فصل :
فِي أولَى مَا يُستاك بِهِ ، وَمَا لَا يَنْبَغِي أَن يُستاك بِهِ
فِيهِ أَحَادِيث : الأول : عَن معَاذ بن جبل - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : سَمِعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : " نِعْم السواكُ الزَّيتونُ ، مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ، يُطَيِّبُ الفْمَ ، ويُذْهِبُ بالحفرِ ، وَهُوَ سِواكِي وسِوَاكُ الأنبياءِ قَبْلِي " .
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي " أَوسط معاجمه " عَن أَحْمد بن عَلّي الأَبَّار ، عَن مُعَلَّل بن نفَيْل ، عَن مُحَمَّد بن مُحصن ، عَن إِبْرَاهِيم بن أبي عبلة ، عَن عبد الرَّحْمَن بن الديلمي ، عَن عبد الرَّحْمَن [2/62] ابن غنم ، عَن معَاذ . وَقَالَ : لم يروه عَن إِبْرَاهِيم بن أبي عبلة إلاَّ ابْن مُحصن .
وَرَوَاهُ أَبُو نعيم مثله وَقَالَ فِي أوَّله عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم ، قَالَ : " رُبمَا سَافَرت مَعَ معَاذ بن جبل فيمر بشجرة الزَّيْتُون فَيَأْخُذ مِنْهَا الْقَضِيب فيستاك بِهِ وَيَقُول : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ..." ، فَذكر الحَدِيث .
الحَدِيث الثَّانِي : عَن زر ، عَن عبد الله بن مَسْعُود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : " كُنْتُ أَجْتَنِي لِرسول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سِوَاكًا مِنْ أرَاك " .
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" وَأَبُو يعْلى الْموصِلِي وَصَححهُ ابْن حبَان ، لأنَّه أخرجه فِي "صَحِيحه " . لَا جرم ، قَالَ الْحَافِظ ضِيَاء الدَّين الْمَقْدِسِي فِي " أَحْكَامه " : " رِجَاله عَلَى شَرط الصَّحِيح " .
وَرَوَاهُ الإِمام أَحْمد عَن ابْن مَسْعُود مَوْقُوفا عَلَيْهِ " أنَّه كَانَ يجتني سواكًا من أَرَاك " .
الحَدِيث الثَّالِث : عَن أبي خيرة - بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الْيَاء [2/63] الْمُثَنَّاة تَحت - الصُباحي - بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة بعْدهَا بَاء مُوَحدَة وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة - قَالَ : " كنت فِي الْوَفْد الَّذِي أَتَيْنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من عبد الْقَيْس فزودنا الْأَرَاك وَقَالَ : اِسْتَاكُوا بِهَذَا " . وَفِي رِوَايَة : "يستاك بِهِ" .
رَوَاهُمَا البُخَارِيّ فِي "تَارِيخه" .
وَقَالَ خَليفَة بن خياط عَلَى مَا نَقله الْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي "كناه" : أَبُو خيرة الصباحي وَكَانَ فِي وَفد عبد الْقَيْس رَوَى : " اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِعَبْدِ قَيس " ، وَقَالَ : " زودنا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الْأَرَاك نستاك بِهِ " .
قَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد : قَالَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل - يَعْنِي البُخَارِيّ - : قَالَ خَليفَة : ثَنَا عون بن كهمس ، ثَنَا دَاوُد بن الْمسَاوِر ، عَن مقَاتل بن همام ، عَن أبي خيرة قَالَ : " كنت فِي الْوَفْد الَّذين أَتَيْنَا النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من عبد الْقَيْس فزودنا بالأراك " .
وَذكره أَبُو نعيم فِي "الْمعرفَة" فِي تَرْجَمَة أبي خيرة وَلَفظه : " فزودنا بالأراك نستاك بِهِ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُول الله عندنَا الجريد وَلَكِن نقبل كرامتك وعطيتك ، ثمَّ دَعَا لَهُم النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " . وَفِي رِوَايَة لَهُ : "وَكُنَّا [2/64] أَرْبَعِينَ رجلا ، وَقُلْنَا : إِن عندنَا العُسُب وَنحن نجتزئ بِهِ" ، وَهَذِه أخرجهَا الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" ، وَفِيه : " ثمَّ أَمر لنا بأراك فَقَالَ : اِسْتَاكُوا بِهَذَا . فَقُلْنَا : يَا رَسُول الله ، إِن عندنَا العسب وَنحن نجتزئ بِهِ فَرفع يَدَيْهِ ودعا لَهُم " . ثمَّ أخرج الأولَى أَيْضا مثلهَا سَوَاء .
وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى "الْمُهَذّب" : رَأَيْت بِخَط أبي مَسْعُود الدِّمَشْقِي الْحَافِظ عَن أبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ : " أنَّه كَانَ فِي الْوَفْد - وَفد عبد الْقَيْس - الَّذين أَتَوا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . قَالَ : فَأمر لنا بأراك فَقَالَ : اِسْتَاكُوا بِهَذَا " .
قَالَ ابْن مَاكُولَا : لَيْسَ يرْوَى لأبي خيرة هَذَا سُوَى حَدِيث وَاحِد . وَلَا رَوَى عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من قَبيلَة صباح غَيره .
قَالَ ابْن الصّلاح : وَهَذَا الحَدِيث هُوَ مُسْتَند قَول أَصْحَاب "التَّنْبِيه" و "الإِيضاح" و "الْحَاوِي" حَيْثُ استحبوه . قَالَ : وَلم أجد فِيهِ فِي كتب الحَدِيث سُوَى هَذَا الحَدِيث .
قُلْتُ : وَقد ذكرت لَك أيُّها النَّاظر حَدِيثا أصح مِنْهُ وَهُوَ حَدِيث ابْن مَسْعُود الْمُتَقَدّم . وَذكر الْمَاوَرْدِيّ فِي "حاويه" حَدِيث أبي خيرة هَذَا بِلَفْظ : "كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يستاك بالأراك فإنْ تَعَذَّر عَلَيْهِ استاك بعراجين النّخل ، [2/65] فإنْ تعذر استاك بِمَا وجده " .
الحَدِيث الرَّابِع : عَن أبي زيد الغافقي ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " الأسوكةُ ثلاثةٌ : أرَاك ، فَإِنْ لمْ يكنْ أَرَاكَ فعَنَم أَبُو بطم " . قَالَ أَبُو وهب : العنم الزَّيْتُون .
رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي "معرفَة الصَّحَابَة" فِي تَرْجَمَة أبي زيد الغافقي من حَدِيث سعيد بن عفير ، ثَنَا أَبُو وهب الغافقي عَن عَمْرو بن شرَاحِيل الْمعَافِرِي عَنهُ بِهِ .
الحَدِيث الْخَامِس : عَن ضَمرَة بن حبيب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : " نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن السِّوَاك بِعُود الريحان وَقَالَ : إنَّه يُحَرك عرق الجذام " .
رَوَاهُ الْحَارِث بن أبي أُسَامَة فِي "مُسْنده" ، عَن الحكم بن مُوسَى ، عَن عِيسَى بن يُونُس ، عَن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مَرْيَم الغساني ، عَن ضَمرَة بِهِ .
[2/66] رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي كتاب "الطِّبّ" أَيْضا .
فَائِدَة : قَالَ أَبُو الْخطاب ابْن دحْيَة فِي كتاب "مرج الْبَحْرين" : كَأَن السِّوَاك الْمَذْكُور فِي حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور فِي فضل غسل السِّوَاك وتطييبه من عسيب النّخل كَمَا رَوَاهُ الإِمام أَبُو الْقَاسِم بن الْحسن . قَالَ : وَالْعرب تستاك بالعسيب . قَالَ : وَكَانَ أحب السِّوَاك إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صُرُع الْأَرَاك ، وواحدها صَرِيع وَهُوَ قضيب ينطوي من الْأَرَاك حتَّى يبلغ التُّرَاب فَيَبْقَى فِي ظلها وَهُوَ أَلين من فروعها .
قُلْتُ : وَوَقع فِي البُخَارِيّ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أَن هَذَا السِّوَاك كَانَ جَرِيدَة رطبَة . وَفِي " صَحِيح الْحَاكِم " أنَّه كَانَ من أَرَاك رطب . ثمَّ قَالَ : صَحِيح الإِسناد وَلم يخرجَاهُ .