقِي ) . [1/567] وَقد رُوي عَن عَائِشَة رَضِي اللهُ عَنْهُا من طَرِيقين آخَرين : "أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يتَوَضَّأ بِفضل الْهِرَّة" .
أَحدهمَا : عَن (دَاوُد بن صَالح) التَمَار ، عَن أمه "( أَن) مولاتها أرسلتها (بهريسة) إِلَى عَائِشَة رَضِي اللهُ عَنْهُا ، فَوَجَدتهَا تصلِّي ، فَأَشَارَتْ إليَّ أَن ضعيها ، فَجَاءَت هرة فَأكلت مِنْهَا ، فَلَمَّا انصرفت أكلت من حَيْثُ أكلت الْهِرَّة ، فَقَالَت : إِن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إنَّها لَيست بِنَجس ، (إنَّما هِيَ) من الطوافين عَلَيْكُم . وَقد رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتوضَّأ بفضلها " .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَقَالَ : تَفرَّد بِهِ عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد الدَّرَاورْدِي ، عَن دَاوُد بن صَالح ، عَن أمه بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ .
قُلْتُ : قَالَ أَحْمد فِي دَاوُد : لَا أعلم بِهِ بَأْسا . فَإِذا لَا يضر تفرُّده ، لَكِن أمه مَجْهُولَة لَا يُعلَم لَهَا حَال
، وَلِهَذَا قَالَ الْبَزَّار : لَا يثبت من جِهَة النَّقْل . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "علله" : اخْتلف فِي هَذَا الحَدِيث ، فرفعه قوم ، وَوَقفه آخَرُونَ . وَاقْتَضَى كَلَامه أَن وَقفه هُوَ الصَّحِيح
.
وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي "مُعْجم شُيُوخه" بِحَذْف أم دَاوُد ، والإِتيان بِأَبِيهِ بدلهَا ، من حَدِيث الدَّرَاورْدِي ، عَن [ دَاوُد بن صَالح ] ، عَن أَبِيه ، [1/568] عَن عَائِشَة مَرْفُوعا فِي الْهِرَّة : "إِنَّهَا لَيست بِنَجس" .
( وَصَالح بن دِينَار ) ، ذكره ابْن حبَان فِي "الثِّقَات" .
الطَّرِيق الثَّانِي : عَن حَارِثَة - بِالْحَاء الْمُهْملَة ، (بعْدهَا ألف) ، ثمَّ رَاء مُهْملَة ، ثمَّ ثاء مُثَلّثَة ، ثمَّ هَاء - بن مُحَمَّد ، (عَن عمْرَة) ، عَن عَائِشَة ، قَالَت : " كنت أتوضأ أَنا وَرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من إِنَاء وَاحِد ، وَقد أَصَابَت مِنْهُ الْهِرَّة قبل ذَلِك " .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ : لَا بَأْس بحارثة .
قُلْتُ : وضَعَّفه يَحْيَى ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك .

وَله طَرِيق ثَالِث : رَوَاهُ الْخَطِيب فِي "تَارِيخه" من حَدِيث (سلم بن) الْمُغيرَة الْأَزْدِيّ ، نَا مُصعب بن ماهان ، نَا سُفْيَان ، عَن هِشَام ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة ، قَالَت : "توضَّأت أَنا وَرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من إِنَاء وَاحِد ، وَقد أصَابَتْه الْهِرَّة قبل ذَلِك " ، ثمَّ قَالَ : تَفَرَّد بِهِ عَن سُفْيَان : مُصعب بن ماهان ، وَلم أَرَه إلاَّ من حَدِيث سلم [ عَنهُ ] . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : ( سلم ) لَيْسَ بِالْقَوِيّ . [1/569] وَله طَرِيق رَابِع : رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أَصْغَر معاجمه" ، من حَدِيث جَعْفَر بن (عَنْبَسَة) الْكُوفِي ، نَا عمر بن حَفْص (الْمَكِّيّ) ، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه ، عَن جده عَلّي بن الْحُسَيْن ، عَن ( أنس ) رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ : "خرج رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أَرض بِالْمَدِينَةِ - يُقَال لَهَا : (بطحان) - فَقَالَ : يَا أنس ، اسكب لي وضُوءًا . فَسَكَبت لَهُ ، فَلَمَّا قَضَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَاجته ، أقبل إِلَى الإِناء ، وَقد أَتَى هِرٌّ فولغ فِي الإِناء ، فَوقف لَهُ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقْفَة حتَّى شرب الهر ، ثمَّ توضَّأ ، فَذكرت لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمر الهر ، فَقَالَ : يَا أنس ، إِن الهِرَّ من متاعِ البيتِ ، لن يُقَذِّرَ شَيْئا ، وَلنْ يُنجسهُ " .
قَالَ الطَّبَرَانِيّ : لم يَرْوِه عَن جَعْفَر بن (عَنْبَسَة) الْكُوفِي إلاَّ عمر بن حَفْص الْمَكِّيّ ، وَلَا رَوَى (عَن) عَلّي بن الْحُسَيْن عَن أنس [ حَدِيثا ] غير هَذَا .
فإنْ قيل : قد ورد حَدِيث يُخَالف هَذِه الْأَحَادِيث ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ ، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : " يُغسل من ولوغ الْكَلْب سبعا ، وَمن ولوغ الْهِرَّة مرّة " . [1/570] فَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن :
أَحدهمَا : - عَلَى تَقْدِير صِحَّته - أنَّ هَذِه اللَّفْظَة - وَهِي قَوْله : "وَمن ولوغٍ الْهِرَّة مرّة" - مدرجة فِي الحَدِيث من كَلَام أبي هُرَيْرَة ، مَوْقُوفا عَلَيْهِ ، (لَيست) من كَلَام رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَه الْبَيْهَقِيّ ، وَغَيره من الْحفاظ .
الثَّانِي : - وَبِه أجَاب (الإِمام) الشَّافِعِي - أَن هَذَا الحَدِيث مَتْرُوك الظَّاهِر بالِاتِّفَاقِ ؛ لِأَن ظَاهره (يَقْتَضِي) وجوب غسل الإِناء من ولوغ الْهِرَّة ، وَلَا يجب ذَلِك بالإِجماع .
خاتمتان :
إِحْدَاهمَا : لَمَّا ذَكَر الإِمَام الرَّافِعِيّ الدَّلِيل عَلَى نَجَاسَة الْخمر قَالَ : أَلا ترَى أَن الشَّرْع حكم بِنَجَاسَة الْكلاب لَمَّا نهَى عَن مخالطتها ، مُبَالغَة فِي الْمَنْع . انْتَهَى .
فَأَما حكمه بنجاستها ؛ فقد عَلمته مِمَّا تقدَّم ، وَأما نَهْيه عَن مخالطتها ؛ فَهُوَ ثَابت فِي "الصَّحِيحَيْنِ " من حَدِيث سَالم ، عَن ابْن عمر ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَن اقتنى كَلْبا ، إلاَّ كلب صيد أَو مَاشِيَة ، (فإنَّه) ينقص من أجره كل يَوْم قيراطان" . قَالَ سَالم : وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَقُول : "أَو كلب حرث" وَكَانَ صَاحب حرث . وَفِي رِوَايَة : "كل يَوْم (قِيرَاط) " . [1/571] قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي "جَامع المسانيد" : وَهِي من أَفْرَاد مُسلم .
وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، وَمن حَدِيث [ سُفْيَان بن أبي زُهَيْر ] ، وَقد صَحَّ الْأَمر (بقتلهن) ، وكل ذَلِك يدل عَلَى النَّهْي عَن (مخالطتهن)
.