الحَدِيث الْحَادِي عشر
" أَن قَبِيْعَةَ سيف رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَت من فضَّة " .
هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق :
أَحدهَا : من رِوَايَة أنس . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ فِي الْجِهَاد ، وَالنَّسَائِيّ فِي الزِّينَة ، من حَدِيث قَتَادَة عَنهُ . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هُوَ حَدِيث حسن غَرِيب ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن همام ، عَن قَتَادَة ، عَن أنس . وَقد رَوَى بَعضهم عَن قَتَادَة ، (عَن سعيد بن أبي الْحسن ، قَالَ : " كَانَت قبيعة سيف رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) من فضَّة " .
قُلْتُ : هَكَذَا (أخرجه) أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، فِي (إِحْدَى) روايتيهما ، (ونصَّ) الحفَّاظ عَلَى أَن الصَّوَاب هَذِه الرِّوَايَة - أَعنِي رِوَايَة الإِرسال - فَقَالَ النَّسَائِيّ : هَذَا حَدِيث مُنكر ، وَالصَّوَاب : (قَتَادَة عَن سعيد مُرْسلا . وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي " علله " : إنَّ [1/636] إرْسَاله هُوَ الصَّوَاب ) . وَكَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد : إنَّ أَقْوَى الْأَحَادِيث ، حَدِيث سعيد بن أبي الْحسن الْبَصْرِيّ ، (والباقية) ضِعَاف . وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : الْمَحْفُوظ أَنه مُرْسل . وَكَذَا قَالَ الْبَزَّار : إِنَّمَا يُرو عَن قَتَادَة ، عَن سعيد بن أبي الْحسن مُرْسلا ، وَهُوَ الصَّوَاب . وَكَذَا قَالَ الدَّارمِيّ لمَّا أخرجه فِي "مُسْنده" (مُسْندًا) : هِشَام الدستوَائي (خَالفه) - يَعْنِي جَرِيرًا - قَالَ : قَتَادَة عَن سعيد بن أبي الْحسن ، عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَزعم النَّاس أَنه الْمَحْفُوظ . وَكَذَا (قَالَ) الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ : إِن الْمُرْسل هُوَ الصَّوَاب .
وَفِي " علل أَحْمد " قَالَ عبد الله : حَدَّثَنَي أبي ، عَن عَفَّان ، قَالَ : جَاءَ أَبُو جزي - واسْمه : نصر بن طريف - إِلَى جرير بن حَازِم ، يشفع لإِنسان فِي حَدِيث ، فَقَالَ جرير : نَا قَتَادَة ، عَن أنس ، قَالَ : " كَانَت (قبيعة) سيف رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من فضَّة " . قَالَ أَبُو جزي : كذب وَالله ، مَا حَدَّثَنَاه قَتَادَة إلاَّ عَن سعيد بن أبي الْحسن . قَالَ أبي : وَهُوَ قَول أبي جزي . [1/637] يَعْنِي : أصَاب وَأَخْطَأ جرير .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " سنَنه " : تفرد بِهِ جرير ، عَن قَتَادَة ، عَن أنس . وَرَوَاهُ قَتَادَة عَن سعيد بن أبي الْحسن مُرْسلا . ثمَّ قَالَ : وَهُوَ الْمَحْفُوظ .
قُلْتُ : رِوَايَة جرير ، أخرجهَا التِّرْمِذِيّ ، وحَسَّن الحَدِيث ، ثمَّ قَالَ : وَهَكَذَا رَوَى همام عَن قَتَادَة عَن أنس . وَأخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة : همام وَجَرِير عَن قَتَادَة . فَظهر بِهَذَا أَن جَرِيرًا لم يتفرد بِهِ ، وَلَفظه فِي هَذِه الرِّوَايَة ، عَن أنس ، قَالَ : " كَانَت نعل سيف رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من فضَّة ، وقبيعة (سَيْفه) فضَّة ، وَمَا بَين ذَلِك حلق الْفضة " .
