|
[1/578] بَاب الْأَوَانِي ذكر رَحِمَهُ اللَّهُ فِيهِ ثَلَاث عشر حَدِيثا : الحَدِيث الأول " أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بشَاة (ميتَة) لميمونة ، فَقَالَ : هَلاَّ أَخَذْتُم إهَابَها ، فَدَبَغْتُموه ، (فانتفعتم) بِهِ . فَقيل : إِنَّهَا ميتَة ! فَقَالَ : أَيُّما إهَاب دُبغَ فقد طَهُر " . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي "صَحِيحَيْهِمَا" ، بِدُونِ اللَّفْظَة الْأَخِيرَة فِيهِ ، وَبِدُون أَن الشَّاة لميمونة ، وإنَّما (هِيَ) لمولاتها ، من رِوَايَة ابْن عَبَّاس رَضِي اللهُ عَنْهُما قَالَ : "تُصُدِّق عَلَى مولاة لميمونة بِشَاة ، فَمَاتَتْ ، فمرَّ بهَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : هَلاَّ أَخَذْتُم إهابها ، (فدبغتموه) ، فانتفعتم بِهِ ؟ فَقَالُوا : إِنَّهَا ميتَة ! فَقَالَ : إِنَّمَا حَرُم أكلهَا " . (هَذَا لفظ مُسلم) . وَفِي رِوَايَة (لَهُ) : "(هلاَّ) انتفعتم بجلدها ؟" . (وَفِي رِوَايَة لَهُ : "أَلا أَخَذْتُم إهابها) [1/579] (فاستمتعتم) بِهِ ؟" . وَفِي رِوَايَة : "أَلا انتفعتم بإهابها ؟" . وَفِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس ، عَن مَيْمُونَة أَنَّهَا أخْبرته : " أنَّ (داجنة) كَانَت (لبَعض) نسَاء رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَمَاتَتْ ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) : أَلا أَخَذْتُم إهابها ، فاستمتعتم بِهِ " . وَلَفظ رِوَايَة البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس : " وَجَدَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَاة ميتَة ، (أُعطيتها مولاة لميمونة من الصَّدَقَة) ، فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَام - : هَلاَّ (انتفعتم بجلدها) ؟ قَالُوا : إِنَّهَا ميتَة ! قَالَ : إِنَّمَا حرم أكلهَا " . (وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن ابْن عَبَّاس : " أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِشَاة ميتَة ، فَقَالَ : هَلاَّ استمتعتم بإهابها ؟ قَالُوا : إِنَّهَا ميتَة ! قَالَ : إِنَّمَا حرم أكلهَا ") . وَفِي رِوَايَة لَهُ عَنهُ : " مرَّ - عَلَيْهِ السَّلَام - بِعَنْزٍ ميتَة ، فَقَالَ : مَا عَلَى أَهلهَا لَو انتفعوا بإهابها " . وَلم يقل البُخَارِيّ فِي شَيْء من طرقه : "فدبغتموه" ، كَمَا نَبَّه عَلَيْهِ عبد الْحق أَيْضا . [1/580] وَقد خَفِيَ عَلَى بعض الحفَّاظ - كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ - فَجعل هَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد مُسلم ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ ، فقد رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع من "صَحِيحه" مِنْهَا : "كتاب الزَّكَاة" ، فِي الصَّدَقَة عَلَى موَالِي أَزوَاج النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاللَّفْظِ الأول ، وَفِي كتاب "الصَّيْد والذبائح" ، و "الْبيُوع" بِاللَّفْظِ الثَّانِي . وَرَوَى النَّسَائِيّ فِي "سنَنه" ، من رِوَايَة ابْن عَبَّاس أَيْضا ، قَالَ : " مرَّ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَاة لميمونة ميتَة ، فَقَالَ : أَلا أَخَذْتُم إهابها ، فدبغتموه ، فانتفعتم بِهِ " . وَإِسْنَاده صَحِيح ، وَهَذِه الرِّوَايَة موافِقة لِمَا أوردهُ الإِمام الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب ، من كَون الشَّاة كَانَت لميمونة . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الإِمام أَحْمد فِي "مُسْنده" ، وَهَذَا لَفظه عَن ابْن عَبَّاس : " أَنه - عَلَيْهِ السَّلَام - مَرَّ بِشَاة ميتَة لميمونة ، فَقَالَ : أَلا أخذُوا إهابها ، فدبغوه ، فانتفعوا بِهِ ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُول الله ( إِنَّهَا ميتَة ! فَقَالَ :) إِنَّمَا حرم أكلهَا " . وَرَوَى البُخَارِيّ فِي "صَحِيحه" مُنْفَردا بِهِ ، فِي بَاب : من حلف لَا يشرب نبيذًا ، من [ كتاب ] "الْأَيْمَان وَالنُّذُور" ، لَكِن عَن ابْن عَبَّاس ، [1/581] عَن سَوْدَة ، قَالَت : "مَاتَت لنا شَاة ، فدبغنا مَسْكَها ، ثمَّ (مَا زلنا) (نَنْبِذُ) فِيهِ حتَّى (صَار) شَنًّا " . نعم فِي بعض نسخ البُخَارِيّ : عَن مَيْمُونَة ، (بدل) سَوْدَة . وَفِي رِوَايَة للبزار : " مَاتَت شَاة لميمونة ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَلا استمتعتم بإهابها ، فإنَّ دباغ الْأَدِيم طهوره " . وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا فِي أثْنَاء الحَدِيث السَّادِس من هَذَا الْبَاب ، فِي الطَّرِيق الرَّابِع مِنْهُ ، وَهِي أقرب الطّرق إِلَى مَا فِي الْكتاب . وَفِي رِوَايَة لمُسلم عَن مَيْمُونَة ، أَنَّهَا قَالَت لِابْنِ عَبَّاس : " إنَّ دَاجِنًا كَانَت لبَعض نسَاء رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَاتَتْ ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَلا أَخَذْتُم إهابها فاستمتعتم بِهِ " . وَقد تقدّمت ، وَالظَّاهِر أَن الْمُبْهم فِي هَذِه الرِّوَايَة مَا هُوَ مُفَسّر فِي رِوَايَة أَحْمد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالْبَزَّار . نعم سَيَأْتِي قَرِيبا أنَّ سَوْدَة رَضِي اللهُ عَنْهُا وَقع لَهَا (مثل هَذَا) ، فتوقفتُ فِي هَذَا الظَّاهِر . ( ويتلخص من هَذَا كُله : أَن الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا المُصَنّف) : أَن [1/582] الشَّاة لميمونة ، صَحِيحَة مَوْجُودَة ، وَقد غَلِطَ (من) غَلَّطَه فِي ذَلِك ، وَأنكر عَلَيْهِ وَعَلَى غَيره (من الْفُقَهَاء ) . وَجَمَع الإِمام الرَّافِعِيّ فِي "شرح الْمسند" بَين هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَحْسَن جمع ، فَقَالَ : "يُمكن أَن تكون الْقِصَّة وَاحِدَة ، لكَون مولاتها كَانَت عِنْدهَا ، وَمن خدمها ، فَتَارَة نُسبت الشَّاة إِلَيْهَا ، وَتارَة إِلَى مَيْمُونَة" . وَهَذَا جمع