الطَّرِيق الثَّانِي : رِوَايَة ( مزيدة) (بن) جَابر الْعَبْدي العصري . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي الْجِهَاد ، من حَدِيث : طَالب بن حُجَيْر ، نَا هود بن عبد الله [ بن ] سعد ، عَن جده ( مزيدة) رَضِي اللهُ عَنْهُ ، قَالَ : " دخل النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْم الْفَتْح ، وَعَلَى سَيْفه ذهب وَفِضة . قَالَ طَالب : فَسَأَلته عَن الْفضة ، (فَقَالَ) : كَانَت قبيعة سَيْفه فضَّة " .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب . وَقَالَ ابْن القَطَّان : هُوَ [1/638] عِنْدِي ضَعِيف لَا حسن ؛ لِأَن طَالبا وهودًا مَجْهُولا الْحَال ، وَسُئِلَ الرازيان عَن طَالب فَقَالَا : شيخ . قَالَ الذَّهَبِيّ (فِي " الْمِيزَان ") : صَدَقَ أَبُو الْحسن .
قُلْتُ : لَا ، طَالب رَوَى عَنهُ (جمَاعَة) ، وَذكره ابْن (حبَان ) فِي " ثقاته
" وَفِي " التذهيب " : (هود) بن عبد الله بن سعد ، الْعَبْدي ، عَن جده لأمه : (مزيدة) ، ومعبد بن وهب ، وَلَهُمَا صُحْبَة ، وَعنهُ : طَالب بن (حُجَيْر) .
وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي "الْمِيزَان " : تفرَّد (بِهِ) طَالب ، وَهُوَ صَالح الْأَمر - إِن شَاءَ الله - وَهَذَا مُنكر ، فَمَا (علمنَا) فِي (حلية) سَيْفه (عَلَيْهِ السَّلَام) ذَهَبا .
الطَّرِيق الثَّالِث : من رِوَايَة أبي أُمَامَة . أخرجه النَّسَائِيّ : فِي أَوَاخِر الزِّينَة واللباس ، عَن عمرَان بن (يزِيد) ، ثَنَا عِيسَى ين يُونُس ، ثَنَا [1/639] عُثْمَان بن حَكِيم ، عَن أبي أُمَامَة بن سهل قَالَ : ( كَانَت قبيعة سيف رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من فضَّة ) .
وَهَذَا إِسْنَاد لَا ريب فِي صِحَّته ، ( عمرَان ) : قَالَ النَّسَائِيّ فِي حَقه : لَا بَأْس بِهِ وَعِيسَى : هُوَ (السبيعِي) ، أخرج لَهُ السِّتَّة ، ووثَّقه أَبُو حَاتِم ، وَجمع .
وَعُثْمَان : أخرج لَهُ مُسلم ، وَالْبُخَارِيّ تَعْلِيقا ، وَقَالَ أَحْمد ، ابْن معِين : ثِقَة ، وَقَالَ أَبُو خَالِد الْأَحْمَر : هُوَ أوثق أهل الْمَدِينَة وأعبدهم .
الطَّرِيق الرَّابِع : عَن هِشَام بن عَمَّار ، نَا مُحَمَّد بن حمير ، حَدَّثَنَي أَبُو الحكم (الصيقل) ، قَالَ : حَدَّثَنَي مَرْزُوق (الصيقل ) : " أَنه صقل سيف رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (ذَا) الفقار ، وَكَانَت لَهُ قبيعة من فضَّة ..." الحَدِيث بِطُولِهِ .
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" كَذَلِك ، وَلَا أعلم بِهَذَا السَّنَد بَأْسا . [1/640] "القَبِيعة" : بِفَتْح الْقَاف ، وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة ، هِيَ الَّتِي تكون عَلَى رَأس قَائِم السَّيْف ، وطرف مقبضه ، من (فضَّة) ، أَو حَدِيد .
قَالَ الشَّيْخ (زكي الدَّين) : "وَقيل : مَا تَحت شاربَيْ السَّيْف ، (مِمَّا) يكون فَوق الغمد . وَقيل : هِيَ التومة الَّتِي (تكون) فَوق المقبض" . قَالَ : "وَجَاز ذَلِك فِي السَّيْف لِأَنَّهُ من زِينَة الرجل وآلته ، فيقاس عَلَيْهِ المنطقة ، وَنَحْوهَا من أَدَاة الْفَارِس ، دون أَدَاة الْفرس
.