متين . وَمن الْفَوَائِد الْمُهِمَّات : أَنه قد جَاءَ فِي رِوَايَة صَحِيحَة ، لَا شكّ وَلَا ارتياب فِي صِحَة سندها ، وثقة رواتها : أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ هُوَ الْمُعْطِي الشَّاة لمولاة مَيْمُونَة - وَتَكون هَذِه الرِّوَايَة مفسرة لرِوَايَة "الصَّحِيحَيْنِ" الْمُتَقَدّمَة ، فَإِنَّهَا (وَردت) مَبْنِيَّة للْمَفْعُول ، حَيْثُ قَالَ : "تُصدق" - وَهِي مَا رَوَاهَا النَّسَائِيّ فِي "سنَنه" ، من حَدِيث مَالك ، عَن ابْن شهَاب ، عَن عبيد الله بن عبد الله ، عَن ابْن عَبَّاس ، قَالَ : " مَرَّ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَاة (ميتَة) ، كَانَ (هُوَ) أَعْطَاهَا مولاة لميمونة زوج النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : هلا انتفعتم بجلدها ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُول الله إنَّها (ميتَة) ! فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا حرم أكلهَا " . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي (بِسَنَدِهِ) كَذَلِك . [1/583] وَقد (رُوِيَ) نَحْو هَذَا فِي شَاة لسودة ، فَفِي "صَحِيح البُخَارِيّ" مَا تقدم ، وَفِي "مُسْند أَحْمد" بِإِسْنَاد صَحِيح عَن ابْن عَبَّاس ، قَالَ : " مَاتَت شَاة لسودة ، فَقَالَت : يَا رَسُول الله مَاتَت فُلَانَة - يَعْنِي الشَّاة - قَالَ : فَهَلا أَخَذْتُم مسكها ؟ قَالَت : أنأخذ مسك شَاة قد مَاتَ ؟ ! فَقَالَ لَهَا : إِنَّمَا قَالَ الله : (قل لَا أجد فِي مَا أُوحِي إِلَيّ محرما عَلَى طاعم يطعمهُ إِلَّا أَن يكون ميتَة أَو دَمًا مسفوحًا أَو لحم خِنْزِير) ، فَإِنَّكُم لَا تطعمونه إِن (تدبغوه) (فتنتفعوا) بِهِ . قَالَت : (فَأَرْسَلنَا) إِلَيْهَا (فسلخت) مسكها ، (فدبغته) ، فاتخذت مِنْهُ قربَة ، حتَّى تَخَرَّقت عِنْدهَا " . وَأخرجه ابْن حبَان أَيْضا فِي "صَحِيحه" بِمثلِهِ . و "الإِهاب" : بِكَسْر الْهمزَة ، جمعه : "أُهُب" : بِضَم الْهمزَة ، وَالْهَاء ، و "أَهَب" : بِفَتْحِهَا ، لُغَتَانِ مشهورتان . (وَلم) يُجِزْ ابْن دُرَيْد سُوَى الْفَتْح . وَاخْتلف أهل اللُّغَة فِيهِ ، فَقَالَ إِمَام اللُّغَة والعربية أَبُو عبد الرَّحْمَن الْخَلِيل بن أَحْمد رَحِمَهُ اللَّهُ : الإِهاب هُوَ الْجلد قبل أَن يُدبغ ، وَكَذَا ذكر أَبُو دَاوُد فِي "سنَنه" ، وَحَكَاهُ عَن النَّضر بن شُمَيْل ، وَلم (يذكر) [1/584] غَيره ، وَكَذَا (حَكَاهُ) الْجَوْهَرِي ، وَآخَرُونَ من أهل اللُّغَة . وَذكر الْأَزْهَرِي فِي "شرح أَلْفَاظ الْمُخْتَصر" ، والخطابي ، وَغَيرهمَا : أَنه الْجلد ، وَلم يقيدوه بِمَا لم يدبغ . وَقَالَ (القَزَّاز) فِي كِتَابه "جَامع اللُّغَة" : "هُوَ الْجلد ، سُمِّي بذلك مدبوغًا وَغير مدبوغ" . وَقَالَ ابْن فَارس : "هُوَ كل جلد" ، وَقَالَ قوم : هُوَ الْجلد قبل أَن يدبغ . وَقَوله : "طهر" ، هُوَ بِفَتْح الْهَاء ، وَضمّهَا ، وَكسرهَا ، ثَلَاث لُغَات حكاهن ابْن مَالك فِي "مثلثه" .
|